أغان طبعت انتفاضات الربيع العربي:استلهام المعاني من الجوع والقمع

516

يروت‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬من‭ ‬نشيد‭ ‬حركة‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية‭ ‬الأميركية‭ ‬‮«‬فريدوم‭ ‬سونغ‮»‬‭ ‬الى‭ ‬أغنية‭ ‬‮«‬بيلا‭ ‬تشاو‮»‬‭ ‬الإيطالية‭ ‬الثورية،‭ ‬لطالما‭ ‬تميّزت‭ ‬الحركات‭ ‬الثورية‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬بالتفاف‭ ‬المشاركين‭ ‬فيها‭ ‬حول‭ ‬نشيد‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬أحلامهم‭ ‬ويقوي‭ ‬معنوياتهم‭. ‬ولم‭ ‬يشذ‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭.‬

أنشد‭ ‬المتظاهرون‭ ‬الذين‭ ‬اجتاحوا‭ ‬شوارع‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬2010‭ ‬ومدنا‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬أناشيد‭ ‬وأغاني‭ ‬حماسية‭ ‬امتزج‭ ‬فيها‭ ‬الغضب‭ ‬مع‭ ‬حسّ‭ ‬الفكاهة‭ ‬والإبداع‭ ‬الذي‭ ‬أسكتته‭ ‬أنظمة‭ ‬حكمت‭ ‬لعقود‭ ‬بيد‭ ‬من‭ ‬حديد‭.‬

وطبعت‭ ‬أغان‭ ‬كثيرة‭ ‬الانتفاضات‭ ‬في‭ ‬عشر‭ ‬دول‭ ‬شهدت‭ ‬احتجاجات‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬2011‭ ‬وفي‭ ‬‮«‬الموجة‭ ‬الثانية‮»‬‭ ‬من‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬2019،‭ ‬نتذكر‭ ‬بعضها‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭:‬

ريس‭ ‬البلاد

هو‭ ‬عنوان‭ ‬أغنية‭ ‬الراب‭ ‬التي‭ ‬طبعت‭ ‬ثورة‭ ‬تونس‭ ‬للمغني‭ ‬الشاب‭ ‬حمادة‭ ‬بن‭ ‬عمر‭ ‬الملقّب‭ ‬بـ»الجنرال‮»‬‭. ‬ترسم‭ ‬الأغنية‭ ‬صورة‭ ‬قاتمة‭ ‬لتونس‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حكم‭ ‬زين‭ ‬العابدين‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬وتخاطبه‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬مقاطعها‭ ‬‮«‬ريس‭ ‬البلاد‭ ‬شعبك‭ ‬مات‮»‬‭.‬

وتتطرق‭ ‬الأغنية‭ ‬الى‭ ‬الفقر‭ ‬والجوع‭ ‬وتردّي‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬محمد‭ ‬البوعزيزي‭ ‬إلى‭ ‬اضرام‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬جسده‭ ‬في‭ ‬17‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر‭ ‬2010‭ ‬وشكلت‭ ‬شرارة‭ ‬ما‭ ‬عرف‭ ‬بـ»الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭.‬

وأطلق‭ ‬‮«‬الجنرال‮»‬‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر‭ ‬2010،‭ ‬ذكرى‭ ‬وصول‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬الى‭ ‬السلطة‭ ‬عام‭ ‬1987‭. ‬وهي‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مستوحاة‭ ‬من‭ ‬تظاهرات‭ ‬تونس،‭ ‬لكنّها‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬المحفّزة‭ ‬فيها‭.‬

بعد‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬انطلاق‭ ‬التظاهرات،‭ ‬أصدر‭ ‬حمادة‭ ‬بن‭ ‬عمر‭ ‬أغنية‭ ‬أخرى،‭ ‬وتمّ‭ ‬اعتقاله‭ ‬لفترة‭ ‬وجيزة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬الإطاحة‭ ‬ببن‭ ‬علي‭.‬

في‭ ‬العام‭ ‬2011،‭ ‬كان‭ ‬المغني‭ ‬بين‭ ‬مئة‭ ‬شخصية‭ ‬اختارتهم‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬تايمز‮»‬‭ ‬البريطانية‭ ‬بوصفهم‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ورغم‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يستكمل‭ ‬مسيرته‭ ‬الفنية،‭ ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬أغنيته‭ ‬هذه‭ ‬ألهمت‭ ‬متظاهرين‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

إرحل

هي‭ ‬الأغنية‭ ‬التي‭ ‬أداها‭ ‬رامي‭ ‬عصام‭ ‬وهو‭ ‬يعزف‭ ‬على‭ ‬غيتاره‭ ‬بين‭ ‬الحشود‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬التحرير‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬وشكّلت‭ ‬لحظة‭ ‬لا‭ ‬تنسى‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬حفلت‭ ‬بالأحلام‭ ‬للتظاهرات‭ ‬في‭ ‬مصر‭.‬

عن‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬يقول‭ ‬عصام‭ ‬‮«‬لم‭ ‬أعتبر‭ ‬نفسي‭ ‬يوماً‭ ‬موسيقياً‭ ‬أو‭ ‬فناناً‭ ‬قبل‭ ‬العام‭ ‬2011‭.. ‬كنت‭ ‬متظاهراً‭ ‬يحمل‭ ‬غيتاراً‮»‬‭. ‬ورغم‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معروفاً‭ ‬حينها‭ ‬من‭ ‬الجمهور،‭ ‬لكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬باتت‭ ‬أغنيته‭ ‬‮«‬إرحل‮»‬‭ ‬الموجّهة‭ ‬إلى‭ ‬الرئيس‭ ‬حسني‭ ‬مبارك‭ ‬بمثابة‭ ‬نشيد‭ ‬الثورة‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬عصام‭ ‬يتخيّل‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬أمام‭ ‬حشد‭ ‬ضخم‭ ‬مثل‭ ‬الأعداد‭ ‬الهائلة‭ ‬للمتظاهرين‭. ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يتخيّل‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬يتعرض‭ ‬للضرب‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬مجموعات‭ ‬اقتحمت‭ ‬ميدان‭ ‬التحرير‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬جمال،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬لاحقاً‭ ‬بموقعة‭ ‬الجمل،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬للاعتقال‭ ‬والتعذيب‭.‬

ويقول‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬من‭ ‬السويد‭ ‬التي‭ ‬لجأ‭ ‬اليها‭ ‬بعد‭ ‬فراره‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬‮«‬كنت‭ ‬محظوظاً‭ ‬جداً‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الثورة‭. ‬علّمتني‭ ‬الحياة‭ ‬وعلّمتني‭ ‬الحريّة‮»‬‭.‬

ويواصل‭ ‬عصام‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الموسيقى،‭ ‬لكن‭ ‬عدداً‭ ‬ممن‭ ‬تعاون‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬اعتقلوا‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬عبد‭ ‬الفتاّح‭ ‬السيسي‭ ‬وما‭ ‬زالوا‭ ‬خلف‭ ‬القضبان‭. ‬وقضى‭ ‬المخرج‭ ‬الشاب‭ ‬شادي‭ ‬حبش‭ ‬مطلع‭ ‬أيار‭/‬مايو‭ ‬الحالي‭ ‬داخل‭ ‬السجن،‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عامين‭ ‬على‭ ‬اعتقاله‭ ‬لإخراجه‭ ‬أغنية‭ ‬مصوّرة‭ ‬لعصام‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬بلحة‮»‬‭ ‬تنتقد‭ ‬السيسي‭ ‬مباشرة‭.‬

ويقول‭ ‬عصام‭ ‬‮«‬لن‭ ‬أفقد‭ ‬الأمل‭ ‬أبداً‭. ‬سيكون‭ ‬ذلك‭ ‬أشبه‭ ‬بخيانة‮»‬‭.‬

زنقة‭ ‬زنقة

هي‭ ‬العبارة‭ ‬الأشهر‭ ‬التي‭ ‬تخطت‭ ‬حدود‭ ‬ليبيا‭ ‬إثر‭ ‬انتقال‭ ‬عدوى‭ ‬التظاهرات‭ ‬إليها‭. ‬اقتُبست‭ ‬من‭ ‬خطاب‭ ‬ناري‭ ‬ألقاه‭ ‬العقيد‭ ‬معمر‭ ‬القذافي‭ ‬في‭ ‬شباط‭/‬فبراير‭ ‬2011‭ ‬وتوعّد‭ ‬فيه‭ ‬بمطاردة‭ ‬الثوار‭ ‬‮«‬بيتا‭ ‬بيتا،‭ ‬دارا‭ ‬دارا،‭ ‬شبرا‭ ‬شبرا،‭ ‬زنقة‭ ‬زنقة‮»‬،‭ ‬واصفاً‭ ‬إياهم‭ ‬بـ»الجرذان‮»‬‭.‬

وسرعان‭ ‬ما‭ ‬شكّل‭ ‬خطابه‭ ‬هذا‭ ‬مادة‭ ‬للتندّر،‭ ‬فتناقله‭ ‬مستخدمو‭ ‬الإنترنت‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعدما‭ ‬تحوّل‭ ‬الى‭ ‬أغنية‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬زنقة‭ ‬زنقة‮»‬،‭ ‬بطلها‭ ‬القذافي‭ ‬نفسه،‭ ‬في‭ ‬ريميكس‭ ‬غريب‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬أغنية‭ ‬لمغني‭ ‬الراب‭ ‬الأميركي‭ ‬بيتبول‭ ‬أنتجه‭ ‬الموسيقي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬نوي‭ ‬ألوشي‭.‬

ورغم‭ ‬وقوف‭ ‬إسرائيلي‭ ‬خلف‭ ‬هذه‭ ‬المحاكاة‭ ‬الساخرة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬الفيديو‭ ‬من‭ ‬حصد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬ملايين‭ ‬مشاهدة‭.‬

‭ ‬حرية

في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬ثورة‭ ‬اليمن‭ ‬المنسيّة‭ ‬غالباً،‭ ‬شكّلت‭ ‬أغنية‭ ‬خالد‭ ‬الزاهر‭ ‬‮«‬حريّة‮»‬‭ ‬نشيداً‭ ‬متفائلاً‭ ‬بإيقاعها‭ ‬المميز‭. ‬فردّدها‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المتظاهرين‭ ‬مطلع‭ ‬العام‭ ‬2011‭.‬لم‭ ‬تتخط‭ ‬الأغنية‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬مطلعها‭ ‬‮«‬حرية‭ ‬حرية‭ ‬نحنا‭ ‬شعب‭ ‬حر‮»‬،‭ ‬حدود‭ ‬اليمن،‭ ‬لكنّها‭ ‬اكتسحت‭ ‬منصات‭ ‬الإنترنت‭ ‬آنذاك‭. ‬وكان‭ ‬الزاهر‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬الغناء‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة‭ ‬معروفاً‭ ‬بأغانيه‭ ‬الوطنية‭ ‬والثورية‭ ‬في‭ ‬اليمن‭.‬

واليوم‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬مصير‭ ‬الأغنية‭ ‬وشهرة‭ ‬مغنيها‭ ‬شبيهان‭ ‬بمصير‭ ‬الثورة‭ ‬اليمنية‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬ذكرى‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬لحظة‭ ‬عابرة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬أمّة‭ ‬مضطربة‭.‬

يلا‭ ‬إرحل‭ ‬يا‭ ‬بشار

حفلت‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الشعبية‭ ‬عند‭ ‬انطلاقها‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬منتصف‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬2011‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الهتافات‭ ‬والأناشيد‭ ‬والأغاني‭ ‬الوطنية‭ ‬وحتى‭ ‬التراثية‭. ‬لكنّ‭ ‬أغنية‭ ‬‮«‬يلا‭ ‬ارحل‭ ‬يا‭ ‬بشار‮»‬‭ ‬عبّرت‭ ‬إرادة‭ ‬حقيقية‭ ‬بالتغيير‭ ‬وربما‭ ‬أيضا‭ ‬عن‭ ‬مصير‭ ‬الثورة‭ ‬المأسوي‭.‬

لدى‭ ‬أداء‭ ‬الأغنية‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬حماة‭ (‬وسط‭)‬،‭ ‬كانت‭ ‬مذهلة‭ ‬جرأة‭ ‬من‭ ‬خرجوا‭ ‬في‭ ‬تظاهرة‭ ‬حاشدة‭ ‬مناوئة‭ ‬للرئيس‭ ‬بشار‭ ‬الأسد،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬يجازف‭ ‬عملياً‭ ‬بحياته‭. ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يمنعهم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يرددوا‭ ‬بصوت‭ ‬واحد‭ ‬هتاف‭ ‬‮«‬يلا‭ ‬إرحل‭ ‬يا‭ ‬بشار‮»‬‭ ‬خلف‭ ‬المغني‭ ‬الذي‭ ‬انتقد‭ ‬الأسد‭ ‬وخطاباته‭ ‬ونعته‭ ‬بصفات‭ ‬عدة‭ ‬بينها‭ ‬‮«‬الكاذب‮»‬‭.‬

وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تحوّل‭ ‬ابراهيم‭ ‬قاشوش‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يُعتقد‭ ‬أنه‭ ‬كتب‭ ‬كلمات‭ ‬الأغنية‭ ‬إلى‭ ‬بطل‭ ‬في‭ ‬سردية‭ ‬الثورة‭ ‬ضد‭ ‬الأسد،‭ ‬وحمل‭ ‬لقّب‭ ‬‮«‬منشد‭ ‬الثورة‮»‬‭. ‬بعد‭ ‬أشهر،‭ ‬انتشر‭ ‬خبر‭ ‬قتله‭ ‬بوحشية‭ ‬بعد‭ ‬اقتلاع‭ ‬حنجرته‭. ‬في‭ ‬العام‭ ‬2016،‭ ‬تبيّن‭ ‬وفق‭ ‬تحقيق‭ ‬صحافي،‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬للقاشوش‭ ‬بالأغنية‭. ‬وتبيّن‭ ‬أنّ‭ ‬مؤلفها‭ ‬الحقيقي‭ ‬يدعى‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬الفرهود،‭ ‬وهو‭ ‬اختار‭ ‬البقاء‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الأضواء‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬سماعه‭ ‬بنبأ‭ ‬مقتل‭ ‬الكاتب‭ ‬المزعوم‭ ‬للأغنية‭.‬

إرادة‭ ‬الحياة

شهد‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬2011‭ ‬حركة‭ ‬احتجاجات‭ ‬لم‭ ‬تستمر‭ ‬طويلا‭ ‬قادتها‭ ‬‮«‬حركة‭ ‬20‭ ‬فبراير‮»‬‭ ‬طالبت‭ ‬بإصلاحات‭ ‬ديموقراطية‭. ‬وتبنت‭ ‬التحرك‭ ‬أغنية‭ ‬مقتبسة‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬الشاعر‭ ‬التونسي‭ ‬أبي‭ ‬القاسم‭ ‬الشابي‭ ‬‮«‬إرادة‭ ‬الحياة‮»‬،‭ ‬وأداها‭ ‬مغني‭ ‬الراب‭ ‬المغربي‭ ‬معاذ‭ ‬بلغوات‭ ‬المعروف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الحاقد‮»‬‭ ‬باللهجة‭ ‬المغربية‭.‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬نظرة‭ ‬المغربيين‭ ‬إلى‭ ‬ملكهم‭ ‬كانت‭ ‬مختلفة‭ ‬عما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬الدول‭ ‬حيث‭ ‬أطاح‭ ‬الغضب‭ ‬بزعماء‭ ‬وأنظمة‭ ‬حكمت‭ ‬لعقود،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يجنّب‭ ‬مغني‭ ‬الراب‭ ‬السجن‭ ‬لمرات‭ ‬عدة‭ ‬قبل‭ ‬إطلاق‭ ‬سراحه‭ ‬ونيله‭ ‬حق‭ ‬اللجوء‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬بلجيكا‭.‬

‭ ‬انتفاضات‭ ‬2019

شهد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬انتفاضات‭ ‬اعتبرت‭ ‬بمثابة‭ ‬الموجة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬،‭ ‬وكانت‭ ‬لها‭ ‬أيضاً‭ ‬هتافاتها‭ ‬وأناشيدها‭.‬

في‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر‭ ‬2019،‭ ‬خرج‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬الى‭ ‬الشوارع‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬ومدن‭ ‬أخرى‭. ‬وخلقت‭ ‬التحركات‭ ‬مساحة‭ ‬ثقافية‭ ‬وفنية‭ ‬للشباب‭ ‬العراقي‭. ‬وتصدّرت‭ ‬أغنية‭ ‬‮«‬ذيل‭ ‬أعوج‮»‬‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬ضمنيّة‭ ‬إلى‭ ‬الأطراف‭ ‬السياسية‭ ‬المدعومة‭ ‬من‭ ‬إيران‭.‬وعرضت‭ ‬الأغنية‭ ‬المصوّرة‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬دوتشيه‭ ‬فيله‭ ‬في‭ ‬البرنامج‭ ‬الكوميدي‭ ‬الساخر‭ ‬‮«‬البشير‭ ‬شو‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يحظى‭ ‬بشعبية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ويقدّمه‭ ‬أحمد‭ ‬البشير‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬المنفى‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭.‬وحظي‭ ‬الفيديو‭ ‬بقرابة‭ ‬15‭ ‬مليون‭ ‬مشاهدة،‭ ‬ووثّق‭ ‬ما‭ ‬اعتُبر‭ ‬من‭ ‬معالم‭ ‬التظاهرات،‭ ‬كالمطعم‭ ‬التركي‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬أشبه‭ ‬بمركز‭ ‬‮«‬قيادة‭ ‬الثورة‮»‬‭ ‬وعربات‭ ‬التوك‭-‬التوك‭ ‬التي‭ ‬تولّت‭ ‬نقل‭ ‬الجرحى‭.‬

‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬حيث‭ ‬خرج‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬الى‭ ‬الشوارع‭ ‬ناقمين‭ ‬على‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬الفاسدة‭ ‬ومطالبين‭ ‬برحيلها‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬17‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر‭ ‬2019،‭ ‬ردّد‭ ‬المتظاهرون‭ ‬شعارات‭ ‬وأناشيد‭ ‬وطنية،‭ ‬وأصدر‭ ‬فنانون‭ ‬أغاني‭ ‬جديدة‭ ‬دعما‭ ‬ل»الثورة‮»‬‭.‬وطغى‭ ‬هتاف‭ ‬‮«‬هيلا‭ ‬هو‮»‬‭ ‬الموجه‭ ‬ضد‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬السابق‭ ‬جبران‭ ‬باسيل،‭ ‬صهر‭ ‬الرئيس‭ ‬اللبناني‭ ‬ورئيس‭ ‬التيار‭ ‬الوطني‭ ‬الحر،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬عداه‭. ‬وظهرت‭ ‬لاحقاً‭ ‬صيغ‭ ‬عدة‭ ‬لهذا‭ ‬الهتاف،‭ ‬إحداها‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬أغنية‭ ‬أوبرا‭. ‬لكن‭ ‬كثيرين،‭ ‬بينهم‭ ‬ثوار،‭ ‬انتقدوا‭ ‬الشتيمة‭ ‬التي‭ ‬تضمنتها‭ ‬الأنشودة‭.‬

في‭ ‬الجزائر،‭ ‬عندما‭ ‬أصدر‭ ‬المغني‭ ‬والراقص‭ ‬الجزائري‭ ‬عبد‭ ‬الرؤوف‭ ‬درّاج‭ ‬المعروف‭ ‬باسم‭ ‬سولكينغ‭ ‬أغنيته‭ ‬‮«‬لا‭ ‬ليبرتيه‮»‬‭ (‬الحرية‭) ‬في‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬2019،‭ ‬كان‭ ‬الغضب‭ ‬يعتمر‭ ‬قلوب‭ ‬الجزائريين‭. ‬فحققت‭ ‬نجاحاً‭ ‬فورياً‭ ‬مع‭ ‬مطالبة‭ ‬المتظاهرين‭ ‬بالحرية‭ ‬والديمقراطية‭.‬

وأطلق‭ ‬سولكينغ‭ ‬الأغنية‭ ‬مع‭ ‬‮«‬أولاد‭ ‬البهجة‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬أنصار‭ ‬نادي‭ ‬اتحاد‭ ‬الجزائر‭ ‬العاصمة‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬الذائع‭ ‬الصيت‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬أناشيد‭ ‬وأغاني‭ ‬مشجعيه،‭ ‬والذي‭ ‬أعطى‭ ‬دفعاً‭ ‬لحركة‭ ‬الاحتجاجات‭. ‬وحازت‭ ‬الأغنية‭ ‬المصورة‭ ‬ربع‭ ‬مليار‭ ‬مشاهدة‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬والمنطقة‭.‬

في‭ ‬السودان،‭ ‬شكّلت‭ ‬لحظة‭ ‬صعود‭ ‬مغني‭ ‬الراب‭ ‬السوداني‭ ‬أيمن‭ ‬ماو‭ ‬على‭ ‬المنصّة‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الاعتصام‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الخرطوم‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬نيسان‭/‬أبريل‭ ‬2019،‭ ‬فور‭ ‬وصوله‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬اللحظات‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬الانتفاضات‭ ‬العربية‭.‬

وأمسك‭ ‬ماو‭ ‬بالميكروفون‭ ‬مردّداً‭ ‬إحدى‭ ‬أشهر‭ ‬أغانيه‭ ‬‮«‬الدم‮»‬‭. ‬مع‭ ‬كل‭ ‬سطر‭ ‬منها،‭ ‬ردّد‭ ‬الجمهور‭ ‬خلفه‭ ‬‮«‬ثورة‮»‬،‭ ‬لتصبح‭ ‬الأغنية‭ ‬شعار‭ ‬المرحلة‭. ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة،‭ ‬تحوّل‭ ‬الفرح‭ ‬والحماس‭ ‬حزناً‭ ‬وغضباً‭ ‬مع‭ ‬مقتل‭ ‬128‭ ‬شخصاً‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬المتظاهرين،‭ ‬وفق‭ ‬منظمات‭ ‬حقوقية،‭ ‬لدى‭ ‬محاولة‭ ‬مسلحين‭ ‬بثياب‭ ‬الأمن‭ ‬فض‭ ‬اعتصامهم‭ ‬أمام‭ ‬مقر‭ ‬قيادة‭ ‬الشرطة‭. ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬مطالب‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لم‭ ‬تتحقق‭ ‬بعد،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المسار‭ ‬الديموقراطي‭ ‬بدأ‭ ‬مع‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬من‭ ‬عسكريين‭ ‬ومدنيين‭ ‬مهمتها‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬قبل‭ ‬إجراء‭ ‬أول‭ ‬انتخابات‭ ‬ديموقراطية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬بعد‭ ‬عمر‭ ‬البشير‭.‬

مشاركة