أماه … أين أنت ؟ – عبد العزيز عبد الوهاب سلطان
كان سعدُ طالباً في معهد المعلمين ويحلمُ كغيره من الطلبة بمستقبلٍ سعيد بعد تخرجه من المعهد وتعيينه معلماً , ومن ثم يسعى لتحقيق ما يتمناه أسوةً بزملائه لِيُكَوِنَ عائلةً له . وأنهى سعد دراسته في المعهد وتم تعيينه معلماً وبعد ثلاث سنوات تزوج من موظفة فشعر بالراحة والسعادة , ولأنهُ يسكنُ مع والده في بيت واحد في حي من أحياء العمارة هو وأخوانه ولضيق الدار اقترحت عليه زوجته تأجير دار لهما وقد تم تحقيق ذلك من خلال تأجير دار قريبة إلى أهلها . وانتقل هو وزوجته إلى تلك الدار . ومرّت الأيامُ وهما يعيشان في راحة وطمأنينة وحملت منه , غير أن العلاقة فيما بعد قد تغيرت من خلال معاملته القاسية لزوجته وبدأت الزوجة تتهرب من البيت والذهاب إلى أهلها , وكانت تشعر بالألم وعدم الراحة واشتد غضبها ولم تعد تتحمل تلك المعاملة القاسية التي يتعامل بها زوجها معها فطلبت منه ( الطلاق ) وقد تم لها ذلك .
وحاولت بعد ذلك اسقاط حملها لكن الأهل كانوا يمنعونها .. وذات يوم حان موعد ولادتها فنقلت إلى المستشفى وهناك ولدت طفلةً أسموها ( سارة ) وبعد فترة غادرت المستشفى إلى أهلها تاركةً طفلتها في المستشفى فنقلت الطفلة إلى بيت جدها وهناك تحملت جدتُها ( أم سعد ) إحتضانها ورعايتها حتى كبرت وحينما بدأت تتكلم كانت تنادي جدّها ( بابا ) وجدتّها (ماما ) متصورةً بأنهما والداها .
أما والدها فلم يكن اهتمامه بها كأب يشعرها بالحنان والمحبة كما يتعامل الآباء مع أولادهم , وكبرت ( سارة ) ودخلت المدرسة الابتدائية في المحلة التي تسكن فيها وهي فرحة لأنها هناك تلتقي بالتلميذات من بنات المحلة ويتم التعارف بينهن , وعندما قرأت المعلمةُ أسماء التلميذات في الصف ونادت ( سارة سعد ) عرفت سارة بأن والدها سعد وليس جدها كما كانت تتصور في السابق , وهنا عرفت اسم والدها الحقيقي وبدأت تراقبه وتناديه في البيت ( بابا) ولكن لم تجد ذلك الحنان الأبوي نحوها . وبدأت تتألم كثيرا حينما تشاهد أمهات التلميذات يراجعن المدرسة ويلتقين مع المعلمات لمتابعة بناتهن وهي لم تشاهد يوماً أمها تأتي لتسأل عنها . و ( سارة ) تلميذةٌ مجتهدةٌ ومثابرة على الدوام لكنها حزينة . وبعد أن أنهت الدراسة الأبتدائية إنتقلت لمواصلة دراستها فيً المتوسطة وهناك تعرفت على الكثير من الطالبات من بنات الجيران اللواتي أصبحن زميلات لها . ولكن مع كل هذا وهي تشعر بالألم يعصر قلبها وبالكآبة أحياناً حينما تشاهد زميلاتها يمرحن مسرورات فرحات أثناء الفرص . وبعد فترة تزوج والدها من إمرأة ثانية وفي نفس البيت ولكن وخلال فترة قصيرة لم يتم الانسجام بينهما فطلقها وذهبت الزوجة إلى أهلها .
بعدها تزوج من إمرأة ( ثالثة ) وكانت مُدَرِسة تعرف كيف تتعامل مع الزوج ورعاية البيت وانتقل بها إلى بيت مستقل وترك أبنته سارة عند أجدادها . وبقيت سارة تعيش في دوامة من التفكير الطويل الذي لم يوصلها الى الحقيقة التي تبحث عنها , وتتساءل لماذا يتعامل والدها معها بهذه الطريقة الخالية من الحنان ؟ وأين أمها التي لم تشاهدها منذ الطفولة ؟ إنها مأساةُ العمر .
وهي تتساءل مع نفسها إن الأولاد بحاجة ماسة إلى المربي والمنفق والمؤدب والولي إلى جانب حاجتهم الى الرضاعة والحضانة والتربية والعناية والخدمة وتأمين لوازم الحياة من مأكل وملبس ومسكن وتعليم وغير ذلك , ولا يندفعُ أحدٌ إلى تحمل هذه المسؤوليات كما يندفع الوالدان .. فهل تكون المرضعةُ كالأم ؟ وهل الموظفات في دور الحضانة ورياض الأطفال يسهرن للطفل المريض كما تسهر الأم الحنون ؟ أما يشعر والديَّ بذلك ؟ أما تعرف ذلك والدتي ؟ إنني أتساءل مع نفسي ولكن بدون نتيجة .
بعد فترة تزوج عمها ( رائد ) وانتقل الى بيت آخر وبين فترة وأخرى يأتي وزوجته لزيارة الوالدين . وحينما كانت سارة تخلو مع زوجة عمها رائد تنظر الى وجهها طويلاً وتقول لها الآن أنا طالبة في المتوسطة ولليوم لم أعرف ( والدتي ) فأنا مشتاقة لرؤيتها للتعرف عليها لأحتضنها لأشم رائحتها لماذا لا تزورني في البيت أو المدرسة أسوةً بباقي الأمهات تقول ذلك والدموع تتساقط من عينيها . و حينما يقترب أحدٌ منهما من أفراد العائلة تسكت وتغير الحديث لكن زوجة عمها كانت تشجعها وتقول لها إن والدتك متزوجة وعندها أولاد وهي موظفة في أحد المعاهد .. فنحنُ أهلك وأنت ابنتنا عزيزة علينا عليك الاهتمام بنفسك ودراستك لتحقيق مستقبلك ونحنُ عون لك .
وتعود سارة لتقول لزوجة عمها : هذه والدتي متزوجة ولم تزرني لأتعرف عليها ولكن والدي هو ايضاً متزوج ولديه أولاد لماذا لا يزورني ويأخذني معه إلى البيت لأتعرف على أولاده ( إخواني ) أليس من حقي التعرف عليهم والتحدث معهم ؟ فإن غاب حنانُ أمي التي لم أشاهدها لماذا يغيبُ حنانُ والدي الذي عاش معي في بيت جدي وتعود تنظر في وجه زوجة عمها قائلةً لها : أليس هذا التصرف من الوالدين يثير العجب والاستغراب لكن زوجة عمها تبتسم في وجهها وتربت على ظهرها قائلةً لها نحنُ أهلك وتدللين .
وذات يوم وفي المساء وبمناسبة ذكرى ميلادها أقام لها عمها ( رائد وزوجته ) احتفالاً بسيطاً في داره قدّم فيه لها ما حلا وطاب وهي مستبشرة فرحة , وهنا رن تلفونها لتحدثها أحدى زميلاتها من بنات الجيران مهنئةً إياها بيوم ميلادها قائلة لها : لقد أعددتُ لكِ ( كيكة ) فأينَ أنتِ ؟ قالت لها سارة أنا الآن في بيت عمي رائد وسأعود إلى دارنا قريباً وأتصل بك شكراً لكِ يا بنت الوفاء .
والتفتت سارةُ إلى عمها رائد وزوجته قائلة لهما : هذه زميلتي تهنئني بميلادي وقد هيأت لي هدية وهي غريبةٌ عنا .. فلماذا لم يحضر والدي ليشاركنا فرحنا ويدخل السرور إلى نفسي ؟ فأين الحنان وأين عطف الوالد لقد طلبتُ منه مرّة عشرة آلاف دينار لحاجتي لها فاعتذر فأخجلني وتألمت كثيرا سامحك اللهُ يا والدي. ومع هذا يا عمي الطيب أبقى أتساءل وأصرخُ من أعماقي أماه … أين أنتِ ؟ أنا مشتاقة لرؤياك فرعاية الأبناء في رقبة الوالدين وحنان الأم غذاء النفوس للأبناء .
فالأمُ مدرسةٌ يتربى فيها الأبناء , فأين أنت من قول الشاعر :
أبناؤنا أكبادنا تمشي على الارض
لو هبّت الريحُ على بعضهم
لأمتنعت عيني عن الغمضً
أماه إلى الغد لا بد أن نلتقي … فالجنةُ تحتَ أقدام الأمهات.

















