أما آن ألأوان لحل قضية كردستان؟ – كفاح محمود كريم

473

أما آن ألأوان لحل قضية كردستان؟ – كفاح محمود كريم

منذ أن ادغمت كردستان باجزائها الاربعة في دول لا ناقة لشعوبها فيها ولا جمل، وكل انظمة حكمها ترعب الكورد وتربهبهم من تبعات استقلال الجزء الذي تسيطر عليه تلك الدولة، وان كوارث عظيمة ستنال شعب كردستان، بل وقد ذهب البعض الى تأييدنا من منطلق حق تقرير المصير، لكنه وفي اول محاولة جدية للاستفتاء على الاستقلال انبرى هؤلاء المؤيدون لحق تقرير المصير وجلهم من اليساريين والتقدميين والديمقراطيين، انبروا الى اعلان خشيتهم علينا من الغول التركي والايراني، وإننا سنكون دويلة محاصرة ستنهار حالها حال شقيقتها في كردستان الشرقية، التي اغتالها التوافق السوفييتي الإيراني بصفقة غير طاهرة، بالضبط كما كان يرهبنا صدام حسين وحزبه والقذافي ولجانه الشعبية وبعث سوريا وأسده، من إن أي محاولة لإزالتهم من الحكم ستقوم القيامة، بل هدد صدام حسين بأنه سيحيل العراق إلى حفنة تراب إذا اخذوا الحكم منه، بهذه الثقافة والعقلية تعاملت معظم الأنظمة العنصرية والمحتلة لكردستان في أجزائها الأربعة، مع طموحات شعب يتجاوز تعداده الأربعين مليون نسمة، يرفض الاستكانة ومحاولة إلغائه، ويصر على أن يمارس إنسانيته وحريته وخياراته الاجتماعية والثقافية والسياسية وبشكل حضاري، دونما الذهاب إلى خيارات أخرى لولا انه اضطر إزاء عمليات الإبادة، الدفاع عن نفسه، كما حصل في معظم الثورات والانتفاضات عبر تاريخه. لقد اختار الكورد في ولاية الموصل، التي كانت تضم معظم كردستان العراق، الانضمام إلى المملكة العراقية، ورفضوا اعتبارهم ولاية تركية مقابل الاعتراف بحق تقرير المصير وتحقيق طموحاتهم السياسية والثقافية، واحتراما للعائلة الهاشمية التي كانت تتمتع بمقبولية كبيرة لدى الأهالي، الذين يدينون في غالبيتهم بالإسلام، ورغم ذلك وبعد سنوات ليست طويلة ظهرت بوادر الغدر والتحايل والتخلي عن تلك الوعود، بل وذهبت حكومات بغداد المتعاقبة، ومن مختلف التوجهات والعقائد، إلى كبح جماح طلائع الكورد واعتقالهم وإعدامهم وشن حرب شعواء على  كردستان، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وحتى غزوة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية داعش، التي اعتبرت الكورد مرتدين وجب إبادتهم كما فعل صدام حسين وعلي كيمياوي في حلبجة والانفال وأقرانهم في سوريا.

ابادة جماعية

لقد تعرض شعب  كردستان العراق إلى أقسى أنواع الاضطهاد والإقصاء بل والإبادة الجماعية، كما حصل في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وفي الأنفال في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، حيث تم قتل ما يزيد على ربع مليون مواطن كردستاني، وتدمير خمسة آلاف قرية من أجمل قرى الشرق بما فيها من نبات وحيوان وبشر، ولا تكاد توجد قرية أو بلدة أو مدينة في كردستان، إلا وتختزن في ذاكرتها تلك المآسي التي اقترفتها كل الأنظمة المتعاقبة دونما استثناء، حتى وصل الأمر بأنهم لم يكتفو بإبادة السكان بل عملوا على إبادتهم في هويتهم وانتمائهم، فأصدروا جملة من القوانين العنصرية التي تمنع تملك الكوردي أي عقار أو سيارة في نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين، إلا أن يغير قوميته ويجد له أصلا غير أصله، كما في قانون تصحيح القومية سيئ الصيت، ناهيك عن عمليات التعريب البشعة والتهجير والترحيل القسري للسكان واستقدام مجموعات قومية عربية من خارج المنطقة وإسكانها بدلا منهم كما حصل في كركوك وديالى والموصل.

لقد تجاوزت تلك الحكومات في تعاملها مع الكردستانيين حتى إسرائيل وجنوب افريقيا في تعاملهما مع السكان الأصليين سواء الفلسطينيين أو الأفارقة، حيث استنسخت وببشاعة ثقافة الاستيطان وعملت على تطويق كردستان بحزام ناري من العنصريين والفاشيين، الذين تم إسكانهم على أطلال قرى وبلدات الكردستانيين، كما حصل في كركوك وإطرافها وسنجار وأطرافها وخانقين وأطرافها، وبعد سنوات الضيم والطغيان،  تباشر شعب كردستان بإسقاط تلك النماذج المقيتة، التي مثلها البعث والعنصريين الآخرين في نيسان 2003م، لكن الأحداث التي مرت خلال السنوات السبعة عشر، بعد إسقاط نظام صدام حسين، أثبتت إن التعايش أو الشراكة الحقيقة لا يمكن تحقيقها، خاصة وان ما حدث خلال تلك الفترة كرس ذات الثقافة التي تعاطت مع شعب كردستان، حيث تم إقصائه وتهميشه بأساليب خبيثة، ربما أكثر إيلاما مما حدث سابقا، فقد تم محاصرة الإقليم وإشاعة الكراهية والحقد ضده وضد قياداته ورموزه، والعمل على شق صفوفه والعودة إلى سياسة تصنيع ما كان يسمى بـ(الجتة) أو ( الجحوش ) ، كما يسمونهم في كردستان من عملاء أنظمة بغداد، ومحاولة تدميره من خلال قطع حصته من الموازنة السنوية، بما في ذلك مرتبات الموظفين والبيشمركة التي عملوا على إضعافها بل وتدميرها.

اقليم مزدهر

لقد كان الإقليم قاب قوسين أو ادني من أن يكون واحدا من أكثر الأقاليم بل الدول ازدهارا وتقدما في الشرق الأوسط، مما أرعب الحاكين في بغداد، الذين عملوا على إيقاف تلك التجربة التي خفضت نسبة الفقر من 50 بالمئة  عشية إسقاط نظام صدام حسين، إلى اقل من 7 بالمئة  في 2013م حسب إحصائيات وزارة التخطيط العراقية، وكذا الحال في الصحة والتعليم والتعليم العالي وخدمات المواطنين وفي مقدمتها الكهرباء، التي غطت كل ساعات اليوم قبل 2014م، ولا نريد الخوض في تفاصيل المآسي التي سببتها حكومات العهد الديمقراطي، منذ أول حكومة بعد نيسان 2003 وحتى الأخيرة، فلم تتغير خارطة الطريق التي استخدمتها كل حكومات بغداد منذ قيام المملكة العراقية وحتى يومنا هذا، وما تحقق في كردستان إنما أنجزه شعب كردستان وفعالياته السياسية والاجتماعية، وما صموده أمام الحصار والتآمر والحرب القذرة التي شنها العنصريون والفاشيون القوميون والدينيون على كردستان، باسم ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، منذ أكثر من ست سنوات إلا استكمالا للأنفال والحرب الكيماوية والحصار الذي استخدمه المالكي وتبعه العبادي في ذات النهج، هذا الصمود والصبر الذي أكد إيمانه بالاستقلال، والخلاص من هذا الإلحاق القسري بنظام ودولة لا تمت بأي صلة إلى كردستان تاريخيا وجغرافيا وقوميا وثقافيا وحضاريا، ولأجل ذلك وبعد فشل كل محاولات الإقليم وقيادته من ترتيب الأوضاع مع بغداد، وحرصه على إقامة دولة مواطنة مدنية ومشاركة حقيقية، وبعد فشل كل محاولات الاقليم لحل الاشكاليات مع بغداد، وتحذير قيادة الاقليم بانها ستلجأ الى الشارع الوطني في كردستان، ذهبت القيادة إلى تنفيذ إرادة شعبها في الاستفتاء بأسلوب مدني حضاري يوم 25 ايلول 2017م، معتمدة على الاعراف والعهود والقوانين الدولية، وأجرت  حوارات مع بغداد لانجاز تحقيق مطالب شعب كردستان، معلنة بانها لن تعلن قيام الدولة الا بعد التفاوض والاتفاق مع بغداد التي اعتبرتها عمقا استراتيجيا لكردستان، الا إن ما حدث من ردود أفعال بعد اجراء الاستفتاء وبأقل من شهر وبتخطيط وتوافق مع ايران وتركيا ومع زمرة تاجرت بمصالح كردستان العليا وسلمت مقدراتها بايدي هؤلاء، أكدت إن التوجه العدواني والعقلية الاقصائية للحاكمين في بغداد لم تتغير، فقد شنوا هجوما عسكريا واسعا على كردستان وخطوطها الدفاعية الاولى في كركوك وسنجار وخانقين، وبغض نظر فاضح من القوى العظمى، وباستخدام احدث الاسلحة الامريكية من دروع ودبابات اجتاح الجيش وميليشيات الحشد الشعبي معظم المناطق الكردستانية خارج ادارة الاقليم والمسماة (المتنازع عليها) في أخطر خرق للدستور الذي يحرم استخدام المؤسسة العسكرية في النزاعات  السياسية بين الاقليم والحكومة الاتحادية، وهددوا كيان الاقليم السياسي والدستوري بمحاولتهم التقدم الى اربيل ودهوك، وفرضوا حصارا عدوانيا قاسيا على الاقليم وشعبه بغلقهم الحدود والمطارات وقطع معاشات الموظفين وحصة الاقليم من الادوية والوقود، بل والامتناع عن دفع مستحقات فلاحي كردستان الذين سلموا كل منتوجهم من الحبوب منذ 2014  ناهيك عن قطعهم لحصة الاقليم من الموازمة السنوية لخمس سنوات متتالية والبالغة اكثر من اربعين مليار دولار، وما ترتب عن عمليات الاجتياح لتلك المناطق من تهجير اكثر من مائة الف مواطن في كركوك وقتل مئات المواطنين الكورد وحرق ممتلكاتهم ومحلاتهم والسيطرة على بيوتهم، حيث أعادوا سياسة التغيير الديموغرافي في كركوك وسهل نينوى وسنجار وخانقين، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم تشن ميليشياتهم الولائية هجمة دعائية على كردستان من خلال مجموعة قنواتها المعروفة باتحاد القنوات الاسلامية، والتي تمخضت مؤخرا عن قصف محيط عاصمة الاقليم اربيل بالصواريخ من سهل نينوى الذي تهيمن عليه احدى تلك الميليشيات، ومن ثم الهجوم على مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد وحرقه.

ووسط هذا الفشل الذريع في التعامل مع الشريك واضطهاده وبوجود دستور دائم ينظم العلاقة بينهما، يتم خرقه في اكثر من 55 موضع، يبقى السؤال المرير هو:    هل أخطا الكرد بالذهاب الى بغداد وتخليهم عن استقلالهم في 2003 من أجل قيام دولة ديمقراطية مدنية فيدرالية تعترف بحقوقهم وخياراتهم بعد ما يقرب من مليون شهيد وتدمير ثلثي كردستان، يعود دولاب الاضطهاد والاقصاء ومحاولة الأذلال بالحصار الاقتصادي وإشاعة الكراهية والأحقاد ضد كل ما يمت بالكورد وكردستان بصلة، ترى هل سنسأل ثانية حينما نطلب تطبيق مخرجات الاستفتاء واستحقاقاته كوثيقة قانونية ديمقراطية حان تنفيذها على الارض كما فعلت جيكوسلوفاكيا وتيمور الشرقية وجنوب السودان؟

مشاركة