أمانتا تبليسي وبغداد شتان مابين الأثنين

931

جوهرة القوقاز وحي التنك

أمانتا تبليسي وبغداد شتان مابين الأثنين

مقداد حسن

كل من يحط رحاله في تلك البلاد المفعمة بانوثة الطبيعة، لا يرغب في العودة من حيث أتى، انها جورجيا.. نعم جورجيا التي باتت قبلة السواح وعشاق الاستجمام.

نقابة الصحفيين العراقيين اضافت لجورجيا مساحة اكبر، عندما قررت اقامة دورات تطويرية تخصصية في مجالات الصحافة والاعلام والعلاقات كافة في جورجيا، وايفاد ملاكات صحفية واعلامية للمشاركة فيها.. وهو لعمري قرار صائب جداً ويصب في مصلحة الصحفي والاعلام وللصحفي العراقي ثانياً. وقد كان لنا نصيب في احدى تلك الدورات التي اقيمت بالتعاون مع المنظمة العربية لحماية حقوق الملكية الفكرية بالاضافة الى المركز الدولي للتنمية البشرية ، وهي دورة حاضر خلالها المدرب الدولي الكويتي احمد التركي في تقنيات الاعلام الحديث، فيما القى نقيب الصحفيين في البصرة حيدر المنصوري محاضرة حول الامن الخاص بالاعلامي ومحاضرة اخرى للمخرج منير العبودي حول اوجه التشابه والاختلاف بين الاعلامي والممثل المسرحي، فضلا عن كلمة نائب نقيب الصحفيين العراقيين الزميل جبار طراد الشمري.. وهذه الدورة اضافت لنا كثيراً من المعلومات والمتعة، حيث شكل المشاركون والقائمون على الدورة عراقاً مصغراً يسعى لنشر الحب وبث روح الطمأنينة والود والسلام، حتى اضحت تلك الايام مخزونة في الذاكرة التي لن تنساها ابداً. الرحلة ازاحت لنا الستار وكشفت عن الاسرار التي يجهلها غالبية من زاروا او حتى سمعوا بجورجيا، فعندما تطأ قدماك مطار العاصمة تبليسي، ستكشف عورة مطار بغداد التي يحاول البعض تغطيتها بسلسلة اجراءات بيروقراطية مزعجة، وبعض (الصبات) الكونكريتية.. ثم تكتشف فور تجولك في شوارع العاصمة تبليسي، التي لم تكن تمتلك الكهرباء والخدمات الشوراع ولا الامن ولا حتى الحياة، ان هذه البلاد التي كانت قبل ثماني سنين مرتعاً للمافيات وساحة مفتوحة للموت المجاني مقابل الاموال الزهيدة جداً، قد اصبحت من أكثر الدول الاوربية أمناً وأفضلها جذباً للسواح، على العكس من حال العراق الذي ما زال يترنح على خطى الهاوية، بعد مرور عشرة سنوات على اسقاط النظام الدكتاتوري، رغم ان العراق يمتلك ما لا تحلم بامتلاكه جورجيا من مواقع سياحية؛ الدينية منها او الاثرية وحتى الساحلية. في البدء انتفض الجورجيون على انفسهم وقاموا بحركة شعبية اطلقوا عليها “ثورة الورد” اسقطت تلك الانتفاضة السلمية كرسي الرئيس الاسبق إدوارد شيفردنادزه، الذي قام بالقضاء على المافيات وقام بعملية تطهير واسعة في البلاد معتمداً على الكثير من البلدان المتقدمة والقريبة من بلاده. فأصبحت جورجيا رغم فقر اغلب سكانها مكاناً رائعاً للسواح الذي يتوافدون اليها من كل حدب وصوب. كان الباص في انتظارنا عند بوابة المطار، وبعد مسير رائع من شارع جورج بوش، نحو المدينة الرائعة، مررنا في البيت الابيض الجورجي، واتجهنا صوب منطقة “ديغومي” التي يوجد بها الفندق.. هناك في قاعة استقبال الفندق كانت مديرة مركز التنمية البشرية الدكتورة الرائعة مريم السند، وهي من الكويت، تنتظرنا الى جانب نائب رئيس الجمعية العربية للحماية الفكرية الاستاذ محمد الاسدي، فكان لقاؤنا مغلفاً بالحب والفرح، وباطنه الصدق والسعادة

“كوين” واليوم الاول

انهينا اليوم الاول من الدورة، فطلبنا من موظفة فائقة الجمال، اسمها “كوين” لتدلنا على اجمل الاماكن فكتبت لنا باللغتين الجورجية والانكليزية “شارع مرجان شويلي”, الشارع الذي يعتبر مركز العراقيين هناك. فتجد المطاعم والشركات وكل شيء عراقي، فتجولنا في شوارع جورجيا الرائعة، وتحسرنا على شوارع عراقنا الحبيب، حيث لا مقارنة تذكر بين ما هناك وما هنا.. حتى وصلنا الى قناعة ان العراق ليس لديه “شوارع.!!

ام الجورجيين في اليوم الثاني

 دلتنا عاملة الفندق عن مكان رائع. فقالت لنا: (من لم يزر ام الجورجيين فلم يتعرف على جورجيا).. فعلا اتجهنا صوب التمثال الذي يقع على قمة جبل “سولولاكي”. حيث يمثل هذا التمثال للجورجيين كل شيء. يصل ارتفاعه الى اكثر من عشرة امتار يوجد قرب قلعة الملك ارثر، وهو احد الملوك الذي يعشقه الجورجيين الى يومنا هذا، ويوجد قرب التمثال والقلعة شجرة عمرها حوالي (400) يلف كل من زار هذه الشجرة قطعة قماش ويسميها الجورجين (شجرة الامنيات).. ولأم الجورجين قدسية كبيرة لا توصف ابداً. بالاضافة الى احترامهم البالغ لكل الاثار والتماثيل، علما ان بناء التمثال يعود الى اكثر من خمسة قرون. اما القلعة فهي غاية في الروعة رغم تهديم بعض منها، بسبب الغزو والاحتلال المتعاقب على جورجيا، لكن اغلب معالمها وخصوصا الابواب والاجراس لا زالت شاهدة على ما حلّ بالجورجيين. السائد لدى بلدان العالم هو الحفاظ على اثارها وحمايتها لانها تمثل الحضارة والتاريخ والاصالة لهذه البلاد او تلك.. اما نحن في العراق – ونحن اعرق الحضارات- فقد اهملنا ارثنا وتمسكنا به اسما فقط، فقد هدمت العديد من الاماكن الاثرية والبيوت التراثية من اجل بناء بعض (المولات) او العمارات التي لا تتجاوز الثلاثة طوابق . بعد ان انهينا محاضرات الدورة اتجهنا برحلة رائعة متميزة نحو حديقة النّباتات الوطنيّة في تبليسي التي تحتوي على (3) آلاف من النّباتات والأشجار المتنوّعة والمختلفة، كما تضُمّ العديد من ينابيع المياه والبُحيرات الصّغيرة، إضافة إلى شلّال غزير، ومناظر خلّابة وطبيعة رائعة. وتعتبر أكبر الحدائق النّباتيّة في جورجيا والقوقاز، وتقع على السّفح الجنوبيّ من جبل سولولاكي. وقد أُنشئت حديقة النّباتات الوطنيّة في تبليسي خلال القرن الخامس عشر ميلادي، وهي تشغل مساحة(1610) دونمات، وتحتوي على أكثر من (4500) نوع مُختلف من النّباتات. تعرّضت الحديقة للنّهب خلال الغزو الفارسيّ في عام 1795، وبُنيت مرّة أخرى وافتُتحت للجمهور في القرن التّاسع عشر، وتعتبر اليوم إحدى الواجهات الأكثر جذبًا للزّوّار في جورجيا.

منزل الرئيس والكنيسة الرسولية

وبعد جولة الحديقة الرائعة، اتجهنا صوب الباص الذي اقلنا الى الكنيسة الجورجية الرسولية الأرثوذكسية المستقلة، وهي إحدى أقدم الكنائس المسيحية في العالم. وثاني اكبر كنسية في اوروبا. يوجد قربها منزل الرئيس – نعم؛ منزل الرئيس الذي ربما لم يحلم العراقيون حتى بمساحة منزل رئيسهم او تصميم بابه الخارجي، فمن تجرأ من العراقيين وشاهد منزل الرئيس العراقي؟!- والادهى من ذلك ان منزل رئيس دولة كانت حتى فترة قليلة تحكم من قبل المافيات، لا تحيطه حواجز كونكريتية ولا يمنع التصوير عند بابه !!. وفي العودة للحديث عن الكنيسة، فقد أسست هذه الكنسية من قبل القديس أندراوس في القرن الأول الميلادي. و اعتمدت المسيحية كدين للدولة. وقد وفر هذا الأمر إحساساً قوياً ودافعاً ساعد في الحفاظ على الهوية الوطنية الجورجية على الرغم من الفترات المتكررة من الاحتلال الأجنبي ومحاولات التدخل الخارجي.

مدينة غوري ومتحف ستالين

 غوري مدينة تقع في شرق جورجيا وتعتبر عاصمة منطقة شيدا كارتلي, يبلغ عدد سكانها حسب إحصاء عام 2002م حوالي 49 ألف و 500 نسمة. تبعد غوري حوالي 76كم غرب العاصمة الجورجية تبليسي. من إشهر الأعلام الذين ولدوا في مدينة غوري جوزيف ستالين. وتعاقبت على مدينة غوري العديد من الدول والحكومات من الفرس إلى العثمانيين الأتراك إلى الروس وغيرهم، ويستعرض متحف ستالين مراحل حياة جوزيف ستالين الّذي كان أحد أشهر زعماء الاتّحاد السّوفييتي سابقًا، حيث يحتوي المتحف على العديد من المقتنيات والأغراض الشّخصيّة لستالين،. وكما قلنا سابقاً ان الاثار والاعمال الفنية لايمكن ازالتها كونها تمثل ارث البلد. فبالرغم من وحشية “ستالين” الا ان اغلب الجورجيين لم يرغبوا بهذا. فأعيد التمثال البرونزي الذي يصل ارتفاعه إلى ستة أمتار، إلى أرض متحف ستالين في غوري قبل ثمانية اعوام. ، بعد حصول المسؤولين المحليين على موافقة من محكمة تبليسي، على التماس قدموه إلى الحكومة الجورجية، التي تفضل إصلاح العلاقات مع روسيا. كُرّس هذا المتحف لتخليد ابن مدينة غوري الشّهير “جوزيف ستالين” والّذي كان زعيم الاتّحاد السّوفييتي سابقًا. وينقسم متحف ستالين إلى ثلاثة أجزاء تقع في ميدان المدينة المركزيّ، الجزء المركزي من المتحف هو عبارة عن مبنى رائع بُني على الطّراز الستاليني الكلاسيكيّ الّذي تأسّس عام 1951، ويحتوي المتحف على العديد من الأغراض والمقتنيات الّتي كانت تخصّ جوزيف ستالين، مثل بعض أثاثه المكتبيّ وبعض أغراضه الشّخصيّة ومجموعة من الهدايا الّتي قُدّمت له خلال سنوات حياته. يضُمّ المتحف أيضًا العديد من الصّور والمقالات والوثائق الّتي تعود إلى ستالين، بالإضافة الى قناع الموت الخاصّ بستالين، وهو واحد من اثني عشر قناع أُخذ له فور موته. وفي مُقابل المبنى المركزيّ من المتحف يقع البيت الّذي وُلد فيه جوزيف ستالين، وعاش فيه حتّى سِنّ الرّابعة، وهو اليوم عبارة عن جزء من المتحف الّذي يجذب الكثير من الزّوّار يوميًّا.

معابد اله الشمس

يمتاز موقع (أوبليستسيخ) الأثريّ بكونه أحد المواقع القليلة في العالم الّتي تحتوي على آثار ومعالم تعود إلى عدّة حُقب تاريخيّة مُهمّة، من أهمّ الحضارات في أوروبا، كما يتمتّع الموقع بمساحة كبيرة تفوق الثّمانية هكتارات حيث يمتلئ هذا الموقع بالكهوف والصّخور المحفورة الّتي تصوّر تاريخ المنطقة. ويعود بنائها الى اكثر من (3000) الاف سنة، وهو معبد لأله الشمس. كون الجورجيين قبل دخول المسيحية الى البلاد كانوا من عبدة الشمس. وهي عبارة عن بلدة قديمة محفورة بالصّخر، وتقع على بعد عشرة كيلومترات شرق غوري. يحتوي موقع (أوبليستسيخ) على العديد من الهياكل الّتي يعود تاريخها إلى العصر الحديديّ المُبكر والعصور الوسطى المتأخّرة، وتعبر (أوبليستسيخ) واحدة من أقدم المستوطنات الحضريّة في جورجيا، وعُرفت باحتلالها موقعًا استراتيجيًّا في قلب ممكلة إيبيريا القديمة ممّا جعل منها مركزًا سياسيًّا ودينيًّا. تُغطّي (أوبليستسيخ) مساحة كبيرة، جزؤها الأوسط هو الجزء الأكبر، إذ يحوي القسم الأكبر من الهياكل، كما يحتوي الموقع الأثريّ على العديد من الكهوف والحجارة المنحوته، ويعتبر موقع أوبليستسيخ الأثريّ أحد الأماكن الّتي تجذب السّيّاح من كلّ مكان في أوروبّا نظرًا لأهمّيّته التّاريخيّة والأثريّة.

متسخيتا

متسخيتا، بلدة، جورجيا، تقع عند التقاء نهري كورا وأركافي ، وتقع المدينة في الشمال الغربي للعاصمة تبليسي. ، كانت متسخيتا واحدة من أقدم المستوطنات من القوقاز، وكانت عاصمة جورجيا من 2 إلى القرن 5 الميلادي، تعدّ كنيسة الصّليب في متسخيتا مثالًا للنّمط المعماريّ الّذي كان يسود المنطقة في القِدم. تعتبر الكنيسة إحدى التّحف الهندسيّة المهمّة في جورجيا وجنوب القوقاز، كما تعتبر موقعًا يجذب الزّوّار من كلّ مكان نظرًا لروعته.

بُنيت كنيسة الصّليب عام 545 ميلادي، ويقال ان الاكراد هم الذين شيدوها، وتعد هذه الكنسية مقبرة للاشهر من ملك جورجيا، يصوّر مبنى الكنيسة بطريقة رائعة نمط البناء الّذي كان سائدًا في جنوب القوقاز، كما أنّ نمط البناء هذا استعمل لاحقًا في بناء العديد من الكنائس المُختلفة في جورجيا.

زُيّنت واجهة كنيسة الصّليب بالكثير من النّقوش والزّخارف الرّائعة، واستُعملت الكنيسة للاحتفالات والطّقوس الدّينيّة المُختلفة ممّا زاد من أهمّيّتها عبر الزّمن، كما صُنّفت الكنيسة ضمن المواقع التّراثيّة لمنظّمة اليونسكو العالميّة، وقد تعرّضت الكنيسة إلى سوء الصّيانة والتّلف مع مرور الوقت، ممّا جعلها ضمن قائمة تحتوي على مئة موقع ومعلم مهدّدة بالخطر. وقد تم تعيين المباني الدينية في متسخيتا في موقع التراث العالمي لليونسكو في عام 1994.

هذه لمحة عن بلد خرج من حرب ضروس قبل عدة سنوات، وهذا ليس كل شئ. بل ان هناك اشياء عجيبة وغريبة جدا قد تجعلك في موقف لا تحسد عليه ان كتبت عنها . هذا البلد الذي تشكل فيه النساء نسبة 75%، وتم اعادة بناءه في اقل من عقد، والسبب يعود الى التخطيط الصحيح والعمل على توطيد العلاقات بالكامل مع اغلب الدول. فتجد الاتراك والايرانيين ومن ثم العراقيين هم الاكثر استثماراً في البلاد . باختصار شديد للغاية ان لؤلؤة القوقاز (جورجيا) سرقت العراق بسحرها وطبيعتها الخلابة، فيما حقق الرئيس الجورجي للعراقيين فرصة التقاط صورة امام منزل رئيس دولة.