أغنية في الذاكرة

أغنية في الذاكرة

تحسين عباس

المثنى

في احدى الحوارات التي أجريت معي ولما سُألتْ عن رأي في الموسيقى وما تعني لي وماذا أفسرها قلتُ: أنَّ الموسيقى شيءٌ ما بعد السحر أو أنها سحر لا يُوصف ، فقد استخلصتُ رأيي هذا من عدة تجارب مررتُ بها في التذوق والعزف فوجدتُ أن الموسيقى ليسَ لديها معاييرٌ علمية في الحسِّ بالرغم من امتلاكها المعايير الرياضية والفيزيائية التي تكمن في مكوناتها الأساسية وهي النغمة والزمن فبهذا تكون كما هي سائر العلوم. فقد نجد مقطوعة موسيقية جميلة في بنائها العلمي والفني وفي المقابل نجد هذا الجمال في مقطوعة موسيقية بسيطة في بنائها العلمي والفني لكنها تمتلك نفس الجمال والتأثير! لهذا أحسست أن سراً ما يختبئ ما وراءها فلذلك قلتُ أنها سحرٌ لا يوصف أو أنها شيء ما بعد السحر ، فلا أرى تفسيراً لهذا الفن سوى أنه شيءٌ يصدر ويشعُّ من الروح وبما أنَّ الروح قد أخفى سرَّها الواجد سبحانه ( قل الروح من أمر ربي) فقد أصبحت الموسيقى مبهمة في معاييرها الحسية.

فمن أرشيف الجمال والمتعة اخترتُ هذه المرة أغنية بسيطة في تأليفها مبهرة في فحواها وتأثيرها وهي من كلمات : سعدون قاسم وتنغيم : كاظم فندي وأداء الفنان الكبير : سعدون جابر ، تحت عنوان ( جتني الصبح وعيونها ذبلانه).

الفكرة :

على ما يبدو من معاني النص أن الأغنية كُتبت عن قصة حقيقية عاشها المطرب أو الشاعر أو جاءت مروية بالسماع لكاتب الأغنية عن واقع حدثَ بين الجنسين كان الثاني لا يشعر بمعاناة الأول عندما يحكي له عن  معاناتهِ في العشق وما يشعر بهِ من سهر وذبول العينين والنحول والى ما يسببهُ العشق من تأثيرات مادية ومعنوية على العاشق الى أن دارت دوائر الحكمة واصبح الثاني هو من يُعاني ذلك. هنا نجد أن المُنغِّم المبدع كاظم فندي قد أختار درجة الدوكاه من مقام البيات (ره) لسببين هو أولاً : أن الدوكاه احد الدرجات التي يبدع فيها الفنان الكبير سعدون جابر ويضع بصمة حنجرته باقتدار إضافة إلى أن الأغنية تتجاوز السلم بثلاث درجات  ، والثاني : أن معظم الأغاني التي تحتوي على حدث قصصي تحتاج إلى تمهيد في الصعود بالجوابات لان ذلك  يتوافق وأسلوب جذب ذهن المستمع لما يريد إيصاله المطرب من موضوع ، كما نرى أن طريقة تأليف الأغنية نغمياً جاء على أسلوب الجمل الموسيقية الدوَّارة في مقطعيها الثاني والثالث ولم يكن ذلك اعتباطاً لان مقاطع النص الغنائي أو قصة النص لم تحتوِ على مفارقات متعددة ليستدعي منه ذلك الانتقال من نغم إلى آخر مع تغيير للزمن.

 التنغيم :

تبدأ مقدمة الأغنية بجمل موسيقية تعرب عن رقاقة الصورة النغمية وترافة التعبير بما يحمل من جمال صوتي زاخر في تعريف المستمع عما ستحتويه الجمل الغنائية من انتقالات في سلم البيات ؛ وبلا شك أن هذه الطريقة التي تُعرِّف المستمع  مسبقاً بجمل الأغنية دون الخضوع إلى ترجمة الغناء في المقدمة الموسيقية هي طريقة تُفصِحُ عن مَدى إمكانية الموسيقي المؤلف للأغنية وهذا ما اتبعه كبارُ المُنغِّمين.

الغناء :

لا أريد أن أكرر ما قالهُ النقاد العرب والعراقيين في صوت المطرب الكبير سعدون جابر من إشادة في حُسنِ الأداء وإمكانيته الطربية  بقدر ما أروم إلى ما أوحى صوتُهُ في هذه الأغنية للمُستمع من دفء الأداء وحلاوة الإيصال الإبداعي للعمل الفني فقد تَملَّكَ بحنجرته هذه الأغنية وكأنَّ الأغنية صُنعت خصيصاً بكل ما أوتيت من جمال في النص والتنغيم  لخامة صوتهِ الساحرة كما أريد أن أشير، أن لكلِّ صوتٍ دافئ خصوصيتهُ في الإيحاء فصوتُ سعدون جابر يُحيل المستمع إلى شخصية الإنسان الرقيق المُتسامح الحنون الذائب في الجمال ولهذا نرى هدوءهُ واسترخاءه حتى في تنفيذ جُمل الجواب بعكس ما سمعناه من  الأصوات التي أدت هذه الأغنية فقد غلبَ على أدائهم التشنج والتشدد في دفع الصوت وكأنهم في حلبة مصارعة !

فقد يفلح مطربٌ ما في أداء الأغنية على حسب الضوابط العلمية في الموسيقى لكن ، هذا ليس بالمهم إن لم تكنْ هناك قدرة في حنجرته على توصيل الإحساس بالمفردة المُغناة عن طريق الجملة النغمية لإحداث التأثير في نفس المُتلقي ومداعبةِ ذائقتهِ الموسيقية.

نص الأغنية

جتني الصبح وعيونها ذبلانه = حلفت يمين البارحه سهرانه

مستاهله والله وحيل = روحي اشكي همج لليل

 اتضحكين من جنت اشكيلج انه.

بسنونها عظت شفايفها ندم = ترجف خجل من راسها لحد الجدم

ساعه تغمض عيونها = وساعة يتغير لونها

شفتي العشك شيسوي اه يفلانه

{ { {

وانه صافن اخذت ايدي بايدها = كلمة احبك تبتسم وتعيدها

وتكولها من روحها = وترتاح كل اجروحها

شفت العشك شيسوي آآ يفلانه