أعراف الكتابة السردية –  علي خيون

907

أعراف الكتابة السردية –  علي خيون

 ” .. للرواية أعراف، وحذار من عدم الأخذ بأعراف الكتابة السردية، لأنها، فضلاً عن إرشاد الكاتب الى السبيل الصحيح للكتابة، تساعده في تلقي ما يكتب”.

هذا ما يقوله الناقد الدكتور عبد الله ابراهيم في كتابه الجديد “أعراف الكتابة السردية” الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت، ويقع في 440 صفحة، وستة فصول.    يتحدث المؤلف بالتفصيل عن صنعة السرد، ويورد انجازات العمالقة من الكتاب الكبار وكيفية الافادة من تجاربهم. منوهاً بتجارب تولستوي، بلزاك، دوستويفسكي، ستندال، فلوبير، ملفل، جويس، كافكا. ثم يخصص الفصل الرابع لطقوس الكتابة السردية فنشعر بتشويق جميل ونحن نطلع على حياة الكتاب وآرائهم وهم وراء مناضد الكتابة والتأليف.

تنتهي من الكتاب، فتقف على الجهد المبذول من الناقد لدعم الهدف الذي يرمي إليه، وهو وضع لائحة بأعراف الكتابة السردية التي جرى صوغها من مدوّنة كبيرة تراوحت بين الأقوال الدالّة على أهميتها، والنصوص الداعمة لها، فانتهى الكتاب إلى تركيب يمزج آراء الآخرين بآرائه، إذ وجدنا الناقد يقرأ الرواية، ويتحدث عن طقوس الكاتب، ويقف بنا عند الدروس المستقاة من هذا الجهد، لنعرف موقعنا حينما نكتب، فلا نقلد غيرنا، ولا يقف النقد عائقاً في مسيرتنا بل ينير لنا الطريق، ونلزم الفن ملازمة دائمة.      أبدى المؤلف مقدرة نقدية استثنائية، قل نظيرها، في مزج الوصف بالتحليل، وربط الاستنطاق بالتأويل، ليقودنا في رحلة صعبة وطويلة إلى عالم الكتابة الروائية، مفسراً لنا مايحصل من تفاعل بين الكاتب ونصه. ذلك أنّ الناقد، في طبيعة عمله، يحاول أن “يفسّر” كل شيء، غير أنه ما يلبث “أن يجعل الأفكار تفسّر نفسها بتأثير من السياق الذي تَرِدُ فيه، فيتحوّل من شخص يسعى إلى اشتقاق تفسيره الخاص إلى آخر يتولّى توفير الظروف المنهجية التي تجعل الأعمال الأدبية تكشف عن أهميتها”، على حد تعبيره.

 ينتهي الكتاب بكلام موجه الى “غشماء السرد”، وهو مصطلح من وضع الناقد نفسه، وأظنه ينطوي على معنى الأسف أكثر مما يضمر من السخرية والتهكم، فنحن كثيراً ما نقول عن شخص أخطأ هدفه :إنه “غشيم”، فنقدم له “النصيحة” بحرص شديد، عسى أن يأخذ بها. إن أجمل مافي الكتاب، إنه يقودك عبر صفحاته الى غرف الروائيين الكبار، فترى “بروست” يحبس نفسه في غرفة محكمة ويكتب رواياته، وتجد محفوظ يجلس في غرفة مطلة على الشارع، يكتب ساعة ويقرأ ساعة. وتستغرب أن يعيد همنغواي نهاية إحدى رواياته عشرات المرات، بينما ينهي دستويفسكي إحدى رواياته في أيام معدودات ليسدد ديناً عليه.

    بيد أن الأعراف السردية، لايأتي بعضها متعمداً أو مخططاً له، إنما تفرضه ظروف الكاتب ساعة الكتابة. فأتذكر ــ على سبيل المثال ــ تجربة خاصة وغريبة مرت بي، لم أكن أنوي سردها لولا أن فصول الكتاب أصابتني بالعدوى، فجلست ساعات أتذكر حادثة لا يعرفها أقرب الناس إليّ، وهي الأيام التي أنجزت فيها آخر رواياتي المطبوعة في  عَمان عام  2017 فقد كتبتها في حالة نفسية سيئة جداً.

كان الأمر المزعج هو اصابة عيني بحالة نادرة، وهي رؤية غشاء أسود فوق الورق يعوق القراءة تماماً، فلم أعد استطيع القراءة والكتابة على نحو طبيعي. وتم تشخيص الحالة في مستشفى “ابن الهيثم” في عمان من قبل طبيب عراقي صديق، بأنها مشكلة في “السائل الزجاجي” الذي قد يمزق الشبكية في أية لحظة. ولم أصدق تشخيصه، فدفعني القلق الى مراجعة طبيب آخر في مستشفى “الأردن”، ولم يختلف عن رأي من سبقه، ولكنهم رأوا التريث في العملية المكلفة والصعبة التي ينبغي اجراؤها من بعد أن تفاقمت الحالة بسبب نزف حدث في العين اليسرى بشكل مفاجيء. كتمت الأمر، فلم يعلم به أقرب الأصدقاء والمعارف ومنهم أهلي لكي لايصابوا بالهلع، ولأن من طبيعتي أو من سجاياي أن أبدو لغيري في معنويات عالية بصرف النظر عما أنا فيه، لا أشكو، ولا أثقل على سواي، مع أن الأزمة دفعت بي في لحظة حزن الى غلق صفحة “الفيس بوك”، والتخلي نهائياً عن مكتبي للمحاماة في المنصور، والى بيع سيارتي الشخصية، لأنفق على عينيّ اللتين هما أثمن شيء لدي. عدت الى شقتي، مع مجموعة من “قطرات العين”، ونظارات طبية جديدة، وتوصية بالابتعاد عن الشمس والاجهاد، لكنني جلست متحدياً حالتي كلها، وقررت أن أعالج نفسي بكتابة رواية أسكب فيها همومي، وأشغل بها نفسي لأتخلص من قلقي، قبل أن يحدث أي مكروه لاسمح الله، فاقتبست اسم الطبيب الأخير، ليكون بطلاً للرواية، وشرعت بكتابة ثلثمائة صفحة على مسؤوليتي، ودفعت بها الى الطبع من دون تعديل أو تغيير، لأن المراجعة ترهقني أكثر من الكتابة، فبادرت السيدة “جواهر” المسؤولة عن التنفيذ والإخراج الفني الى مساعدتي بصبر وطيبة.          ظهرت الرواية تحت اسم “ألقِ عصاكَ”، وصار بطلها العراقي يحمل اسم الطبيب الأردني الفلسطيني “فيصل فياض”، الأسم فقط من دون أية تفاصيل عنه، لأن بطل الرواية موسيقار عراقي كبير، يسترجع ماحصل في بلاده بسبب الحرب، ويعيش حالة حب لامرأة لا تعرف أنه يحبها. يكاد ” المايسترو فيصل فياض” أن يلقي “عصاه”  بفعل اليأس، لكنه يستمد من تلك المرأة قوة يستعين بها على توازن حياته، متحدياً الصعوبات كلها.

  أسوق هذه الحادثة، للتأكيد على ماذكره المؤلف من أن معظم الروائيين العرب لم ينتبهوا الى “قوة السرد الجبارة”، أي التصاق الفن بروح وحياة صاحبه، وليس هو تسويد الأوراق بأي كلام وعن أي شيء.وهناك نفر من هؤلاء الكتاب لم يأبهوا بصنعة الرواية، فكتب أغلبهم أعمالاً مترهلة، ومفككة ، غلب عليها الانشاء السطحي، والوصف الساكن، والحبكات الرتيبة، والشخصيات النمطية، والعواطف السّيالة، والنهايات المفتعلة. يعود ذلك، كما يرى الناقد، إلى عدم الاهتمام بالوظيفة التمثيلية للسرد، ومجافاة أعراف صنعته، ولن يسعفهم أحد في إثراء مايكتبون غير حركة السرد العارمة في العالم. وهي الحركة التي لخص معالمها المؤلف في كتابه هذا، وقدمها مشكوراً، باتقان ودراية.

مشاركة