
أمريكا والنظام الدولي .. مراجعة الدور – محمد علي الحيدري
في خطابٍ ألقاه خلال مشاركته في مؤتمر ميونخ للأمن، قدّم ماركو روبيو خلاصة واضحة للمزاج السياسي الجديد في واشنطن تجاه دورها الدولي. روبيو قال، بعبارات مباشرة، إن الولايات المتحدة “لا تستطيع الاستمرار في تحمّل كلفة قيادة العالم وحدها”، وإن نموذج العمل الدولي القائم، ولا سيما عبر الأمم المتحدة، لم يعد يحقق النتائج التي تبرّر حجم التمويل الأميركي ولا الثقل السياسي الذي تتحمله واشنطن. في مداخلته، شدد روبيو على أن الولايات المتحدة لا تنوي الانسحاب من الساحة الدولية ولا إدارة ظهرها للعالم، لكنه انتقد ما وصفه بـ”نموذج متقادم للتعددية”، تُختزل فيه القيادة بدور المموّل، فيما تعجز المؤسسات الدولية عن منع الحروب أو احتواء الأزمات الكبرى. وأشار بوضوح إلى أن الولايات المتحدة، في محطات مفصلية، كانت الفاعل الحاسم على الأرض، بينما بقي دور المنظمات الدولية إجرائياً أو لاحقاً للأحداث.
هذا التحديد لمكان الخلل ليس لغوياً ولا ظرفياً، بل يعكس تحوّلاً استراتيجياً أعمق في التفكير الأميركي. فواشنطن، بحسب هذا المنطق، لم تعد ترى القيادة العالمية التزاماً مفتوح السقف، بل وظيفة مشروطة بالعائد السياسي والأمني. القيادة هنا لا تُقاس بعدد الملفات التي تتولاها أميركا، بل بمدى انسجام تدخلها مع مصالحها القومية وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة.انتقاد الأمم المتحدة في خطاب روبيو لم يكن دعوة لهدم النظام الدولي، بل تشخيصاً لعجزه. فمؤسسة صُمّمت لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، باتت تعمل في بيئة دولية مختلفة جذرياً: تعددية قطبية، صراعات هجينة، وانقسامات حادة داخل مجلس الأمن نفسه. من هذا المنظور، ترى واشنطن أن الاستمرار في تمويل آليات لا تملك القدرة على الفعل السريع أو الحاسم أصبح عبئاً سياسياً داخلياً وخارجياً. لكن هذا التحول لا يخلو من تبعات. فإعادة تعريف القيادة الأميركية على هذا النحو تعني عملياً انتقال النظام الدولي من منطق “الضامن الواحد” إلى فضاء أكثر سيولة وأقل يقيناً. الحلفاء قد يواجهون شريكاً أكثر براغماتية وأقل اندفاعاً، فيما تجد قوى أخرى في تراجع الدور المؤسسي الدولي فرصة لتوسيع نفوذها وفق قواعد مختلفة. في المحصلة، ما قاله روبيو في ميونخ ليس انسحاباً من العالم ولا إعلان قطيعة مع التعددية، بل إعلان نهاية مرحلة. مرحلة كانت فيها أميركا تقود لأنها قادرة، وبدء مرحلة تريد أن تقود فيها لأنها مستفيدة. وبين هاتين المرحلتين، يقف النظام الدولي كله أمام سؤال مفتوح: هل يمكن للقيادة أن تبقى فاعلة حين تصبح مشروطة، لا مُطلقة؟


















