أقداحُ القَهْرِ – مجيد الزبيدي

361

أقداحُ القَهْرِ – مجيد الزبيدي

امتصّ سجارتَه… ومن دونِ سابقِ معرفةٍ، واصلَ كلامَهُ، الذي بدأهُ معي بنبرات حادّةٍ وعاليةٍ :

“يقولونَ عنها، هي ذات وفاء…هه… هه.

صحيح…سقيتُها من دمي،فسقتني سلسبيلها…

من صبري،وسهري وقوّة شبابي، وعطائي، وإيقادي شعلة الفرح ، و العِزّةِ، والشموخ. وهي من كأسِ السّعادة والنّعيم دهاقا…

كله صحيح…إسمعني أخي…لا تجعل نظراتك تقاطعني…

غفوتُ بالعسل طويلاْ …طويلا…

حسبتُ أن الحلمَ الجميلَ لن ينتهي…

وخمرةُ الليل سأجدٌدُها بخمرة الضحى..

لكنْ…

قبل أن ارتوي تماما ؛ تعَجٌلتْ بسحبِ كأسها من يدي!!

نعم…نعم…

عندما حلّ الإعصارُ ، هي وظّفَتْهُ بمهارةٍ …وبسرعةٍ هرستْ قوتي وعنادي…

حاولتُ مقاومتها… حاااااولتُ….

لم أستطعْ ليًِ ذراعِها القويّ.

طرحتني مثل أرنبٍ مشلول بطلق ناري…

كشّرَتْ لي بأنياب شيطان رجيم، وهي تستعيد الكأسَ منّي….رَضَخَتهُ بالأرض بقوّة ورعونةٍ وهي تسخرُ مني …

مسكين !!

بل مُغفّلٌ…

حسبتُها…وحسبتُهم…..أهلَ وفاء…

هه…هه…هه…

الحياةُ حسناءٌ غادرةٌ ماكرةٌ … والناسُ تتحولُ بسرعةٍ إلى خنازير وقردةٍ …هكذا قال العارفون …..وصدقوا “…

صمتَ….نظَرَ في عينيّ بتركيز أدهشني او أفزعني في الحقيقة…

ضحك صاحبي بمرارةٍ دفينةٍ…

فاجأني وهو يرطمُ بقوٌةٍ قدحَ الشاي على بلاطِ المقهى…

قبل أن أفيقُ من استغرابي؛نهضَ بقامته المديدة…

خرج يُدردمُ ناقماً.

هَمْهَمَ الحاضرون…

بعضهُم زَرَعَ ابتسامةَ سخريّة خلفَه.

بعينينِ حزينتينِ، همَسَ لي النادلُ:

لا تعجبْ…

عوّدَنا على تحطيم قدحِهِ المجّانيْ في كلٌ مرْة يجدُ من يستمعُ لهذيانه….

ههه…العوضُ على الله…

قلت متعجبا : لماذا يفعل هذا؟!

وكيف تصبرون على أذاه؟!!

قال:

نحن نأسى لحال هذا الغريب المسكين الذي أفلسته، وحرمته من أسرته،وبيته، وعقله العسكريّ العبقريٌ الحربُ الأخـيرةُ على بلاده.

مشاركة