أصغر مترجم  يبلغ من العمر 10 سنوات  –  الزمان

786

نبوغ عراقي في تركيا

أصغر مترجم  يبلغ من العمر 10 سنوات  –  الزمان

انقرة

هي علامة على النبوغ العراقي الذي نواجهه في كل الأزمان وخصوصا في أوقات الشدائد والأزمات .. والعيش في المهاجر. فالعراقي تُستفز كل طاقاته في حالات التحدّي وتصدأ وتموت مواهبه في حالات الاسترخاء والركود. إنها حقيقة وسمة سيكولوجية صارت راسخة في شخصية العراقيين.

الطفل العراقي النابغة “حيدر علي حسين” (10 سنوات) انتقل مع عائلته المكوّنة من أبيه وأمّه وأختيه : فاطمة وجمانة، إلى تركيا واستقروا هناك في مدينة “يالاوا” التركية الجارة الرائعة التي استقبلت العراقيين بكل احترام وتقدير ومعاملة متحضّرة وهو أمر قليل الحدوث في بعض الدول العربية للأسف.

ومن المعروف أن الكثير من العراقيين الذين يستقرون في تركيا يشكون من صعوبة اللغة التركية وهي ظاهرة معروفة. كان الجميع من حول حيدر يشكون من صعوبة تعلّم اللغة التركية ويدخلون الدورات لتعلم أبسط قواعدها. أمّا هو فقد خلق ما يشبه المعجزة حيث تعلم اللغة التركية خلال مدة قصيرة جدا.. ثم تحوّل إلى نموذج فريد حيث صار مترجم المُجمّع الذي تسكن فيه عائلته .. أي عائلة جديدة أو زائر عراقي أو عربي يأتي إلى المجمع السكني الذي يسكنونه أو المنطقة السكنية المحيطة به تستنجد به لمساعدتها في الترجمة والتفاهم مع الجهات المختصة. تصوّر طفلا صغيراً يقف بين رجال ونساء أطول منه من الجانبين العراقي والتركي ليترجم لهم – وبدقة – حواراتهم ويجعلهم يتفاهمون فيما بينهم بوضوح ودقة. والشيء الملفت للانتباه هو وقوفه بينهم وقيادته للحوار فيما بينهم بهدوء وبتفسيرات تقنع الطرفين وبلا تردّد وهو تعبير آخر عن نضج وإرادة وسيطرة.

{ التقينا بوالده علي حسين وسألناه عن نبوغ ابنه فقال:

– “قبل مدّة دقّ جرس البيت وحين فتحته وجدتً المسؤول عن أمن المجمّع. وحين سألته عمّا يريد قال لي إنّه يريد إبني “حيدر” كي يترجم له ما يقوله مراجعون عرب لديهم معاملة للسكن.. تصوّر!”

{ وكيف كان شعورك؟

– شعور بالفخر طبعاً. وبالمفارقة أيضا لأن الموظف يطلب إبني ذا العشر سنوات كي يترجم له ولا يطلبني!! .. طبعا هذه للنكتة.. فأنا أيضا متفوّق”

 { كيف؟

– أجدتُ اللغة التركية بسرعة وقدّمتُ إلى إحدى الجامعات التركية للدراسة على شهادة الماجستير في علوم الحاسبات فأنا خريج علوم حاسبات من بغداد.

{ وما هي النتيجة ؟

– نجحتُ والحمد لله وأنا أدرس على الماستر الآن

{ إذن فرخ البط عوّام كما يقال.

-لكن حيدرا متميز جدا .. فهو من الأوائل في مدرسته ومعلموه الأتراك يضربون المثل به – وبأختيه: فاطمة وجمانة – أمام الأخوة الأتراك لسرعة إجادتهم اللغة وحديثهم بها.

{ ثم سالنا والدته السيّدة “أصيل سعد عبد الرزاق” عن نبوغ حيدر وأختيه فقالت:

– حيدر ذكي جدا.. هو الأول في صفّه .. وقبل مدّة جاءتنا امرأة عراقية من سكنة المجمّع وأخذت حيدر معها إلى مديرية البلدية حيث ترجم بينها وبين الموظفين الأمور المتعلقة بشراء الشقة.. أما أختاه فهما متفوقتان أيضا .. فاطمة تجيد الرسم أيضا .. وجمانة أجادت التركية بسرعة تفوق التلاميذ الذين معها.

{ هل هناك ممارسات أخرى لحيدر في المدرسة؟

– نعم.. هو مترجم المدرسة حيث يطلبه السيد مدير المدرسة كي يترجم له حين يزور أولياء أمور التلاميذ العراقيين والعرب لمدرسة لمتابعة أمور أطفالهم.وهو سبّاح ماهر يسبح مع الكبار الآن.

{ وما هي مشاعرك وأنت تلاحظين نبوغ ولدك ؟

– مشاعر بالفخر والاعتزاز. وقبل مدة كنتُ في اجتماع للسيّدات في المجمّع وعرفتني الزميلات حين قلت أم حيدر حيث قلن: أم حيدر المترجم.. فزادني الموقف فخراً بولدي.

{ عدنا لوالد حيدر وسألناه بما أنه نجح في امتحان اللغة وحقق المستوى الثالث في دراسة الماجستير هل ترجمة حيدر دقيقة؟ فأكّد أنها دقيقة جدا ويصفها الأخوة الأتراك بأنها  لغة اسطنبول الدقيقة. وهو حديث العراقيين في يالاوه.

– سألنا أبا حيدر – للطرافة – هل يفكر يجعل ترجمة حيدر مثل المترجمين الكبار مقابل مبلغ لكل ساعة فقال: ما يقوم به حيدر هو عمل إنساني تعوّدنا عليه نحن العراقيين وصار من صفات شعبنا. وهو عمل طوعي لمساعدة العوائل العراقية.

ثم تحدّثنا مع حيدر الطفل النابغة وسألناه عن الكيفية التي تعلم بها اللغة التركية بسرعة فقال:

– الدور الأكبر هو لوالدي “علي” حيث كان يشجعنا ويفرض علينا الحديث في البيت باللغة التركية .. وأن لا نتردد ولا نخجل عندما نخطىء حين نتحدث بها مع الأتراك .. نعود لنعرف خطأنا ونصححه.. وكان يدعونا يوميا لمشاهدة قنوات التلفزيون التركية الخاصة بالأطفال خصوصا أفلام الكرتون الناطقة بالتركية.. وغيرها الكثير من الطرق في القراءة والكتابة.. وحين التحقت بالمدرسة التركية كان الفضل لمعلمتي “زُهرة” التي رعتني مثل الأم وعلمتني اللغة. وكذلك صديقي السوري “عادل” الذي يعيش ويعمل في يالاوه قبلي ويجيد اللغة التركية. وفي وقت قصير بالتكرار والممارسة والتحدّث المستمر أجدت اللغة التركية بسرعة..

{ نشاطاتك الترجمية في المجمّع؟

– عند حصول أي تبليغ من إدارة المجمّع أقوم بتبليغ الساكنين العرب والعراقيين في الشقق باللغة العربية عن التركية وبالعكس حيث أنقل ما يريدونه إلى الإدارة أو الحرّاس مثلا..

{ وفي المدرسة ؟

– يدعوني السيّد مدير المدرسة والمعلمون بعض المرّات للترجمة للآباء العراقيين حين يزورون المدرسة لمتابعة أبنائهم ..

-ومستواك العلمي..

– أنا من الأوائل ودرجاتي لا تقل عن التسعينات .. وأنا وزميل لي نتنافس على المركز الأول دائما .. وهناك برنامج تعليمي اسمه EBA أنا في المركز الأول على الصف وفي المركز الثالث على تلاميذ المدرسة الذين يبلغ عددهم 700 تلميذ..

{ وهل تحصل معك مفارقات طريفة ؟

– كثيرة جدا.. آخرها جاء جدّي وجدّتي وعمّي وعمّتي لزيارتنا.. حين يريدون الخروج للمدينة للتسوّق أطلب لهم التاكسي. يصعد جدي في الأمام كالعادة وأنا في الخلف بين جدتي وأعمامي. يندهش السائق لأنني أتفاهم معه والكل الكبار ساكتون.. وفي المحلات والأسواق يستغرب الباعة حين أتفاهم معهم على كل شيء وجدّي ساكت.. جدّي يقول وهو يضحك : يعني آني بشهادتي وقاطي ورباطي وشواربي ساكت وإنت طولك شبر تترجم لي.. هذه من لعنات الدهر..

{ بماذا تنصح أطفال العوائل العراقية الذين يأتون حديثا إلى تركيا؟

– أقول لهم وحتى للكبار تحدّثوا بالتركية باستمرار خصوصا في البيت ولا تخجلوا من الخطأ.. شاهدوا قنوات الكرتون.. اقرأوا قصص الأطفال.. واستمعوا قبل النوم بالسماعة من الموبايل للإذاعات التركية حتى “تأخذ” أذنك على اللفظ كما علمني والدي.

 وهناك برامج تركيا جنة الأرض ودروس الدكتور محمد زبدية في الإنترنت مــــــجانية وتعلم بسرعة..

مشاركة