أصغر عمائري في أربيل – احمد عبد المجيد

658

أصغر عمائري في أربيل – احمد عبد المجيد

عندي ابنة، هي اصغر العمائر في العائلة، تسكن اربيل منذ ان اقترنت، بشاب عربي قدر لعائلته ان تلوذ بعاصمة كردستان، بعد ان ضاقت بها المدن بما رحبت. ولأن الاب لا يستقر له بال الا اذا تفقد ابناءه، فاني غالبا ما اغتنم اي فرصة للذهاب الى اربيل، للاطمئنان عليها وتقبيل احفادي من ذريتها. وخلال سنوات طويلة من الزيارات، كنت ارى اربيل كبغداد، مع الفارق ان الاولى تحظى بالرعاية والاهتمام وتتسع بالعمران والبناء وتنامي وتائر المشاريع المنتجة. ولم تعد اربيل، خلال عقد واحد من الزمان، مقصدا للسياحة البيئية او الطبيعية، نسبة الى ما وهبتها الطبيعة لبعض ارجائها من جمال ووداعة. حسب، بل اصبحت مدينة حديثة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. وانت اذا زرت اربيلاً اليوم، لن تراها كما هي في الامس. فهي في حراك متسارع، اشك بان مدينة عربية تلحق بها. والقائمون على ادارتها يتسابقون مع الزمن لتتويجها بالانجازات البلدية والمرورية وغيرها. ولعل ابرز ما انجز فيها، هو استتباب امنها وامن مواطنيها والمقيمين فيها الذين يصح اعتبارهم (رب المنزل) كما قال الشاعر. لم اسمع من ابنتي او زوجها وعائلته، يوما، شكوى من موقف او معاناة من تمييز او تمايز،  فهي تتلقى العلاج في المستشفى مجانا وتحصل على مصدر رزقها الحلال اسوة بأي مواطن كردي. وخلال تجوالي غالبا ما كنت اصادف اللافتات السود تنعى شهداء البيشمركة الذين قارعوا تنظيم داعش، فالعربي هناك يعيش شريكاً للكردي، واذا ما صدر موقف عابر احيانا، فانه لا يفسر سوى بكونه شخصيا لا يجوز لأحد تعميمه. وبالمقابل يفهم العربي خصوصية اربيل وجل اقليم كردستان، فيحترم القرارات ويمتثل لقوانين صيغت من اجل اشاعة نمط الحياة الجديدة، في عالم يتغير نحو الافضل كل دقيقة. وهذه التعليمات ترتقي الى مرتبة عليا، فيتم تطبيقها على الجميع، الوزير والغفير، القادم والمقيم. ولقد احسنت ادارة الاقليم التصرف بوضع ضوابط او تعليمات من شأنها تأمين تقدم اربيل سلوكيا، وليس عمرانيا حسب. واذا تجولنا في المدينة فان ابرز ما نرصده مظاهرها الثقافية والاجتماعية التي تعكس حالة ازدهار مجتمعي وتعامل انساني وانضباط، هو قوام اي خطوات حقيقية نحو الاستقرار والتفاهم والعيش المشترك، مع الاقرار بالآمال التي يحملها المواطن الكردي بتحقيق حلمه القومي. وهذا الحلم قابل للتطور مع المستجدات الدولية على وفق الفهم، الذي يستوعبه الاباء المؤسسون، بشأن الثوابت المحلية والقواعد الاقليمية والسياقات الدولية. وبات قديماً القول ان اربيل حلوة او مزدهرة، فهي حلوة بأهلها وبقلعتها الشماء وبمعقولية طموحات قيادتها، التي وضعت النخبة الشابة في المقدمة، انسجاما مع توجه عصري عالمي لاعطاء فرص القيادة للجيل الحيوي من المجتمع، القادر على ترجمة الشعارات والتطلعات بالارادة القوية والحكمة وضبط النفس الموروثين، والاستيعاب المؤكد لمستجدات المرحلة. وبينما تغرق مدن العراق، في الوسط والجنوب، بالفوضى والصراعات السياسية على حساب تقديم أبسط الخدمات وفرص العمل والدروس المستفادة للاجيال اللاحقة، فان اربيل ومدن الاقليم تنعم بالاستقرار والامن وتتوج بانجازات البنى التحتية والعمرانية وتحفل بالخدمات التي يصعب حصر اشكالها او انواعها او صورها اليومية. ولعل القادم اليها يكتشف في كل مرة شكلا جديدا او مشروعا منبثقاً يسابق الزمن، فالمعيار الاداري للنجاح والولاء في تصور قيادة الاقليم، يكمن بما يقدمه المسؤول، سواء كان محافظاً ام وزيراً ام مدرساً ام طبيباً ام بائعاً بسيطاً (كاسبا)، الى اهله، وما بوسعه ان يبذل من الوقت والراحة لإسعاد غيره. فقد صادف، في ليلة صعبة عشتها في اربيل ان نقلت الى المستشفى وغمرني الشفاء فوراً، وانا ارى سريراً نظيفاً وتعاملاً نزيهاً وطاقماً من الشباب يحف بي كملائكة تبشر بالخير والرحمة. وغادرت المستشفى لست متشافياً حسب، بل وراضياً تماماً.

  هذه المقاربة ألهمتها حادثة الامس، التي لن تتسع آثارها بالتأكيد، من منطلق ايماني بحكمة قيادة اربيل وطبيعة اهلها المتسامحة، وقدرتهم على التصرف بأحسن ما يدل على القول المأثور ان (جميع النساء قد يلدن الذكور، لكن المواقف وحدها، من تلد الحكماء والمصلحين).

مشاركة