أفران‭ ‬الحارة‭ ‬في‭ ‬رمضان‭..‬ذاكرة‭ ‬دمشقية‭ ‬تحفظ‭ ‬نكهة‭ ‬العيد

الحلوى‭ ‬تعانق‭ ‬الحطب‭ ‬والدخان

‭ ‬دمشق‭-‬سانا‭  : ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الأفران‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬مجرد‭ ‬أماكن‭ ‬لخبز‭ ‬المعجنات‭ ‬أو‭ ‬شوي‭ ‬الحلويات،‭ ‬بل‭ ‬شكلت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمدينة‭ ‬وطقوسها‭ ‬الرمضانية‭ ‬التي‭ ‬تتجدد‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬عيد‭ ‬الفطر،‭ ‬حين‭ ‬تفوح‭ ‬في‭ ‬الأزقة‭ ‬روائح‭ ‬السمن‭ ‬البلدي‭ ‬والحطب‭ ‬المشتعل‭ ‬معلنة‭ ‬قرب‭ ‬قدوم‭ ‬العيد‭.‬

وتوضح‭ ‬الدكتورة‭ ‬نجلاء‭ ‬الخضراء،‭ ‬الباحثة‭ ‬في‭ ‬التراث،‭ ‬أن‭ ‬“فرن‭ ‬السوق‭ ‬ظل‭ ‬عبر‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬عنواناً‭ ‬للأصالة‭ ‬الدمشقية،‭ ‬فرغم‭ ‬انتشار‭ ‬الأفران‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬المنازل‭ ‬اليوم،‭ ‬يبقى‭ ‬لطعم‭ ‬الكعك‭ ‬الخارج‭ ‬من‭ ‬فرن‭ ‬الحارة‭ ‬نكهته‭ ‬الخاصة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بفرحة‭ ‬العيد”‭.‬

تقول‭ ‬الخضراء‭: ‬“إن‭ ‬البيوت‭ ‬الدمشقية‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تمتلك‭ ‬أفراناً‭ ‬مناسبة‭ ‬لشواء‭ ‬الحلويات،‭ ‬إذ‭ ‬اعتمدت‭ ‬العائلات‭ ‬على‭ ‬“البابور”‭ ‬للطهي‭ ‬اليومي‭ ‬وعلى‭ ‬أفران‭ ‬الطابون‭ ‬أو‭ ‬التنور‭ ‬لخبز‭ ‬الخبز‭ ‬والمعجنات،‭ ‬وهي‭ ‬أدوات‭ ‬لا‭ ‬تناسب‭ ‬خبز‭ ‬الحلويات‭ ‬الدقيقة‭ ‬مثل‭ ‬المعمول‭ ‬والبقلاوة”‭.‬

وتضيف‭: ‬“لهذا‭ ‬أصبح‭ ‬فرن‭ ‬السوق‭ ‬مقصداً‭ ‬أساسياً‭ ‬للعائلات‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬العيد،‭ ‬حيث‭ ‬تُنقل‭ ‬الصواني‭ ‬لشوائها‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬نار‭ ‬كبير‭ ‬مبني‭ ‬من‭ ‬الحجر‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬توزيع‭ ‬الحرارة‭ ‬بشكل‭ ‬متوازن،‭ ‬وهي‭ ‬ميزة‭ ‬يصعب‭ ‬أن‭ ‬توفرها‭ ‬الأفران‭ ‬المنزلية‭ ‬الحديثة”‭.‬

وكان‭ ‬فرن‭ ‬السوق‭ ‬غالباً‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الأسواق‭ ‬القديمة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الحارات‭ ‬الشعبية،‭ ‬ويشتهر‭ ‬أيضاً‭ ‬بإعداد‭ ‬المعروك،‭ ‬والمناقيش،‭ ‬والصفيحة‭.‬

توضح‭ ‬الخضراء‭ ‬أن‭ ‬فرن‭ ‬السوق‭ ‬كان‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬غرفة‭ ‬صغيرة‭ ‬تقارب‭ ‬مساحتها‭ ‬ستة‭ ‬عشر‭ ‬متراً‭ ‬مربعاً،‭ ‬تقسم‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أقسام‭ ‬رئيسية‭: ‬بيت‭ ‬النار،‭ ‬ومستودع‭ ‬الحطب‭ ‬أو‭ ‬الجفت،‭ ‬ومكان‭ ‬يجتمع‭ ‬فيه‭ ‬الناس‭ ‬بانتظار‭ ‬نضج‭ ‬صوانيهم،‭ ‬مبينةً‭ ‬أن‭ ‬بيت‭ ‬النار‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬حجرة‭ ‬مستطيلة‭ ‬مفتوحة‭ ‬من‭ ‬الأمام‭ ‬لإدخال‭ ‬الصواني،‭ ‬وإخراجها،‭ ‬تعلوها‭ ‬فتحة‭ ‬صغيرة‭ ‬لخروج‭ ‬الدخان‭.‬

وكان‭ ‬الفران‭ ‬يستخدم‭ ‬أداة‭ ‬تسمى‭ ‬“المطرحة”،‭ ‬وهي‭ ‬عصا‭ ‬طويلة‭ ‬تنتهي‭ ‬بقرص‭ ‬مسطح‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬إدخال‭ ‬الصواني‭ ‬النحاسية‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬الفرن،‭ ‬وإخراجها‭ ‬بمهارة‭.‬

تبدأ‭ ‬طقوس‭ ‬فرن‭ ‬الحارة‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬العيد،‭ ‬حين‭ ‬تجتمع‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬لتحضير‭ ‬العجين‭ ‬وحشوات‭ ‬التمر‭ ‬أو‭ ‬الجوز‭ ‬أو‭ ‬الفستق‭ ‬الحلبي،‭ ‬فيما‭ ‬يعرف‭ ‬شعبياً‭ ‬باسم‭ ‬“التحويجة”‭.‬

وتوضح‭ ‬الخضراء‭ ‬أن‭ ‬النساء‭ ‬كن‭ ‬يشكلن‭ ‬أقراص‭ ‬المعمول،‭ ‬ويرصصنها‭ ‬في‭ ‬صوانٍ‭ ‬نحاسية‭ ‬كبيرة‭ ‬تحمل‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬علامة‭ ‬تميزها‭ ‬عن‭ ‬صواني‭ ‬الجيران،‭ ‬حيث‭ ‬تُحمل‭ ‬الصواني‭ ‬عبر‭ ‬أزقة‭ ‬الحارة‭ ‬إلى‭ ‬فرن‭ ‬السوق،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يرافقه‭ ‬الغناء،‭ ‬وأهازيج‭ ‬العيد،‭ ‬فيما‭ ‬تنتشر‭ ‬روائح‭ ‬السمن‭ ‬البلدي‭ ‬المختلطة‭ ‬بدخان‭ ‬الحطب‭ ‬المتصاعد‭ ‬من‭ ‬مدخنة‭ ‬الفرن‭.‬

مع‭ ‬إدخال‭ ‬الصواني‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬النار‭ ‬تتصاعد‭ ‬رائحة‭ ‬المعمول،‭ ‬والبقلاوة‭ ‬في‭ ‬الأزقة،‭ ‬معلنة‭ ‬اقتراب‭ ‬العيد،‭ ‬وتقول‭ ‬الخضراء‭: ‬“كانت‭ ‬رائحة‭ ‬الحلويات‭ ‬المشوية‭ ‬في‭ ‬فرن‭ ‬الحارة‭ ‬رسالة‭ ‬غير‭ ‬مكتوبة‭ ‬تخبر‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬العيد‭ ‬بات‭ ‬قريباً”،‭ ‬مضيفةً‭: ‬بعد‭ ‬نضج‭ ‬الحلويات‭ ‬يخرجها‭ ‬الفران‭ ‬إلى‭ ‬رفوف‭ ‬خشبية‭ ‬لتبرد،‭ ‬وتظهر‭ ‬على‭ ‬سطحها‭ ‬الشقوق‭ ‬الذهبية‭ ‬المميزة‭.‬

تورد‭ ‬الخضراء‭ ‬أن‭ ‬فرن‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬مكان‭ ‬للعمل،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬ملتقى‭ ‬يجتمع‭ ‬فيه‭ ‬سكان‭ ‬الحي‭ ‬بانتظار‭ ‬دورهم،‭ ‬يتبادلون‭ ‬الأحاديث‭ ‬والتهاني‭ ‬ويتابعون‭ ‬خروج‭ ‬الصواني‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬النار‭.‬

وكان‭ ‬الفران‭ ‬يتقاضى‭ ‬أجره‭ ‬إما‭ ‬نقداً‭ ‬أو‭ ‬بحصة‭ ‬من‭ ‬الحلويات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ‭ ‬“حبات‭ ‬البركة”،‭ ‬وهي‭ ‬قطع‭ ‬تقدم‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬صينية‭ ‬تخرج‭ ‬ناضجة‭ ‬من‭ ‬الفرن‭.‬

كما‭ ‬اعتادت‭ ‬العائلات‭ ‬إرسال‭ ‬أطباق‭ ‬من‭ ‬الحلوى‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬الفران‭ ‬كمعايدة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتبادل‭ ‬الجارات‭ ‬فيما‭ ‬بينهن‭ ‬أطباق‭ ‬الكعك‭ ‬في‭ ‬تقليد‭ ‬اجتماعي‭ ‬يعرف‭ ‬باسم‭ ‬“السكبة”‭.‬

مع‭ ‬انتشار‭ ‬الأفران‭ ‬المنزلية‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بالغاز‭ ‬أو‭ ‬الكهرباء‭ ‬تراجع‭ ‬دور‭ ‬أفران‭ ‬السوق‭ ‬تدريجياً،‭ ‬وتحول‭ ‬بعضها‭ ‬إلى‭ ‬أفران‭ ‬آلية‭ ‬للخبز‭.‬

لكن‭ ‬الخضراء‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نكهة‭ ‬الحلويات‭ ‬الخارجة‭ ‬من‭ ‬فرن‭ ‬الحطب‭ ‬أو‭ ‬الجفت‭ ‬بقيت‭ ‬مميزة،‭ ‬إذ‭ ‬يمنحها‭ ‬الدخان‭ ‬الخفيف‭ ‬والحرارة‭ ‬الطبيعية‭ ‬طعماً‭ ‬مختلفاً،‭ ‬وتضيف‭: ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أعادت‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالأفران‭ ‬التقليدية،‭ ‬فاستعادت‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬نشاطها‭ ‬وذكرياتها‭.‬

وترى‭ ‬الخضراء‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تقاليد‭ ‬“فرن‭ ‬الحارة”‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بطريقة‭ ‬صنع‭ ‬الحلويات،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬للمجتمع‭.‬

وتختم‭ ‬الخضراء‭ ‬حديثها‭ ‬بالقول‭: ‬“إن‭ ‬إرسال‭ ‬صواني‭ ‬الكعك‭ ‬إلى‭ ‬فرن‭ ‬السوق‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عادة‭ ‬غذائية،‭ ‬بل‭ ‬طقس‭ ‬اجتماعي‭ ‬يحمل‭ ‬دفء‭ ‬العائلة‭ ‬وذكريات‭ ‬الأجداد،‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬رائحة‭ ‬الحطب‭ ‬المشتعل‭ ‬تعلن‭ ‬قدوم‭ ‬العيد‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬تكبيراته”‭.‬

وكان‭ ‬عدد‭ ‬الأفران‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬القديمة‭ ‬نحو‭ ‬70‭ ‬فرناً‭ ‬تقليدياً‭ ‬في‭ ‬الفترات‭ ‬المتأخرة‭ ‬من‭ ‬العهد‭ ‬العثماني‭ ‬وبداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬بقي‭ ‬منها‭ ‬اليوم‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬أفران‭ ‬تعمل‭ ‬بشكل‭ ‬متقطع،‭ ‬أو‭ ‬موسمي‭.‬

‭ ‬