أكتوبر.. ذكرى أم تذكِرة؟ ـ د. حسن حنفي

160

أكتوبر.. ذكرى أم تذكِرة؟ ـ د. حسن حنفي
يأتى أكتوبر كل عام مفعما بالذكريات والروائح الطيبة. ويأتى هذا العام قريبا من عيد الأضحى المبارك الذى أُعدم فيه صدام بعد غزو العراق والقبض عليه. وتفوح الذكرى هذا العام وسط شق الصف الوطنى فى مصر، والخوف من الصدام بين الفريقين فتسيل الدماء، دماء الغيلة وليس دماء الشهداء، ضد المواطن وليس ضد العدو، فى الداخل وليس فى الخارج، فى آتون الفتنة وليس تحت عبء الاحتلال.
وترفع المعنويات فى أسبوع أو فى يوم أو حتى فى الساعة الثانية يوم 6 أكتوبر لحظة انطلاق الضربة الجوية، وبداية عبور القناة وتسلق خط بارليف وشق الساتر الترابى. إنجاز ضخم بل إعجاز عسكرى يُدرّس فى كل المعاهد العسكرية فى العالم. وهذا العام يقوم اليوم على تربص وخشية سفك الدماء بين المواطنين بعدما تحول العدو الخارجى المحتل للأراضى إلى عدو داخلى محتل قصور الاتحادية والقبة. ويتساءل الجميع هل يتحول الفرح إلى حزن، والوحدة الوطنية إلى فرقة عقائدية؟ هل تسير الأمة بعين واحدة لا ترى إلا عكس ما تراه الأخرى؟ هل تسير بساق واحدة لا تسير إلا على ما تسير عليه الساق الأخرى؟ هل تتنفس برئة واحدة لا تتنفس إلا ما تتنفس منه الرئة الأخرى فينضب الهواء، وتختنق الرئتان؟
ومهما يكن من شىء فإن القضية هى الآتية نحتفل بأكتوبر باعتباره ذكرى وليس تذكِرة. والفرق بين الاثنين أن الذكرى تحيل إلى الماضى فى حين أن التذكِرة درس وعبرة من الماضى. وهو ما يشير إليه القرآن إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً . أربعون عاما مضت تغيرت فيها أساليب القتال والآلات والمعدات العسكرية. ونستحضرها وكأنها هى بنت اليوم. ونوهم أنفسنا بالتحديث ونحن لا نتحدث بل ننقل حداثة الماضى التى أصبحت قديمة بالنسبة لها العصر.
وتعددت روايات الحرب بين معظم لها ومقلل لشأنها. فهى عظيمة بالنسبة للخداع العسكرى، والعبور، والساتر الصاروخى الذى حمى سلاح الطيران أثناء العبور لدك مواقع العدو فى سيناء، وهى عادية بالرغم من الرجل فى مواجهة الدبابة ، مقارنة بالحرب العالمية الثانية ومعارك الدبابات والإنزال البريطانى على الساحل الأوروبى وموقعة العلمين غرب مصر. وقد يصل التعظيم إلى حد المعجزات من الجانب المصرى فى عبور القناة وخط بارليف أو الأفعال الفريدة التى لا تتكرر أو المساعدة الإلهية من السماء بجنود روحانية لم ترها الملوك الأرضية وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا . مما منع النقد الذاتى لبعض أوجه التقصير التى أدت إلى ثغرة الدفرسوار. بل لا يريد أحد تحليل أسبابها كما فعل العدو بتكوين لجنة أجرانات لمعرفة أسباب التقصير فى الحرب أو كما فعلنا نحن بعد هزيمة 1967. وأرجعها إلى تقصير الطيران أو إلى التدخل العسكرى الأمريكى.
وتعددت روايات الحرب طبقا لمراكز القوى. فمن فى السلطة هو مخططها الأوحد. وبعد أن أصبح قائد الدفاع الجوى فى السلطة أصبح هو الصانع الوحيد لضربة الطيران وتهميش الآخرين مثل قائد أركان حرب، وقواد الجيوش الأرضية والاستخبارات الحربية التى قامت بعملية الخداع الحربى. والمنتصر لا يحتاج إلى معرفة فيم قصّر. يمكن معرفة أسباب انتصاره. أما الثغرة فعمل إعلامى خالص. والعبور بفضل رجال مصر، أولاد الأرض الذين يعرفون قدرة المياه على جرف الطين. إنما كلها إيجابيات بعد إدخال الجامعيين مقاتلين فى الجيش، والتركيز على الدوافع النفسية والرغبة فى الانتقام من هزيمة، يونيو 1967 التى لم يحارب فيها الجيش. والدفاع عن التراب الوطنى هو أثمن ما لدى المواطن من فعل.
يأتى أكتوبر كل عام وكأنه ذكرى من بطولات الماضى وأمجاد الأسلاف مثل الصحابة والتابعين وتابعى التابعين إلى يوم الدين ونعيد سماع أغانى البطولة القديمة. ونحزن على أغانيها التى لم تكتمل لمرض أو لوفاة كبار المغنين ومشاهير المغنيات. ونفخر بالأبطال الذين أصبحوا كبار السن. ولم يتذكرهم أحد كثيرا فى شبابهم بعد الحرب. هى حرب البطولات الفردية، فلانا أو فلانا. ونرجو أن يكون الأولاد والأحفاد مثلهم. وهم خيرة الأجناد الذين استطاعوا بوسائل بسيطة قهر أعتى العوائق والتى تدرس فى المعاهد العسكرية العالمية. فما يهم ليس هو التكنولوجيا المتقدمة بل الأساس الفكرى الذى تقوم عليه وتوظف فيه. فهى ثقافة السلف الصالح وأن المتقدمين خير من المتأخيرن، وأن خير القرون قرنى ثم الذى يلونه. فتحولت السلفية الدينية إلى سلفية عسكرية والثقافة الشعبية لأمثال مثل مين فات قديمه تاه وغيرها إلى ثقافة عسكرية خالصة تحول الحرب إلى ذكرى.
فكيف تتحول الحرب إلى تذكِرة أى إلى عبرة؟ كيف يتحول العود إلى الماضى إلى قفز نحو المستقبل بنفس الأساليب وبغيرها وبتطويرها بحيث تكون مواكبة للعصر ومتطلعة لما قد يحدث فى المستقبل؟ كيف تستطيع النبوة أن تساعد على ثقافة المستقبل. فالنبوة مشتقة من نبى، ونبى من تنبأ، وتنبأ تعنى قراءة المستقبل التى مازالت بأيدى العرافات ونصيبك اليوم وبختك هذا البرج أى قارئة الفنجان.
تتسابق الدول نحو امتلاك الأسلحة النووية مثل إيران بعد الهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية فى سباق نووى محموم بالإضافة إلى معظم الدول الأوروبية. وتعددت وسائل السلاح الآن من النووى إلى الصاروخى إلى الكيماوى. وإذا كان الماضى قد عُرف من قبل فإن المستقبل غير معروف. المستقبل يُصنع بناء على مدى الخيال السياسى. المستقبل غير جاهز بل تصنعه الأمم والشعوب.
ولماذا التقليد للماضى، لما تم فى الحروب الماضية التى قد يصل مداها إلى الحرب العالمية الثانية، إلى حرب أفغانستان والعدوان على العراق والاستعداد لضرب سوريا؟ بل قد يطول الأمر إلى حرب فيتنام وما أبدعته أمريكا من صواريخ تستطيع أن تحارب بين الأدغال وما اخترعته روسيا من صواريخ مضادة لإسقاط الطائرات المغيرة.
والعدوان على آسيا مستمر من الغرب منذ هيروشيما وناجازاكى. ونسمع عن أسماء مثل القبة الجديدة ونتصور السماء مغطاة بقبة فولاذية مثل السحاب لحماية المدن من الصواريخ، والصواريخ البالاستية التى لا يصدها شىء. ونحول الأسلحة إلى آلات قادرة على فعل المعجزات. ويظل الجندى متشبثا بالأرض، مدافعا عن ترابه ورمله، زرعه وحقله، قادرا على التشبث به والانتصار عليه.
هذه هى التذكِرة وليس الذكرى أى استحضار أكتوبر اليوم وإحضار الماضى إلى الحاضر وليس إرجاع الحاضر إلى الماضى. الذكرى استرجاع لما حدث فى الماضى بالذاكرة ووضع الإنسان نفسه فيها غلقا للحاضر فى الماضى، مكتفيا بالإعجاب بالذات وبإنجاز الماضى مسقطا عن نفسه أى متطلبات جديدة للحاضر، وباقى الأرض مازالت محتلة منزوعة السلاح، والإرادة مرتهنة لم تتحرر بعد.
الذكرى نبت الذاكرة، والذاكرة فعل التذكر. والتذكر فى مقابل النسيان. أما التذكِرة فهى العبرة، التذكر بعد أن يبقى فى النفس ويفعل فيها، الدرس المستفاد من الذكرى بعد النسيان. الإنسان هو مجموع من الذكريات بعد أن ينسى كل شىء ولا يبقى إلا التذكِرة وتتراكم التذكرات بالرغم من أن اللفظ غير مستعمل كثيرا وتكون شخصية الإنسان، ينسى تجاربه أم يتعلم منها.
يسعد الإنسان بأن يشاهد بالصورة ويقرأ بالكلمة انتصارات أكتوبر ولكنه لا يريد أن تنطفئ بعد أكتوبر إلى مجاهل النسيان. وتعود من جديد فى أكتوبر القادم فى مجال الحضور السينمائى والروائى والشعرى. يريدها تذكِرة أى الوعى بالدرس المستفاد منها حتى يبنى عليها ولا تصبح حادثا فريدا لا يتكرر أو يقع كل مائة عام بل تصبح كل واقعة فى حياة الإنسان بمثابة أكتوبر. فيتجدد أكتوبر تلقائيا ويصبح هو مسار التاريخ.
AZP07