أشياء تأبى الذبول
ياسين خيرالله الزبيدي
طرية تلك الصور، لم تزل متوهجة مشتعلة على حيطان الذاكرة.. أتذكر للآن صورة الشارع حينما تهدأ الاصوات ويختفي نبض الأقدام ولايبقى سوى أصوات السيارات وهي تمرق زاعقة بابواق ناعسة، أتذكر للآن أصوات حركتك داخل غرفتك التي كانت لصق غرفتي، ما أزال احتفظ بصورة جهاز الهاتف الأرضي الذي كان عالما بحد ذاته واتذكر كيف كنت اعمد إلى وضع درجة رنينه على الصفر فيبدو رنينه كصوت مبحوح. أتذكر صورة يدي التي لم تكن حينها قد عرفت الكلل، أتذكر كيف كانت تمتد إلى أعالي شجرة النارنج لتقطف شيئا من ثمارها لتزين بها مائدة سكرك. كان الليل نديمنا، كان كل شيء من حولنا يشبه أجنحة ملاك. . كنت أتركك للحظات ولأعود أليك بعد حين لأجدك وقد سودت صحائفك البيض وإلى جانبك قنينة خمر فارغة وقدح ممتلئ ، اوراقك البيض اتخمتها باصداء آهاتك ونحيبك الطويل المزمن، ، تملأها بآثار خطواتك المتعبة التي لاتصل. ياصديقي الذي زامل الليل والنوافذ المشربة بماء الفجر اتظنني انسى؟!، ما أزال أئن ،ماتزال عيناي ترنوان لتلك اللحظات المدبرة. هل تتذكر؟ ؟ . كنت اشاركك كل شيء ،الليل، المواويل ،النهارات، روعة النظر إلى الشارع بعد منتصف الألق ،معاقرة النوافذ ، كتابة البكاء ورسم الدموع على شكل قصائد، كنت أشاركك سماع عويل (الريل) وهو يمر بالقرى الحزينة المتعبة. القرى الغافية على قلقها وندوبها وكنت تسألني ودمعك يهطل. هل سيأتي قطار الأمل، هل سيصدح حمد باغان الفرح بدل مواويله المزمنة؟؟.. لم أنس شيئا من تلك الصور ياصديقي، رأسي متحف للذكريات شيء واحد لم اشاركك فيه وهو اني لم احتس شيئا من تلك المائدة التي كانت عامرة بالاقداح لأنك نصحتني ذات حكمة بأن أبقى يقظا حتى لا أخطأ بالاوزان والتفعيلات وحتى لا يسرقنا الفجر…

















