ألغام مريعة في الدستور العراقي – باهرة الشيخلي

ألغام مريعة في الدستور العراقي – باهرة الشيخلي

أثار لقاء متلفز لمقرر لجنة المباني الأساسية (اللجنة الأولى) الدستورية النائب السابق ضياء الشكرجي، زوابع جديدة بشأن الدستور العراقي الحالي، وتداولت هذا التصريح مواقع التواصل الاجتماعي، الذي عدّه كثيرون داعماً للمطالبة الشعـبية بإلغائه وكتابة دستور عراقي بأيد عراقية.

كشف الشكرجي عن أنه كان مقرر اللجنة الأولى الدستورية (لجنة المباني الأساسية)، وأنه اعتذر عن مواصلة دوره، بعد الجلسة الخامسة لهذه اللجنة، لضغوط مورست عليه بهدف أن يكتب التقارير أو المحاضر خلاف ما يحصل في اللجنة الدستورية، وأن يدرج ما لم يقر في اللجنة الأولى.

وعندما سأله مقدم البرنامج عمن ضغط عليه أجاب: إنه “رئيس لجنة المباني الأساسية الأولى السيد أحمد الصافي، ممثل المرجعية الشيعية في النجف، الذي كان يضغط عليّ ويطلب مني عدم توزيع المحاضر عندما أكتبها وأطبعها ثم يطلب مني أن أسحبها”، وكذلك رئيس لجنة كتابة الدستور همام حمودي، الذي سرّب صيغة غير متفق عليها إلى جريدة الصباح، في وقتها، مدرجاً فيها أشياء غير متفق عليها أبداً.

والواقع، أن العراقيين وصفوا هذا الدستور، الذي كتب على عجالة، بأنه دستور ملغوم يحتوي على مواد لن تكون في صالح بناء دولة مواطنة، وبعدهم بدأ شخوص في العملية السياسية، وحسب ما تقتضيه مصالحهم، يظهرون على شاشات التلفاز ويصفون الدستور بأنه ملغوم.

جاء في معجم العقل السياسي الأمريكي، الذي وضعه الدبلوماسي وأستاذ الفلسفة الدكتور عبد الستار عز الدين الراوي أن دستور 2005 وضع وأعد تحت الاحتلال سنة 2005 وأفصحت ديباجته الانقسامية المنغمرة بالأكاذيب والدجل الرخيص، كما مواده العقيمة، عن قبائح الاحتلال الأمريكي وسيئاته كلها، ومنظري العدوان من قادة الأحزاب، أصحاب المصلحة الأولى في تكريس النفوذ الأجنبي، والمثابرة على تنفيذ المشروع الأنجلوأمريكي الصهيوني في المحاصصة والتجزئة، وتحويل العراق القوي الموحد إلى دويلات وأقاليم عرقية ودينية ومذهبية، تحت أساطير اللاهوت السياسي، والدعاوى السياسية الساذجة.

إذا اطلع أحد على الديباجة الإنشائية الانقسامية للدستور، التي يجد فيها عبارة واضحة تقول: ” فسعينا يداً بيد، وكتفاً بكتف، لنصنع عراقنا الجديد، عراق المستقبل، من دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية، ولا عقدة مناطقية، ولا تمييز، ولا إقصاء”، واكتشف العراقيون، بعد وقت قصير، أن ما حدث كان عكس ذلك تماماً، إذ سعى السياسيون، الذين احتلوا المواقع المتقدمة في قيادة الدولة إلى السعي ” يداً بيد، وكتفاً بكتف، ليصنعوا عراقهم الجديد، عراق مستقبلهم، بإثارة النعرات الطائفية، والنزعة العنصرية، والعقدة المناطقية، ورسخوا التمييز، والإقصاء”.

حراك شعبي

ذلك ما أدركه العراقيون، في وقت مبكر، فثار شبابهم في حراك شعبي مازال مستمراً، منذ سنة، للمطالبة بإزالة الطبقة السياسية المخادعة وإلغاء دستورها وكتابة دستور جديد يكتبه الشعب.

حفل دستور (العراق الجديد) بصياغات انقسامية، وأخرى مفارقة للواقع، بتغييب هوية الدولة العربية، والدعوة إلى تكريس النصوص الانقسامية، وقد وصف عديد من فقهاء القانون وثيقة 2005 بأن ألغاما كثيرة تختبئ وراء نصوصها، وأنها قابلة للانفجار، الآن أو بعد حين، وذلك ما أوجزه الخبير القانوني الدكتور عبدالحسين شعبان بنقاط، منها علاقة الدين بالدولة، متسائلاً: هل حقاً أن العراق “جمهورية إسلامية”، كما ورد في باب المبادئ الأساسية؟ علماً أن “تديين” الدولة على حساب طابعها المدني سيترك تأثيراته وتبعاته القانونية والسياسية على الدولة ومستقبلها؟، كما عمد الدستور إلى تطيِيف الدولة والمجتمع، فلأول مرة يتم تكريس الطائفية، رسمياً، بدلاً من المواربة في قوانين الجنسية السابقة، ويبدو أن صيغة بول بريمر الحاكم المدني الأميركي في العراق قد انتقلت عدواها إلى الدستور الدائم حيث ورد في المسودة: “الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي (بأكثريته الشيعية وسنته)” (المادة الثانية من الباب الاول)، وكان الأجدر بالمشرع، خصوصاً في ظل الاحتقان الطائفي والتوتر الاثني، النص الصريح والواضح على: تحريم الطائفية ومعاقبة من يمارسها أو يدعو إليها أو يروّج لها أو يتستر عليها، وذلك استناداً إلى المفاهيم الدستورية، التي تقوم عليها الدولة العصرية وبخاصة مبدأ المساواة وعدم التمييز.

سعى الدستور، كذلك، إلى التشظي الاثني والخلط المفاهيمي بين القومية والدين، عندما سمى العرب والكرد “قوميتين رئيستين” وأطلق تسمية “قوميات أساسية على التركمان والكلدان والسريان والأرمن والشبك والفرس وانتقل إلى الديانة اليزيدية والصابئة “المندائيين” (المادة الثالثة). كما يمكن القول إن الشعب العراقي يتألف من قوميتين رئيستين هما “العرب والكرد”، بالإضافة الى اقليات قومية ولغوية ودينية اخرى يأتي على ذكرها بالاسم، والدستور يضمن حقوقها طبقاً لإعلان الأمم المتحدة بخصوص حقوق الأقليات لعام 1992 والإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أساس التكافؤ والمساواة التامة والمواطنة الكاملة.

عروبة العراق

يلاحظ، أيضاً، أن الدستور جعل علاقة العراق بالعروبة معدومة، فالمشرع لم يشأ القول إن العراق جزء من الأمة العربية، وهو عضو مؤسس في جامعة الدول العربية ويلتزم مواثيقها واتفاقاتها، لما لذلك من اعتبارات أدبية ومسؤولية قانونية. وقد جاء النص عاماً ووصفياً ودون التزام: “الدولة العراقية جزء من العالمين العربي والإسلامي” (المادة الخامسة).

الطريف أن الصحافة المصرية كتبت كثيراً عن الدستور ساخرة من على تصريح أدلى به وزير الخارجية هوشيار زيباري سنة 2005 في باب الجامعة العربية في القاهرة رداً على سؤال الصحفيين عن الدستور وعروبة العراق، إذ قال: ومن قال إن العراق عربي؟

إن الكثير من الكتاب تناولوا ما انطوى عليه الدستور من أخطار على مستقبل العراق، كل من وجهة نظره، إذ رأى الكاتب يوسف الفضل أن صياغة الدستور العراقي حفلت بالعديد من الألغام، التي يمكن تفجيرها تلقائياً أو بوساطة، ولعل من أخطر تلك الألغام هو ما شرع للثروة النفطية، إدارة وعائدية، بخاصة أن ذلك ربط بإنشاء أقاليم وإدارة لامركزية مما سهل تفجير الخلافات، كما هو واضح حالياً بين بغداد وإقليم كردستان.

إن لا مركزية المحافظات والأقاليم لا تخدم العراق، في الظرف الحالي لما يمكن أن تقود إليه من تخبط في القرارات والتوجهات الاقتصادية، وبخاصة في مجال النفط، كما أنها يمكن ان تؤدي إلى تشظي البلاد، كما هو واضح من الصراع الدائر داخل كردستان العراق من جهة وبين المركز واربيل من جهة أخرى، فالمشكلة لا تكمن في الإدارة المركزية أو اللامركزية، بل بالنضج السياسي والظروف الموضوعية المختلفة.

الكثير من العراقيين، الذين كانوا يطالبون بتعديل الدستور عدلوا عن موقفهم وصاروا يطالبون مع شباب الحراك الشعبي بإلغاء الدستور وكتابة آخر جديد يتطابق مع تطلعات العراقيين كلهم، مدركين أن هذا الدستور، بوضعه الحالي، بات دريئة يحتمي خلفها الفاسدون.

يطالب الناشطون والمتظاهرون، اليوم، بدستور يخلو من أي إشارة تعزز الانقسام الطائفي والمذهبي، أو تغير من جغرافية البلاد الداخلية، بالإضافة إلى تعديلات تتعلق بعدد أعضاء مجلس النواب، معتبرين إياها مصدراً من مصادر ضياع الأموال العراقية، ولا سيما أن لكل برلماني سبعة عناصر حماية وبدلات إيجار بالإضافة إلى تخصيص سيارات ومكاتب، تستهلك سنوياً عشرات الملايين من الدولارات. مع العلم أن الدستور العراقي جعل عدد أعضاء البرلمان قابلاً للزيادة مع زيادة عدد السكان، إذ فرض وجود نائب عن كل 100 ألف نسمة، ونتيجة لذلك ارتفع عدد أعضاء مجلس النواب من 275 في أول انتخابات أجريت عام 2005 لى 329 في الانتخابات البرلمانية التي جرت في مايو 2018.

يأمل العراقيون أن يحقق لهم شباب الحراك الشعبي هذا الحلم والأحلام الأخرى التي يتطلعون إليها، وبخاصة إزالة العملية السياسية، التي يعدونها أس البلاء في وطنهم.

ختاماً، إن دستوراً بهذا العقم وهذه الأباطيل والصياغات الملغمة لا يليق ببلاد الرافدين، فهو دستور ملغوم لا علاج له ولا إصلاح يفيد معه إلا بكتابته مجدداً، بحيث تكون المواطنة جوهره ودليله.

مشاركة