ألمانيا بين الحلم والعلم

321

د. نزار محمود

المانيا‭ ‬عملاق‭ ‬اقتصادي‭ ‬وشعب‭ ‬ذو‭ ‬ارث‭ ‬ثقافي‭ ‬وحضاري‭ ‬كبير‭. ‬فهي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬استقراراً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬طاقتها‭ ‬الانتاجية‭ ‬ونموها‭ ‬واستقرارها‭ ‬المالي‭ ‬ومعدلات‭ ‬التضخم‭ ‬والبطالة،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬رصانة‭ ‬بناها‭ ‬التحتية‭ ‬ونصيب‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعرفي‭ ‬في‭ ‬ناتجها‭ ‬ودخلها‭ ‬القومي‭.‬

في‭ ‬المقابل‭ ‬فإن‭ ‬المانيا‭ ‬يثقلها‭ ‬تاريخ‭ ‬حروبها‭ ‬وجرائم‭ ‬نازيتها‭ ‬وما‭ ‬ترتب‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬قرارات‭ ‬واجراءات‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬قيدتها‭ ‬في‭ ‬حريتها‭ ‬وسيادتها،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬لعبت‭ ‬تحالفاته‭ ‬دوراً‭ ‬احتلالياً‭ ‬في‭ ‬شؤونها‭.‬

كان‭ ‬على‭ ‬ألمانيا‭ ‬بعد‭ ‬اندحارها‭ ‬واحتلالها‭ ‬وتقسيمها‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬أن‭ ‬تقبل‭ ‬وترضخ‭ ‬لاتفاقيات‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬حيف‭ ‬وعقوبات‭ ‬ظالمة،‭ ‬لكن‭ ‬ألمانيا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مخيرة‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬مرغمة‭ ‬ومجبرة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭. ‬حتى‭ ‬أنظمة‭ ‬إدارة‭ ‬دولتيها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كل‭ ‬قيم‭ ‬بالحر‭ ‬تماماً‭ ‬في‭ ‬اقراره‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬شيوعية‭ ‬الجزء‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬المانيا‭ ‬وفق‭ ‬الوصفة‭ ‬السوفيتية،‭ ‬وفيدرالية‭ ‬الجزء‭ ‬الغربي‭ ‬وفق‭ ‬الإرادة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والبريطانية‭ ‬والفرنسية‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬حرية‭ ‬التسلح‭ ‬والصناعات‭ ‬العسكرية‭ ‬وحتى‭ ‬التحالفات‭ ‬الدولية‭ ‬لكلا‭ ‬الجزئين‭ ‬بغير‭ ‬المشروطة‭ ‬والمقيدة‭.‬

لكن‭ ‬ألمانيا‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تركيز‭ ‬جهودها‭ ‬وادخار‭ ‬ثرواتها‭ ‬لبناء‭ ‬ألمانيا‭ ‬وبناها‭ ‬التحتية‭ ‬بعدما‭ ‬أصبح‭ ‬اقتصادها‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬بمكان‭ ‬تدعمه‭ ‬علومها‭ ‬واختراعاتها‭ ‬وتطويراتها‭ ‬التكنولوجية‭.‬

وبعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬واعادة‭ ‬الوحدة‭ ‬الالمانية‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٩٠‬‭ ‬وانهيار‭ ‬المنظومة‭ ‬الاشتراكية‭ ‬بدأ‭ ‬الشوق‭ ‬ثانية‭ ‬في‭ ‬المانيا‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬تحت‭ ‬الشمس‭ ‬بما‭ ‬يليق‭ ‬بها‭ ‬اقتصاداً‭ ‬وعلماً‭ ‬وحضارة‭ ‬ودوراً‭ ‬سياسياً‭. ‬ولما‭ ‬لا‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬دفعت‭ ‬المانيا‭ ‬الكثير‭ ‬كفارة‭ ‬لذنوبها‭ ‬وخطاياها‭. ‬فهي‭ ‬تسعى‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬مقعداً‭ ‬دائمياً‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬اصلاح‭ ‬منظومة‭ ‬اتخاذ‭ ‬قراراته‭. ‬كما‭ ‬تسعى‭ ‬ألمانيا‭ ‬لرفع‭ ‬قيود‭ ‬السلاح‭ ‬عنها‭ ‬انتاجاً‭ ‬وبيعاً‭ ‬وشراءً‭. ‬وأخيراً‭ ‬تنتظر‭ ‬المانيا‭ ‬لاجيالها‭ ‬الجديدة‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تعيش‭ ‬لعنة‭ ‬ما‭ ‬اقترفه‭ ‬النازيون‭ ‬بحق‭ ‬اليهود‭ ‬والشعوب‭ ‬الأخرى‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الأحلام‭ ‬ترتطم‭ ‬بواقع،‭ ‬أصدقاء‭ ‬قبل‭ ‬أعداء،‭  ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬السماح‭ ‬بتحقيقها‭. ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يسر‭ ‬امريكا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الصديقة،‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ألمانيا‭ ‬قوية‭ ‬سياسياً‭ ‬وعسكرياً‭ ‬واقتصادياً،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬أعدائها‭ ‬التقليديين‭.‬

برلين

مشاركة