أفضل مئة مجموعة قصصية عراقية

664

أفضل مئة مجموعة قصصية عراقية

محمد سعدون السباهي

على صفحته في الفيس بوك نشر الدكتور نجم عبد الله كاظم استاذ النقد المقارن بجامعة بغداد موضوعا مثيرا تحت عنوان اهم مئة مجموعة قصصية عراقية في القرن العشرين عرف في مقدمته المقتضبة اسباب اختيارها من بين المجاميع القصصية الكثيرة التي صدرت خلال المئة عام المنصرمة انها في جودتها شكلا ومضمونا تحتمل الاتفاق مع معظم النقاد والدارسين في الغالبية العظمى منها، ومنوها الى جملة من المعايير الفنية والمضمونية التي اتبعها في فرزها دون سواها منها الاحتكام الى الذوق الفني الرفيع والرؤية الذاتية الخاصة المصقولة والمهذبة بفعل المعايشة الطويلة لهذا الضرب المميز من ضروب الابداع الادبي من دون ان ينسى دور الشهرة التي اكتسبها القاص من خلال حضوره وشيوع اسمه في ضوء المتحقق من نتاجه القصصي من قبل اكثر من ناقد مشهود له بالموضوعية ودقة التحليل وسعته، فضلا عن تأثير المجموعة المختارة فيما تلاها من كتابات قصصية لاحقة لدى الاخرين وانها شكلت بعد صدورها تيارا او ظاهرة معينة في مرحلتها او المراحل التي تلتها لا تخطوها عين المتخصص الحريص والمحايد. ومما يثير الانتباه ان العقد السبعيني جاء افضل عقود الابداع عطاء اذ ظهرت فيه ثلاثون مجموعة قصصية متميزة ولعل هذا معطى من معطيات الجبهة الوطنية، اذ توقف الى حد ما الاحتراب السياسي واعطيت اجازة مؤقتة للبوليس الفكري، يليها جيلا الثمانينات والتسعينات بواقع تسع عشرة مجموعة لكل منهما وجاء عقد الستينات الصخّاب بالمرتبة الثالثة باثنتي عشرة مجموعة، ولان الحياة تزدهر جوانبها المشرقة كافة في اجواء تسودها الحرية والاستقرار لذا حصل تراجع خطر في عقد الالفين وهو امر متوقع نتيجة لتردي الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في تلك الفترة المظلمة التي عاشها العراق، اذ لم يكن الحصاد اكثر من خمس مجاميع فقط! بحث يبدو للمنصف جديدا في موضوعه من حيث التخصص الاكاديمي والمعرفي موجه في الاساس الى طلبة الدراسات الاكاديمية توفرت لمعده اجواء صحية من دون ارغام او اكراه او غواية سوى غواية المنجز، جهد مضن من دون شك قام به الرجل بصمت من دون ضجة وافتعال وبذا استطاع ان يضع يده من دون تردد على افضل القصاصين عبر اجيالهم المعروفة بعد ان استطاع اسقاط مجموعات قصصية كثيرة عن دائرة اهتمامه. انجاز بهذا الحجم والكيفية يعيد من دون شك للاذهان اليقظة، تلك التخريجات النقدية التي ظلت لاكثر من اربعة عقود او خمسة يتصدرها طنين مقرف اذ انصبت معظم الدراسات الادبية في العراق، الا فيما ندر، على مديح الوهم سواء كان الوهم المقصود هنا قاص بعينه او مجموعة قصاصين بعدد اصابع اليد الواحدة متنفذين في المؤسسات الثقافية والاعلامية قاتل الله السياسة حيت تتدخل في الابداع الادبي والفني اذ كان الباحث يومها في حقول المعارف والعلوم الملغومة مخنوقا تماما وبحثه تكتنفه مخاوف الرفض وقد يقود الى التهلكة بسبب خبير انتهازي ماكر صلف ومتعجرف جيء بع او تطوع من تلقاء نفسه لسد نقصا في موهبته الاصيلة مهمته متابعة الاصوات التي تبحث في المسكوت عنه مضموما والتجريب شكلا والاجهاز عليها ومن ثم فالحوار مع هذا النفر البائس حوار طرشان. هذه الاجواء الصحية نفسها هي التي منحت ناقدا مثابرا اسمه احسان محمد علي الشجاعة ليعلن صراحة في مقال مثير نشرته له صحيفة طريق الشعب يوم 23 شباط الماضي عن ستة اسماء دفعت فيما كتبته البلاغة المتهالكة والانشائية غير المثمرة الى الوراء وبذلك اسهمت على نحو فاعل بتطور السردية في العراق هي برهان الخطيب، علي الشوك، ابراهيم احمد، محمد سعدون السباهي، لطيفة الدليمي، وسعد محمد رحيم. هذه الامور النقدية المهمة بتقديري ما كانت لتتحقق من دون الانفتاح غير المسبوق الذي جاء بعد عام  .2003 لذا نقول للذين سبق ودللهم النقد المحابي ولم ترد اسماؤهم في الحالتين، ما من داع للفزع او الحقد او الملاسنة لان قوانين الابداع وجه من وجوه الطبيعة في ارقى تجلياتها لا يمكن الا ان تسفر عن مرموزاتها الاصيلة وان بعد ردح من الزمن! عمل بهذا الحجم والمحصلة التي ترشحت عنه هو من دون شك دليل اخلاص ومثابرة يكاد يكون من اختصاص مؤسسة وليس فرد بعينه، لكن حين يجتمع صدق المسعى والعزيمة المجردة من المصالح الضيقة يثمر من دون شك عملا يعد بكل المقاييس البشرية المعروفة، ضربا من ضروب المستحيل وتلك واحدة من قدرات الانسان الاستثنائي، الامر الذي يتوجب من ذوي الشأن، افرادا ومؤسسات كافة، استقباله بالتقدير والاعجاب وعلى رأسهم وزير الثقافة الذي بحكم مسؤوليته الرسمية يعد الاقرب للموضوع. ولكي لا يضيع جهد الدكتور نجم عبد الله من جهة، ومن جهة اخرى نحافظ على المجموعات القصصية تلك من الاندثار جريا على العادة بفعل الاهمال وتقادم السنوات، مثلما ضاعت جهود مهمة كثيرة بسبب الجهل او البيروقراطية واحيانا الاثنين معا، اقترح على السيد وزير الثقافة باعتباره اديبا اولا والمسؤول الرسمي عن الثقافة ثانيا، ان يلقي الامر اهتماما شخصيا مباشرا لديه وذلك باعتبار الاداب والفنون كافة تشكل الذاكرة الحضارية للشعوب. ثم اليس ان حياة الانسان في جوهرها نوع من السرد المتراكم وان الفنون السردية في المقام الاول هي اول من احاط طفولة الذهن البشري بالرعاية فأزاح الغموض والالتباس واسفر عن الاضاءة المدهشة التي عليها البشرية اليوم؟ اقترح تشكيل لجنة من المشهود لهم بالاخلاص والمثابرة من خارج المؤسسات التقليدية المعروفة بانانياتها وشللياتها وترهلها التي تربت على روح الاستحواذ والمصالح الضيقة يناط بها مهام:

1  – جمع المجموعات القصصية التي جاء ذكرها بتقرير الدكتور نجم عبد الله كام المشتتة هنا وهناك والقيام باعادة طبعها بطرق فنية تتناسب مع اهميتها الادبية والاعتبارية التي اشرنا اليها والسعي الجاد لاشراكها في مكان متميز في معارض الكتب التي تقام سواء في الداخل او الخارج.

2  – ترجمتها الى اللغات الحية الانكليزية، الفرنسية، الاسبانية، الالمانية سواء كمجاميع مستقلة او كمختارات بواقع ثلاث الى خمس قصص لكل قاص من الستين قاص الذين شملهم التقرير.

3  – ان تنفيذ مشروع بهذا التوصيف ليس صعبا ولا مستحيلا بطبيعة الامر، فيما لو صدقت النوايا واستنفر العزم اذ هو لا يكلف ميزانية الوزارة كثيرا فضلا عن كونه دينا على الدولة تسديده كاملا اكراما منها للمبدعين من ابناء شعبها الذين امضوا اجمل سنوات حياتهم يحرثون في اقتتال بارض الواقع العراقي الشرس ليستنبتوها جمالا يليق بجمالها الذي صنعه الاسلاف العظام مبدعو ارثها الفكري الحضاري المعروف في الكتابة والفنون اللذين اذهلا العالم ولعل جهد الدواعش المتوحشين الذي انصب على تدميرها دليلنا الى ما ذهبنا اليه.

مشاركة