ألبسة‭ ‬النور‭ ‬الفعالة‭ ‬-د.محمد غاني

التصق‭ ‬مفهوم‭ ‬اللباس‭ ‬بالانسان‭ ‬التصاقا‭ ‬وثيقا،‭ ‬حيث‭ ‬انه‭ ‬منذ‭ ‬نعومة‭ ‬أظافره‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬ازداد‭ ‬عريانا‭ ‬لكن‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬قد‭ ‬كفل‭ ‬له‭ ‬حق‭ ‬الستر‭ ‬بأن‭ ‬جعل‭ ‬والديه‭ ‬قد‭ ‬استعدا‭ ‬ليوم‭ ‬ولادته‭ ‬بشراء‭ ‬لوازمه‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬خروجه‭ ‬من‭ ‬بطن‭ ‬امه‭.‬

ارتبط‭ ‬مفهوم‭ ‬اللباس‭ ‬بالانسان‭ ‬ايضا‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬استيطانه‭  ‬الجنة‭ ‬حيث‭ ‬ان‭ ‬الشيطان‭ ‬فتنه‭ ‬بان‭ ‬اوهمه‭ ‬بأنه‭ ‬ان‭ ‬اكل‭ ‬من‭ ‬شجرة‭ ‬الوهم‭ ‬ـ‭ ‬و‭ ‬قد‭ ‬سماها‭ ‬له‭  ‬في‭ ‬خبث‭ ‬ـ‭ ‬بشجرة‭ ‬الخلد‭ ‬ـ‭ ‬

حتى‭ ‬اذا‭ ‬اكل‭ ‬منها‭ ‬نزعت‭ ‬منه‭ ‬البسة‭ ‬الامن‭ ‬و‭ ‬الرخاء‭ ‬و‭ ‬الحرية‭ ‬لينزل‭ ‬الى‭ ‬حضيض‭ ‬عري‭ ‬ألبسة‭ ‬المعنى‭ ‬من‭ ‬عري‭ ‬اخلاقي‭ ‬و‭ ‬خلاء‭ ‬البغضاء‭ ‬و‭ ‬انكشاف‭ ‬المستور‭ ‬من‭ ‬العيوب‭ ‬التي‭ ‬تثير‭ ‬الحروب‭ ‬و‭ ‬الشحناء‭ ‬بين‭ ‬بني‭ ‬البشر‭.‬

يقول‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الأعراف‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬لطيفة‭ ‬لما‭ ‬سقناه‭: “‬يَا‭ ‬بَنِي‭ ‬آدَمَ‭ ‬لَا‭ ‬يَفْتِنَنَّكُمُ‭ ‬الشَّيْطَانُ‭ ‬كَمَا‭ ‬أَخْرَجَ‭ ‬أَبَوَيْكُم‭ ‬مِّنَ‭ ‬الْجَنَّةِ‭ ‬يَنزِعُ‭ ‬عَنْهُمَا‭ ‬لِبَاسَهُمَا‭ ‬لِيُرِيَهُمَا‭ ‬سَوْآتِهِمَا‭ ‬ۗ‭ ‬إِنَّهُ‭ ‬يَرَاكُمْ‭ ‬هُوَ‭ ‬وَقَبِيلُهُ‭ ‬مِنْ‭ ‬حَيْثُ‭ ‬لَا‭ ‬تَرَوْنَهُمْ‭ ‬ۗ‭ ‬إِنَّا‭ ‬جَعَلْنَا‭ ‬الشَّيَاطِينَ‭ ‬أَوْلِيَاءَ‭ ‬لِلَّذِينَ‭ ‬لَا‭ ‬يُؤْمِنُونَ‭”.‬

ان‭ ‬الاشارات‭ ‬القرآنية‭ ‬لأولي‭ ‬الألباب‭ ‬واضحة‭ ‬بجلاء‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬ألبسة‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬تأثيرها‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬اشد‭ ‬وطءا‭ ‬و‭ ‬اقوم‭ ‬قيلا،‭ ‬عن‭ ‬البسة‭ ‬الحس‭. ‬يقول‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الأعراف‭: “‬يَا‭ ‬بَنِي‭ ‬آدَمَ‭ ‬قَدْ‭ ‬أَنْزَلْنَا‭ ‬عَلَيْكُمْ‭ ‬لِبَاسًا‭ ‬يُوَارِي‭ ‬سَوْآتِكُمْ‭ ‬وَرِيشًا‭ ‬وَلِبَاسُ‭ ‬التَّقْوَى‭ ‬ذَلِكَ‭ ‬خَيْرٌ‭”. ‬في‭ ‬دلالة‭ ‬واضحة‭ ‬ان‭ ‬لباس‭ ‬التقوى‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬لباس‭ ‬الحس‭ ‬لان‭ ‬ستر‭ ‬العورات‭ ‬المعنوية‭ ‬يسبب‭ ‬الامن‭ ‬و‭ ‬الرخاء‭ ‬و‭ ‬يكثر‭ ‬الود‭ ‬بين‭ ‬بني‭ ‬البشر،‭ ‬و‭ ‬ان‭ ‬عري‭ ‬العورات‭ ‬من‭ ‬الالبسة‭ ‬المعنوية‭ ‬و‭ ‬خلاء‭ ‬البسة‭ ‬الظلمة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬سبب‭ ‬الضغائن‭ ‬و‭ ‬الفتن‭. ‬

آفة‭ ‬المسلمين‭ ‬اليوم‭ ‬انهم‭ ‬لا‭ ‬يفعلون‭ “‬بكسر‭ ‬العين‭” ‬شيفرات‭ ‬الآيات‭ ‬النورانية‭ ‬للقرآن‭ ‬الكريم‭ ‬و‭ ‬لا‭ ‬يتجاوزون‭ ‬ضياء‭ ‬سطوره‭   ‬الى‭ ‬البحار‭ ‬النورانية‭ ‬الكامنة‭ ‬وراء‭ ‬مبانيها‭ ‬من‭ ‬فلسفات‭ ‬عميقة‭ ‬تؤذن‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬كل‭ ‬ذي‭ ‬لب‭ ‬ليحج‭ ‬اليها‭ ‬محرما‭ ‬بدماغه‭ ‬مفردا‭ ‬بفؤاده‭ ‬مبتغيا‭ ‬رضاه‭ ‬سبحانه‭ ‬و‭ ‬تعالى،‭ ‬ساعيا‭ ‬بين‭ ‬صفا‭ ‬آيات‭ ‬كتاب‭ ‬الله‭ ‬الحكيم‭ ‬و‭ ‬بين‭ ‬مروة‭ ‬سوره‭ ‬العظام‭ ‬سبع‭ ‬مرات‭ ‬حتى‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬ارض‭ ‬قلبه‭ ‬بئر‭ ‬زمزم‭ ‬الفهم‭ ‬الرباني‭ ‬فيرتشف‭ ‬منه‭ ‬رضيعه‭ ‬الروحي‭ ‬حتى‭ ‬يبلغ‭ ‬الاستواء‭ ‬الروحي‭ ‬الذي‭ ‬ينادي‭ ‬له‭ ‬كل‭ ‬امام‭ ‬في‭ ‬صلاته‭ ‬الروحية‭ ‬إستووا‭ ‬و‭ ‬اعتدلوا‭ ‬عسى‭ ‬ان‭ ‬يحصل‭ ‬له‭ ‬استواء‭ ‬المحسنين‭ ‬و‭ ‬اعتدال‭ ‬الاقطاب‭ ‬فيوتيه‭ ‬الله‭ ‬حكمة‭ ‬و‭ ‬علما‭ ‬كما‭ ‬آتاها‭ ‬الله‭ ‬لكل‭ ‬محسن‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬،‭ ‬فالنضج‭ ‬و‭ ‬الاستواء‭ ‬الروحي‭ ‬هو‭ ‬مبتغى‭ ‬كل‭ ‬حاج‭ ‬لحضرة‭ ‬الله‭ ‬مهاجر‭ ‬في‭ ‬دنياه‭ ‬لله‭ ‬و‭ ‬رسوله‭ ‬نازعا‭ ‬مخيط‭ ‬هواه‭ ‬محرما‭ ‬بلباس‭ ‬التقوى‭ ‬و‭ ‬الورع‭ ‬و‭ ‬التوجه،‭ ‬ملبيا‭ ‬بلسان‭ ‬فيه‭ ‬قلبه‭ ‬قبل‭ ‬لسان‭ ‬فيه‭ ‬جسده،‭ ‬فاتحا‭ ‬قرة‭ ‬عينه‭ ‬القلبية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬الصلاة‭ ‬قبل‭ ‬فتح‭ ‬بؤبؤ‭ ‬عينه‭ ‬الحسية‭ ‬متوضءا‭ ‬من‭ ‬جنابة‭ ‬غفلاته‭ ‬بماء‭ ‬ورد‭ ‬الاذكار‭ ‬بعد‭ ‬اغتساله‭ ‬بماء‭ ‬الطهارة‭ ‬الحسية‭ ‬التي‭ ‬نقلته‭ ‬حال‭ ‬قبولها‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬الى‭ ‬الطهارة‭ ‬المعنوية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬المقصودة‭.‬

يرتقي‭ ‬المسلم‭ ‬بفهوماته‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬كلما‭ ‬جعل‭ ‬مولانا‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬قبلته‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬صلاة‭ ‬لانه‭ ‬بترداده‭ ‬لحبل‭ ‬الله‭ ‬المتين‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬،‭ ‬وهو‭ ‬الانبوب‭ ‬المتين‭ ‬الذي‭ ‬يجلب‭ ‬لنا‭ ‬ماء‭ ‬زمزم‭ ‬الروح‭ ‬من‭ ‬قلبه‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬و‭ ‬سلم‭ ‬الى‭ ‬يوم‭ ‬الناس‭ ‬هذا…لان‭ ‬الصلاة‭ ‬هي‭ ‬الصلة‭ ‬بيننا‭ ‬و‭ ‬بينه‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬بلفظ‭ ‬فيه‭ ‬الحسي‭ ‬و‭ ‬المعنوي‮…‬‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬حبيبنا‭ ‬و‭ ‬مولانا‭ ‬محمد‭ ‬زهرة‭ ‬زهور‭ ‬فردوس‭ ‬الجنة‭ ‬صلوات‭ ‬ربي‭ ‬وسلامه‭ ‬عليه‭ ‬عن‭ ‬البريد‭ ‬بن‭ ‬حصيب‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬أخرجه‭ ‬الترمذي‭ ‬باسناد‭ ‬حسن‭: ‬العهدُ‭ ‬الذي‭ ‬بينَنا‭ ‬وبينَهم‭ ‬الصلاةُ‭.‬

يقول‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬آل‭ ‬عمران‭: ‬وَاعْتَصِمُوا‭ ‬بِحَبْلِ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬جَمِيعًا‭ ‬وَلَا‭ ‬تَفَرَّقُوا‭ ‬ۚ‭ ‬وَاذْكُرُوا‭ ‬نِعْمَتَ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬عَلَيْكُمْ‭ ‬إِذْ‭ ‬كُنتُمْ‭ ‬أَعْدَاءً‭ ‬فَأَلَّفَ‭ ‬بَيْنَ‭ ‬قُلُوبِكُمْ‭ ‬فَأَصْبَحْتُم‭ ‬بِنِعْمَتِهِ‭ ‬إِخْوَانًا‭.‬

فمن‭ ‬خلال‭ ‬الآية‭ ‬الكريمة‭ ‬فحبل‭ ‬الماء‭ ‬الغيبي‭ ‬الذي‭ ‬يسري‭ ‬داخل‭ ‬الانبوب‭ ‬الروحي‭ ‬المتين‭ ‬بين‭ ‬السماوي‭ ‬و‭ ‬الارضي‭ ‬هو‭ ‬طريق‭ ‬الفلاح‭ ‬لكل‭ ‬نبتة‭ ‬إنسانية‭ ‬على‭ ‬ارض‭ ‬التوحيد‭ ‬و‭ ‬لذلك‭ ‬يفلح‭ ‬المؤمنون‭ ‬حين‭ ‬تلبية‭ ‬النداء‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬صلاة‭.‬

يقول‭ ‬الحبيب‭ ‬المصطفى‭ ‬مداد‭ ‬الحق‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬على‭ ‬لوح‭ ‬الأزل‭ ‬حين‭ ‬وجده‭ ‬الانبياء‭ ‬مكتوبا‭ ‬على‭ ‬العرش‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬ولادته‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ : ‬ما‭ ‬رواه‭ ‬الترمذي‭ ‬وصححه‭ ‬الألباني‭ ‬عن‭ ‬زيد‭ ‬بن‭ ‬أرقم‭ ‬قال‭: ‬قال‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭: ‬إني‭ ‬تارك‭ ‬فيكم‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬تمسكتم‭ ‬به‭ ‬لن‭ ‬تضلوا‭ ‬بعدي،‭ ‬أحدهما‭ ‬أعظم‭ ‬من‭ ‬الآخر‭: ‬كتاب‭ ‬الله‭ ‬حبل‭ ‬ممدود‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬إلى‭ ‬الأرض،‭ ‬وعترتي‭ ‬أهل‭ ‬بيتي،‭ ‬ولن‭ ‬يتفرقا‭ ‬حتى‭ ‬يردا‭ ‬علي‭ ‬الحوض،‭ ‬فانظروا‭ ‬كيف‭ ‬تخلفوني‭ ‬فيهم‭.‬

من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬يتضح‭ ‬جليا‭ ‬لكل‭ ‬ذي‭ ‬لب‭ ‬ان‭ ‬الظواهر‭ ‬ابواب‭ ‬للبواطن‭ ‬ان‭ ‬تجاوزنا‭ ‬المداخل‭ ‬الى‭ ‬بهو‭ ‬المنازل‭ ‬و‭ ‬صعدنا‭ ‬في‭ ‬درج‭ ‬المقامات‭ ‬و‭ ‬الطوابق‭ ‬لنطل‭ ‬على‭ ‬مناظر‭ ‬من‭ ‬الفهوم‭ ‬كانت‭ ‬ستغيب‭ ‬عنا‭ ‬ان‭ ‬بقينا‭ ‬في‭ ‬سفح‭ ‬جبال‭ ‬الفهوم‭ ‬و‭ ‬المدارك‭. ‬

عجبا‭ ‬لامة‭ ‬امرت‭ ‬ان‭ ‬تقرأ‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬السطور‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬المنظور‭ ‬فكان‭ ‬رسولها‭ ‬أمي‭ ‬القراءة‭ ‬و‭ ‬الكتابة‭ ‬فكان‭ ‬سيد‭ ‬الخلق‭ ‬بقراءته‭ ‬لآيات‭ ‬الحق‭ ‬الكونية‭ ‬في‭ ‬علو‭ ‬غار‭ ‬حراء‭ ‬حتى‭ ‬نعلو‭ ‬باطلالاتنا‭ ‬على‭ ‬آي‭ ‬الحق‭ ‬الكونية‭ ‬فتتجلى‭ ‬لنا‭ ‬ملائكة‭ ‬المفهوم‭ ‬الربانية‭ ‬باجنحتها‭ ‬البيضاء‭ ‬في‭ ‬سماوات‭ ‬فكرنا‭ ‬النوراني‭ ‬مهاجرة‭ ‬لرب‭ ‬النور‭ ‬الاصلي‭ ‬نور‭ ‬السماوات‭ ‬،‭ ‬لكنها‭ ‬تعامت‭ ‬بسطحية‭ ‬الفهوم‭  ‬عن‭ ‬كل‭ ‬العروج‭ ‬في‭ ‬مراقي‭ ‬الكمالات‭ ‬و‭ ‬مدارج‭ ‬النوال‭.‬