أعضاء مجلس الحكم يفتقدون الدراية بالأنظمة الإنتخابية – فريد ايار

486

(الزمان) تنفرد بنشر فصول من أول كتاب يكشف إنتخابات الزمن الصعب (6)

أعضاء مجلس الحكم يفتقدون الدراية بالأنظمة الإنتخابية – فريد ايار

لقد تبين لي بعد ان اطلعت على الكثير من الوثائق واجريت العديد من الاستفسارات ان بعثة الأمم المتحدة اقنعت في ذلك الوقت مجلس الحكم لتبني النظام النسبي ولا سيما ان الكثيرين من اعضاء ذلك المجلس لم يكونوا على دراية كاملة بالأنظمة الأنتخابية ، كما ان الأمم المتحدة –وهذا هو الامر المهم- اختارت ابسط الأنظمة للتطبيق لأنها ستكون هي المشرفة على هذه العملية علما بأنها تضمن دوماً نجاح خططها حتى قبل البدء بالتنفيذ.

يشير تقرير بالانكليزية بعنوان اسلوب تقديم الخيارات الأنتخابية ، وزعته بعثة الامم المتحدة العاملة مع مجلس المفوضين بأن النظام النسبي يستخدم بشكل عام القوائم ولكن النظام الذي جرى تبنيه لأنتخابات كانون الثاني 2005 يفرض وجود اسماء تراتبية داخل القائمة المغلقة كما يسمح للجماعات والهيئات تقديم قوائم مرشحين وليس فقط الأحزاب السياسية.

          اما لماذا اعتبار العراق دائرة انتخابية، فأن البديل عن ذلك كان اعتماد المحافظات الـ18 كمناطق انتخابية ولكن غياب التعداد السكاني الموثوق به جعل تقسيم العراق الى 18 منطقة انتخابية أمراً غير قابل للتنفيذ ولا سيما ان هناك قضية خلافية (السكان النازحين او المرحلين من مناطقهم) في شمال العراق، مدينة كركوك والمشاكل الموجودة فيها، بالأضافة للتغييرات التي حصلت في مجال الحاق بعض الأقضية والنواحي بمحافظات اخرى. كل هذه الامور تعرّض الأنتخابات بغير صيغة الدائرة الواحدة الى مخاطر كبيرة قد تهدد نجاح العملية برمتها.

          ورغم ان السيدة كارينا بيريللي اكدت مرارا ًان الأمم المتحدة عندما استدعيت الى العراق لتكون الحكم في قضية الأنتخابات عرضت “بدائل” للنظام المتبع وليس “توصيات”، فإنّها تشيد بالنظام النسبي لأنه يتجنب اية زيادة او نقصان في تمثيل الجماعات والمكونات ولا يوجد أي حد قانوني يمنع أي كيان محلي من تمثيل نفسه كما يتجنب النظام اضاعة الاصوات لأنه يسمح بدمجها.

حكمة نيلسون مانديللا والنظام النسبي

          يشير دليل المؤسسة الدولية للديمقراطية والأنتخابات ان نظم التمثيل النسبي Proportioanl Representation تعتبر من اكثر النظم اختياراً في كثير من الديمقراطيات الجديدة وتستخدم ما يزيد على 20 ديمقراطية راسخة احدى صيغ هذا النظام التي يبلغ تعدادها 75 نظاماً.

تكمن مميزات التمثيل النسبي في أنّه يتجنب النتائج الشاذة التي تنجم عن نظم الأغلبية التعددية، كما انها تعمل على تيسير وجود هيئة تشريعية اكثر تمثيلاً بمعنى وجود كل الجماعات الهامة في برلمان   الديمقراطيات الجديدة وخاصة التي تواجه انقسامات مجتمعية عميقة، كما يمثل شرطاً جوهرياً على المدى القريب لتعزيز الديمقراطية وقد يسفر الأخفاق في ضمان وجود الأقليات والأغلبيات في هذه الأنظمة السياسية الوحيدة من حدوث كوارث كبيرة.

وتحظى نظم التمثيل النسبي بالمديح بشكل عام بسبب اسلوبها فهي:

أ-        تترجم بأمانة الأصوات في مقاعد يتم الفوز بها، وتبتعد عن النتائج غير المستقرة و”غير العادلة” التي تسفر عنها نظم الأغلبية التعددية وتتمكن الأحزاب الصغرى من الوصول إلى البرلمان بدون الحاجة لعدد كبير من الأصوات.

ب-      تؤدي إلى تسهيل وصول أحزاب الأقلية إلى التمثيل. فإذا لم يكن الحد مرتفعاً لدرجة كبيرة، أو إذا لم يكن حجم الدائرة صغيراً بشكل غير عادي، سيفوز أي حزب سياسي، حتى مع نسبة مئوية قليلة من الدعم الأنتخابي، بالتمثيل في الهيئة التشريعية.

ج-       تؤدي إلى تشجيع الأحزاب على تقديم قوائم من المرشحين تتميز بالشمولية والتنوع الأجتماعي. وتؤدي الحوافز في ظل نظم قائمة التمثيل النسبي إلى زيادة التصويت القومي، بغض النظر عن هذه الأصوات ومن أين تأتي. إن كل صوت، حتى من منطقة ضعيفة انتخابياً، يتجه نحو زيادة حصة أخرى، ومن ثم الفوز بمقعد آخر.

د-       تتيح هذه النظم امكانيات أكبر لأنتخاب ممثلي الأقليات والمجموعات الثقافية. وكما هو الحال عادة، عندما يتضافر السلوك الأنتخابي مع ثقافة المجتمع أو الأنقسامات الأجتماعية، يمكن أن تساعد نظم قائمة التمثيل النسبي على ضمان اشتمال البرلمان على أعضاء من جماعات الأغلبية والأقلية. ويرجع ذلك لأن هذه النظم تعمل على تشجيع الأحزاب على إعداد قوائم متوازية من المرشحين تلبي مصالح كافة الناخبين.

هـ-      تتيح هذه النظم انتخاب المرأة. وتعتبر نظم التمثيل النسبي بصورة عامة، أكثر وداً تجاه انتخاب النساء من نظم الأغلبية التعددية. ونجد أن الأحزاب، تستطيع من حيث الجوهر، استخدام القوائم للترويج لأنتخاب النساء اللواتي يعملن في مجال السياسية، وتوفير الفرص للناخبين على التصويت في مجال اهتماماتهم الأخرى. ونجد أن الدوائر المنفردة العضوية تعمل على تشجيع الأحزاب على تقديم مرشح “مقبول على نطاق واسع″، وقد يكون هذا المرشح امرأة.

و-       تحد هذه النظم من تنامي “الإقطاعيات الاقليمية”. ونظراً لأن نظم التمثيل النسبي تكافئ أحزاب الأقلية بأقلية من الأصوات، فمن الأقل ترجيحاً أن تؤدي هذه النظم الى حالة يتمكن فيها حزب منفرد من الأستيلاء على كافة مقاعد منطقة أو دائرة معينة.

ز-       تؤدي هذه النظم إلى زيادة فعالية الحكومة. وهناك جدل دائر فيما يتعلق بالديمقراطيات الراسخة، بأن الحكومات التي يجري انتخابها بأساليب التمثيل النسبي، تتسم بفعالية أكبر من الحكومات التي يتم انتخابها عن طريق نظام “الفائز الاول”.   اما الأنتقادات الموجهة لنظم التمثيل النسبي فتتركز حول قضيتين هامتين الأولى ميل هذه النظم للترويج لحكومات ائتلافية رغم ما فيها من نواقص، والثانية فشل بعض هذه النظم في توفير رابطة جغرافية قوية بين عضو البرلمان وناخبيه. وتشير الحجج التي تطرح عادة ضد نظم التمثيل النسبي الى أنها تؤدي إلى ما يلي:

أ-        يؤدي تشكيل حكومات ائتلافية إلى مشكلات تشريعية خانقة، ومن ثم انعدام القدرة على تنفيذ سياسات متماسكة في فترات تكون فيها الاحتياجات ملحة. وتوجد، على وجه الخصوص، مخاطر شديدة خلال الفترة التالية لمرحلة الانتقال مباشرة، عندما تضع الحكومات الجديدة توقعات ضخمة على عاتقها. وتتعرض عملية اتخاذ القرارات السريعة الحازمة، للتأخير عن طريق مجالس الوزراء الأئتلافية وحكومات الوحدة الوطنية التي تقســـــمها الاجنحــــة المختلفة.

ب-      تعرقل الانقسامات استقرار النظام الحزبي. تعكس نظم التمثيل النسبي النظام الحزبي القائم، وتسهل من عملية تفتيته وانقسامه. وقد تتيح هذه التعددية الأستقطابية لأحزاب الأقلية الصغيرة، في أن تملي رغباتها على الأحزاب الكبيرة في المفاوضات الأئتلافية. وتعد شمولية نظم التمثيل النسبي بهذا الصدد من نقائض النظام. ففي إسرائيل، على سبيل المثال، تتسم الأحزاب الدينية المتطرفة عادة بقدرتها على الحسم بالنسبة لتشكيل الحكومة، في حين ظلت إيطاليا تعاني مدة 50 عاماً من التحولات غير المستقرة للحكومات الأئتلافية.

ج-       خلق قاعدة للأحزاب المتطرفة. يوجه النقد عادة الى نظم التمثيل النسبي من زاوية إتاحتها المجال للأحزاب المتطرفة سواء أكانت يسارية ام يمينية، للتأثير في البرلمان. ويوجد جدل يشير الى ان سبب انهيار جمهورية فايمار في المانيا يعود جزئياً إلى توفير نظم التمثيل النسبي موطئ قدم للجماعات المتطرفة.

د-       تشكيل إئتلافات حاكمة لا تمتلك أرضية مشتركة – سواء من زاوية سياساتها أم قاعدة تأييدها. وكثيراً ما تتعارض “إئتلافات التوافق” هذه مع “تحالفات الألتزام” الأقوى التي تفرزها النظم الأخرى (نظام التصويت البديل على سبيل المثال)، التي تميل الأحزاب فيها الى الأعتماد بصورة متبادلة على أصوات أنصار الأحزاب الأخرى من اجل انتخابها.

هـ-      عدم القدرة على وضع أي حزب خارج السلطة. يصعب في ظل نظم التمثيل النسبي، التخلص من حزب كبير ووضعه خارج السلطة. وعندما تكون الحكومات ائتلافية، غالباً ما نجد بعض الأحزاب في الحكومة، رغم أدائها الضعيف من فترة لأخرى.

و-       إضعاف الرابطة بين أعضاء البرلمان وناخبيهم. ان استخدام قائمة تمثيل نسبي بسيطة، وتخصيص المقاعد عبر دائرة وطنية كبيرة، كما هو الحال في ناميبيا أو إسرائيل، يعرض النظام للنقد من زاوية تدميره للرابطة القائمة بين الناخبين وأعضاء البرلمان. فلا يمتلك الناخبون قدرة على تحديد هوية من سيمثلهم، ولا يظهر ممثل محدد لبلدتهم أو منطقتهم أو قريتهم، ولا يمتلكون القدرة على رفض أي فرد إذا ما أساء استخدام منصبه. ويتعرض هذا الجانب للنقد. على نحو خاص، في علاقة ذلك ببعض البلدان النامية التي تعتمد على قواعد دينية، حيث يصبح تحديد الناخبين بمناطقهم السكنية أقوى في كثير من الأحيان في علاقتهم بأي حزب سياسي.

ز-       تتعرض قائمة التمثيل النسبي الوطنية المغلقة للنقد من زاوية اخرى، في انها تضع الكثير من السلطات في يد الأحزاب، او تحت سيطرة أحد الأحزاب الكبيرة. ويعتمد موقع المرشح في القائمة الحزبية، ومن ثم احتمالات نجاحه، على تاييد قادة الأحزاب، الذين تحتل علاقتهم بالناخبين الأهمية الثانية.

ح-       وعلاوة على ذلك، يفترض استخدام نظام التمثيل النسبي نوعاً من البنية الحزبية المعروفة، طالما ان الناخبين، كما هو متوقع، سيدلون بأصواتهم للأحزاب وليس للأفراد أو مجموعات الأفراد. ويجعل هذا من تنفيذ قائمة التمثيل النسبي أمراً عسيراً، على نحو خاص، في المجتمعات التي لا تضم احزاباً او تشتمل على هياكل حزبية وليدة وناشئة.

ط-       رغم افاضتنا بالحديث عن النظام النسبي واسباب اعتماده في انتخابات كانون الثاني 2005 في العراق لا بد لنا من ان نورد في نهاية هذا الفصل الحكمة التي تمتع بها المناضل نيلسون مانديللا للحفاظ على جنوب افريقيا وابعادها عن الفوضى والحقد.

          شكلت انتخابات الجمعية الوطنية البرلمانية والأقليمية التي انعقدت في جنوب افريقيا عام 1994 علامة بارزة على تحول مضطرب من الحكم المتسلط الى ديمقراطية التعددية الحزبية في جنوب افريقيا بصورة عامة.

          كان من السهولة للقوة الساحقة لحركة التحرير بقيادة الزعيم الوطني نيلسون مانديللا ان تفوز بانتخابات الجمعية الوطنية في ظل أي نظام انتخابي وكان حزبه” المؤتمر الوطني الافريقي “هو القوة المحركة لأختيار النظام، الا ان مانديللا بحسه الوطني اختار نظام قائمة التمثيل النسبي كجزء لا يتجزأ من الآليات في السلطة بالدستور الجديد وكان ذلك الأمر حاسماً لخلق مناخ من المصالحة ما شجع كثيراً على تقليص العنف السياسي وجعل جنوب افريقيا في مرحلة ما بعد (الابارتهيد –أي التمييز العنصري) منارة للأمل والأستقرار لباقي افريقيا التي تعاني من الأضطرابات.

          والحقيقة لم يكن هناك عند اطلاق سراح نيلسون مانديللا عام 1990 سبباً للأعتقاد بأن جنوب افريقيا سوف تتبنى نظام التمثييل النسبي ، فبرلمان البيض كان ينتخب عن طريق نظام “الفائز الاول”والتوقعات كانت تشير الى ان هذا النظام سيطبقه المؤتمر الوطني الافريقي لأن هذا الحزب سيحصل على ما بين 70-80 بالمئة من مقاعد الجمعية الوطنية وعلى حساب الأقلية البيضاء خاصة.

ولكن المؤتمر الوطني الأفريقي لم يتبع هذا المجرى لأنه ادرك ان التفاوت في هذا النظام الأنتخابي “الفائز يحصل على كل شيء” سوف يثير عدم الأستقرار بدرجة كبيرة على المدى البعيد بالنسبة لمصالح الأقلية والأغلبية، اما “قائمة التمثيل النسبي” فإنّها تتجنب التناقض الأساسي بشأن ضرورة رسم حدود الدوائر وعلاوة على ذلك كانت الروح السائدة تتمثل عبر المشاركة في السلطة التنفيذية وهو الأمر الذي كان يعتبره المؤتمر الوطني الأفريقي والقوميون عقيدة اساسية بالنسبة للدستور المؤقت وتدعم جميع الأحزاب استخدام اسلوب التمثيل النسبي على الرغم من وجود اختلافات حول الصيغة التي يتم استخدامها.

          كان الاثر في اختيار النظام الانتخابي ايجابياً على تشكيل البرلمان وفقاً لخطوط التنوع العرقي والجنس، فقد شارك في الجمعية الوطنية لجنوب أفريقيا، والتي بدأت رسمياً في أيار 1994  ما يزيد عن 80 ع ضواً سابقاً في برلمان البيض فقط، وهنا كانت نهاية التشابه بين القديم والجديد. وفي تناقض واضح لتاريخ جنوب أفريقيا المضطرب، جلس السود مع البيض، والشيوعيون مع المحافظين، والزولو مع الخوسا، والمسلمون مع المسيحيين. وبصورة واضحة، كان تنوع الجمعية الوطنية نتيجة لأستخدام قائمة التمثيل النسبي. وقد اتاحت قائمة المرشحين القوميين، غير المتغير للأحزاب، تقديم جماعات متنوعة عرقياً من المرشحين. وهذا الأمر، كما كان يتوقع، يمثل دعوة واسعة وعريضة. فكانت الجمعية الوطنية تضم 52 بالمئة  من السود و32 بالمئة  من البيض (المتحدثين بالإنجليزية واللغات الأفريقية)، و8 بالمئة  من الهنود، و7 بالمئة  من الملونين. وكانت المرأة تشكل 25 بالمئة  من إجمالي عضوية البرلمان. وساد اعتقاد في جنوب أفريقيا أنه في حال استخدام نظام “الفائز الأول” سيكون عدد النساء والهنود والبيض أقل، وسيزداد عدد السود والرجال في عضوية البرلمان.

          وهكذا استطاع نيلسون مانديللا بحكمته وفطنته ان يقي بلده من الاضطرابات والقتل والفوضى  وجعله، بحكمته، منارة للديمقراطية وفي وقت قياسي.

كيف حدد موعـد الأنتخـابات في 30 كانون الثاني 2005

          في النصف الاول من شهر تشرين الثاني – نوفمبر /2004 تمت، وبشكل هامشي، في مجلس المفوضين مناقشة موضوع تحديد يوم الأنتخابات الذي لا يفترض ان يكون بعد 31/ كانون الثاني – يناير /2005 وفقاً لقانون ادارة الدولة للمرحلة الأنتقالية، وكان المجلس يتطرق الى هذا الامر، الذي لم يكن مدرجاً على جدول الأعمال، ولكن سرعان ما يضيع بين المواضيع الأدارية العديدة وغير المهمة، والتي كانت الأدارة الانتخابية “تغرق” بها مجلس المفوضين .

         في احدى الجلسات القليلة للمجلس والتي حضرها العضو الدولي كارلوس فلانزويللا قال مخاطباً الأعضاء عليكم تحديد يوم الأنتخابات فقد حان الوقت الآن لفعل ذلك.. لم يستغرق هذا القول سوى ثوان معدودة عاد المجلس بعدها للغرق في فيضان من القضايا الأدارية التي لم تكن لها نهاية علما بأن الأدارة الأنتخابية لم تكن تعمل ملخصا لكل قضية حرصاً على وقت المجلس بل كانت تكوم الاوراق امام المفوضين طالبة اصدار القرارات بشأنها.في احد تلك الأيام كنت اتحدث مع بعض الزملاء من القضاة والمحامين الساكنين معي في فندق الرشيد واذ بأحدهم يقول لي عليكم اخذ الحيطة والحذر من تعيين موعد الأنتخابات في 31/1/2005 وعندما سألته عن السبب قال ان ذلك اليوم يصادف مناسبة دينية وزيارة لمراقد مقدسة.بقيت هذه الملاحظة في ذهني وفي احدى الجلسات الماراثونية بتاريخ 8/تشرين الثاني- نوفمبر 2004 حيث اجتمع المجلس عدة مرات في ذلك اليوم عرضت موضوع تحديد يوم اجراء الأنتخابات حيث سيضع هذا الامر حداً للتصريحات الكثيرة التي تصدر عن بعض السياسيين والأحزاب والتجمعات الحزبية المطالبة بتأجيل الأنتخابات وكذلك بعض المسؤولين الذين اعتقدوا انه يمكنهم، كونهم مسؤولين رسميين، تحديد اليوم الذي يرونه مناسباً للأنتخابات، غير مدركين ان هذا الأمر محدد في قانون ادارة الدولة للمرحلة الأنتقالية وهو ايضاً من مسؤولية مجلس المفـوضين فقط.

زيارة مراقد مقدسة

          وفي ذلك الوقت واثناء الأجتماعات التي كان يعقدها مجلس المفوضين ذكرت لعدد من اعضاء المجلس، ونقلاً عن زميلي القاضي، ان يوم 31/ كانون الثاني – يناير /2005 غير صالح لأنه يصادف ذكرى مناسبة دينية وهناك زيارات لمراقد مقدسة ما يجعل ذلك اليوم صعباً لأجراء الأنتخابات. وبعد مناقشات حول هذا الامر افتى بعض اعضاء المجلس ان الوقت لم يحن بعد لتحديد اليوم ولدينا وقت كاف خلال الأسابيع القادمة وسيعلن في الوقت المناسب.. وهكذا اغلق الموضوع حتى اشعار اخر.

          لم استطع حقيقة تفسير ” الوقت المناسب لأعلان يوم الانتخابات ” وكأن في الامر سر من الأسرار، بعدها وفي 20/ تشرين الثاني – نوفمبر /2004 تمتعت باجازة خارج العراق حيث قصدت لبنان لحضور اجتماع المنظمات العربية العاملة في قطاع الاعلام والأتصالات بدعوة من جامعة الدول العربية ونزلت في فندق البريستول ببيروت قرب منطقة الحمرا المشهورة انتظاراً لبدء الأجتماع يوم 22/ تشرين الثاني –نوفمبر /2004.

          في تلك الايام كانت حمى تأجيل الأنتخابات لمدة ستة اشهر تتصاعد من الأحزاب السياسية المعارضة للوضع برمته، او من تلك التي ساندت بقوة اسقاط النظام السابق ومنها الحزبان الكرديان الكبيران واحزاب سياسية اخرى معروفة وكل من هذه الاحزاب والتنظيمات لها حساباتها الخاصة في تأجيل الأنتخابات.  اصدرت تلك الاحزاب والهيآت التي اجتمعت في بيت السياسي العراقي الدكتور عدنان الباجه جي بياناً طالبت فيه بتأجيل الأنتخابات ستة اشهر نتيجة الاوضاع السائدة بعد صدور البيان جرى الأتصال بنا من قبل اجهزة اعلامية عديدة، فأكدنا في تصريحات ادلينا بها ان الأنتخابات ستجري في العراق قبل 31/ كانون الثاني – يناير /2005 وفقاً لقانون ادارة الدولة للمرحلة الأنتقالية وان مفوضية الأنتخابات تحترم رأي جميع الأحزاب السياسية ولكنها ملتزمة بالقانون وهي الوحيدة التي تقرر يوم الانتخابات. وبهذه التصريحات قطعنا دابر تلك التحركات التي كانت، باعتقادنا، تصرفات تكتيكية سياسية يومية اذ ان تلك الأحزاب كانت بدورها تعلم جيدا ان القوانين النافذة في ذلك الوقت لا تسمح بأية عملية تأجيل كما ان المرجعية الشيعية في النجف الأشرف والولايات المتحدة الأمريكية لا توفقان ايضاً على التلاعب بمواعيد اجراء الأنتخابات .

          بتاريخ 21/ تشرين الثاني –نوفمبر /2004  اتصلت بي نائبتي في المجلس بحدود الساعة الثانية عشرة ظهراً لأبلاغي بالقرارات التي اتخذت في جلسة ذلك اليوم والتي انعقدت بالمقر المؤقت للمفوضية في قصر المؤتمرات واشارت الى ان المجلس حدد يوم 30/ كانون الثاني –يناير /2005 موعداً لأجراء الأنتخابات. اثار توقيت اتخاذ هذا القرار لدي الكثير من التساؤلات، ففي الوقت الذي قيل لي قبل يومين ان لدينا فترة اسابيع للبحث في تحديد الموعد، يتم اتخاذ القرار اثناء غياب ثلاثة مفوضين وانا منهم دون الاستئناس برأيهم الشخصي هاتفياً على الاقل وطبقاً لقرارات اتخذت سابقاً بهذا الصدد.  لم اجد بداً من الانصياع لهذا القرار والبدء باتخاذ الأجراءات اللازمة من بيروت لأعلان تحديد يوم الأنتخابات على نطاق واسع كوني الناطق الأعلامي للمفوضية وهذا الامر يعتبر من صلب العمل الذي اقوم به.

          ورغم ان ذلك اليوم كانت العطلة الأسبوعية في بيروت (يوم الاحد) فقد اتصلت بمكتب وكالة الصحافة الفرنسية الا ان المسؤولة في ذلك اليوم لم تقدر “اهمية وعالمية” مثل هذا الخبر الذي نملكه” فماطلت بغباء في قبوله ، فاتصلت بوكالة رويترز وصدف ان كان المحرر المسؤول يعرف موقعي في المفوضية واعرفه جيداً اثناء عملي كأمين عام لأتحاد وكالات الانباء العربية في بيروت طوال عقود فرحب بنشر الخبر بسرعة وشكرني عليه وهكذا حصلت رويترز على اهم خبر عالمي في ذلك اليوم الذي يفتقر دوماً الى  الاخبار المهمة..

مشاركة