أكراد سوريا من التهميش إلى الإدارة الذاتية

بيروت‭,‬  (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬استفاد‭ ‬أكراد‭ ‬سوريا‭ ‬الذين‭ ‬يتعرضون‭ ‬منذ‭ ‬20‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬لهجوم‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬التركية‭ ‬في‭ ‬جيب‭ ‬عفرين،‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬النزاع‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬لتكريس‭ ‬ادارة‭ ‬ذاتية‭ ‬بحكم‭ ‬الامر‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬سيطرتهم‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬وشمال‭ ‬شرق‭ ‬البلاد‭.‬

وكانوا‭ ‬اعتمدوا‭ ‬موقفا‭ ‬‮«‬محايدا‮»‬‭ ‬ازاء‭ ‬النظام‭ ‬والمعارضة‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬النزاع‭.‬

يشكل‭ ‬الأكراد‭ ‬الموجودون‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬سوريا،‭ ‬نحو‭ ‬15‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬اجمالي‭ ‬السكان‭. ‬

ومعظمهم‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬السنة‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬نسبة‭ ‬ضئيلة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المسلمين‭. ‬

وفي‭ ‬أعقاب‭ ‬احصاء‭ ‬مثير‭ ‬للجدل‭ ‬جرى‭ ‬عام‭ ‬1962،‭ ‬تم‭ ‬سحب‭ ‬الجنسية‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأكراد‭ ‬الذين‭ ‬عانوا‭ ‬اثر‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬التهميش‭ ‬والاضطهاد‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬الحاكم‭ ‬في‭ ‬سوريا‭. ‬عند‭ ‬اندلاع‭ ‬النزاع‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬سبع‭ ‬سنوات،‭ ‬تبنى‭ ‬معظم‭ ‬الأكراد‭ ‬موقفاً‭ ‬محايداً،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعلهم‭ ‬عرضة‭ ‬لانتقاد‭ ‬من‭ ‬الفصائل‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬التي‭ ‬تأخذ‭ ‬عليهم‭ ‬عدم‭ ‬تصديهم‭ ‬لقوات‭ ‬النظام‭.‬

وبادر‭ ‬الرئيس‭ ‬السوري‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬النزاع،‭ ‬وفي‭ ‬محاولة‭ ‬لكسب‭ ‬ودهم،‭ ‬الى‭ ‬منح‭ ‬الجنسية‭ ‬لـ300‭ ‬ألف‭ ‬كردي‭ ‬بعد‭ ‬انتظار‭ ‬استمر‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭. ‬

في‭ ‬العام‭ ‬2012،‭ ‬انسحبت‭ ‬قوات‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬تدريجاً‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬ذات‭ ‬الغالبية‭ ‬الكردية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬وشمال‭ ‬شرق‭ ‬سوريا،‭ ‬ما‭ ‬مكن‭ ‬الأكراد‭ ‬من‭ ‬تعزيز‭ ‬موقعهم‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬وشمال‭ ‬شرق‭ ‬البلاد‭. ‬وبرزوا‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭ ‬كالقوة‭ ‬الاكثر‭ ‬فعالية‭ ‬في‭ ‬قتال‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الاسلامية‭. ‬في‭ ‬العام‭ ‬2013،‭ ‬أعلن‭ ‬حزب‭ ‬الاتحاد‭ ‬الديموقراطي‭ ‬الكردي‭ ‬الذي‭ ‬تعد‭ ‬وحدات‭ ‬حماية‭ ‬الشعب‭ ‬الكردية‭ ‬جناحه‭ ‬العسكري،‭ ‬اقامة‭ ‬ادارة‭ ‬ذاتية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬سيطرة‭ ‬الاكراد‭.‬

وفي‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬2016،‭ ‬أعلن‭ ‬الاكراد‭ ‬النظام‭ ‬الفدرالي‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬سيطرتهم‭ ‬التي‭ ‬قسموها‭ ‬الى‭ ‬ثلاثة‭ ‬اقاليم‭ ‬هي‭ ‬الجزيرة‭ (‬محافظة‭ ‬الحسكة،‭ ‬شمال‭ ‬شرق‭) ‬والفرات‭ (‬شمال‭ ‬وسط،‭ ‬تضم‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬محافظة‭ ‬حلب‭ ‬واخرى‭ ‬من‭ ‬محافظة‭ ‬الرقة‭) ‬وعفرين‭ (‬شمال‭ ‬غرب،‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬حلب‭).  ‬وأثار‭ ‬هذا‭ ‬الاعلان‭ ‬بحكم‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭ ‬حفيظة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬والمعارضة‭ ‬وتركيا‭ ‬التي‭ ‬تخشى‭ ‬اقامة‭ ‬حكم‭ ‬ذاتي‭ ‬كردي‭ ‬على‭ ‬حدودها‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬كردستان‭ ‬العراق‭. ‬

‭ ‬وفي‭ ‬أواخر‭ ‬العام‭ ‬2016،‭ ‬أقر‭ ‬الاكراد‭ ‬دستوراً‭ ‬للنظام‭ ‬الفدرالي‭ ‬أطلقوا‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬العقد‭ ‬الاجتماعي‮»‬‭ ‬لتنظيم‭ ‬شؤون‭ ‬المنطقة‭. ‬

في‭ ‬أيلول‭/‬سبتمبر‭ ‬2017،‭ ‬انتخب‭ ‬سكان‭ ‬المناطق‭ ‬الكردية‭ ‬مجالس‭ ‬بلدية‭.‬

‭- ‬مواجهة‭ ‬الجهاديين‭ -‬

منذ‭ ‬العام‭ ‬2014،‭ ‬كانت‭ ‬وحدات‭ ‬حماية‭ ‬الشعب‭ ‬الكردية‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬القوى‭ ‬المحاربة‭ ‬لتنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الاسلامية‭ ‬مع‭ ‬غطاء‭ ‬جوي‭ ‬من‭ ‬التحالف‭ ‬الدولي‭ ‬بقيادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

في‭ ‬مطلع‭ ‬العام‭ ‬2015،‭ ‬طردت‭ ‬القوات‭ ‬الكردية‭ ‬بدعم‭ ‬جوي‭ ‬من‭ ‬التحالف‭ ‬الدولي‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬كوباني‭ (‬عين‭ ‬العرب‭) ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬التركية‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬المعارك‭.‬

في‭ ‬تشرين‭ ‬الاول‭/‬اكتوبر‭ ‬2017،‭ ‬طردت‭ ‬قوات‭ ‬سوريا‭ ‬الديموقراطية،‭ ‬التحالف‭ ‬العربي‭ ‬الكردي،‭ ‬التنظيم‭ ‬الجهادي‭ ‬من‭ ‬معقله‭ ‬في‭ ‬الرقة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬البلاد‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬المعارك‭.‬

‭- ‬غضب‭ ‬تركيا‭ -‬

في‭ ‬14‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬2018،‭ ‬أعلن‭ ‬التحالف‭ ‬الدولي‭ ‬بقيادة‭ ‬واشنطن‭ ‬عزمه‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬قوة‭ ‬أمنية‭ ‬حدودية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬سوريا،‭ ‬قوامها‭ ‬30‭ ‬ألف‭ ‬عنصر،‭ ‬نصفهم‭ ‬تقريبا‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬قوات‭ ‬سوريا‭ ‬الديموقراطية‭.‬

لكن‭ ‬أنقرة‭ ‬تعتبر‭ ‬حزب‭ ‬الاتحاد‭ ‬الديموقراطي‭ ‬الكردي‭ ‬والوحدات‭ ‬الكردية‭ ‬امتداداً‭ ‬لحزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬المحظور‭ ‬الذي‭ ‬يخوض‭ ‬تمرداً‭ ‬ضدها‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬تركيا‭. ‬

وكانت‭ ‬تركيا‭ ‬نفذت‭ ‬حملة‭ ‬عسكرية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬سوريا‭ ‬في‭ ‬آب‭/‬أغسطس‭ ‬2016‭ ‬ضد‭ ‬الجهاديين‭ ‬والمقاتلين‭ ‬الاكراد‭.‬

في‭ ‬20‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير،‭ ‬أطلقت‭ ‬تركيا‭ ‬هجوما‭ ‬بريا‭ ‬وجويا‭ ‬تحت‭ ‬تسمية‭ ‬‮«‬غصن‭ ‬الزيتون‮»‬‭ ‬تقول‭ ‬انه‭ ‬يستهدف‭ ‬الوحدات‭ ‬الكردية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬عفرين‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬محافظة‭ ‬حلب‭.‬

في‭ ‬25‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير،‭ ‬دعت‭ ‬الادارة‭ ‬الكردية‭ ‬في‭ ‬عفرين‭ ‬دمشق‭ ‬الى‭ ‬التدخل‭ ‬ومع‭ ‬تحليق‭ ‬الطائرات‭ ‬التركية‭.‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬اعلنت‭ ‬تركيا‭ ‬توسيع‭ ‬الهجوم‭ ‬ليشمل‭ ‬منبج‭ (‬مئة‭ ‬كيلومتر‭ ‬الى‭ ‬الشرق‭ ‬من‭ ‬عفرين‭).‬

وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬القوة‭ ‬النارية‭ ‬للاتراك،‭ ‬طلب‭ ‬الاكراد‭ ‬مساعدة‭ ‬من‭ ‬دمشق،‭ ‬لكنهم‭ ‬يتمسكون‭ ‬برفض‭ ‬عودة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬الى‭ ‬مناطقهم،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تدخل‭ ‬دمشق‭ ‬مستبعدا‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭.‬