أشباح‭ ‬الأسر‭ ‬لدى‭ ‬داعش‭ ‬تطارد‭ ‬أطفال‭ ‬الأقليات‭ ‬في‭ ‬العراق

218

مخيم‭ ‬خانكه‭ ‬للنازحين‭ ‬(العراق),-‭ ‬(أ‭ ‬ف‭ ‬ب)‭ ‬‭ ‬يسعى‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬خطفهم‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬الى‭ ‬التعافي‭ ‬من‭ ‬سنوات‭ ‬الأسر‭ ‬بيد‭ ‬الجهاديين،‭ ‬بعد‭ ‬عودتهم‭ ‬إلى‭ ‬مجتمعاتهم‭ ‬المصدومة‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وهم‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬غسل‭ ‬أدمغة‭ ‬ومشاعر‭ ‬محطمة‭.‬

وقد‭ ‬أنقذ‭ ‬العشرات‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬الأيزيديين‭ ‬والتركمان‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الأخيرة،‭ ‬مع‭ ‬انهيار‭ ‬«الخلافة»‭ ‬التي‭ ‬أقامها‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق،‭ ‬مجندا‭ ‬فيها‭ ‬الأطفال‭ ‬ليقاتلوا‭ ‬ومستعبدا‭ ‬النساء‭ ‬جنسياً‭.‬

وتمّ‭ ‬لمّ‭ ‬شمل‭ ‬الكثيرين‭ ‬مع‭ ‬عائلاتهم،‭ ‬لكن‭ ‬تعافي‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬الذهني‭ ‬يتم‭ ‬ببطء‭ ‬بسبب‭ ‬طول‭ ‬فترة‭ ‬النزوح،‭ ‬وافتقار‭ ‬الموارد،‭ ‬والمحيط‭ ‬المعتاد‭ ‬على‭ ‬الخوف‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التسامح،‭ ‬ووسط‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يذكرهم‭ ‬بالمعاناة‭ ‬التي‭ ‬عاشوها‭.‬

في‭ ‬العاشرة‭ ‬من‭ ‬عمرها،‭ ‬حاولت‭ ‬لمى‭ ‬مرارا‭ ‬الانتحار‭ ‬مهددة‭ ‬بطعن‭ ‬نفسها‭ ‬أو‭ ‬القفز‭ ‬من‭ ‬سطح‭ ‬مبنى‭ ‬مرتفع،‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬أشهر‭ ‬قليلة‭ ‬على‭ ‬عودتها‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭.‬

وتقول‭ ‬والدتها‭ ‬نسرين‭ ‬(34‭ ‬عاما)‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬«أخاف‭ ‬ألا‭ ‬تكون‭ ‬أبداً‭ ‬كالأطفال‭ ‬الأيزيديين‭ ‬الآخرين»‭.‬

ويورد‭ ‬هذا‭ ‬التقرير‭ ‬أسماء‭ ‬مستعارة‭ ‬لحماية‭ ‬هويات‭ ‬المتحدثين‭.‬

وأمضت‭ ‬لمى‭ ‬نصف‭ ‬حياتها‭ ‬أسيرة‭ ‬لدى‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬الذي‭ ‬أجبرها‭ ‬على‭ ‬اعتناق‭ ‬الإسلام‭ ‬والتحدث‭ ‬بالعربية‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬لغتها‭ ‬الكردية‭ ‬الأم‭.‬

وخلال‭ ‬زيارة‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬لخيمتها‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬خانكه،‭ ‬بدت‭ ‬الطفلة‭ ‬منهمكة‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬هاتف‭ ‬ذكي‭ ‬مع‭ ‬ابني‭ ‬عمها‭ ‬فادي‭ ‬وكرم‭ ‬اللذين‭ ‬تحرّرا‭ ‬من‭ ‬الجهاديين‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تقريباً‭. ‬وعلى‭ ‬غرار‭ ‬الفتيين،‭ ‬ترتدي‭ ‬لمى‭ ‬ملابس‭ ‬سوداء،‭ ‬وأبقت‭ ‬على‭ ‬شعرها‭ ‬قصيراً‭. ‬ويتحدث‭ ‬الثلاثة‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬مع‭ ‬بعضهم،‭ ‬وينتقلون‭ ‬إلى‭ ‬الكردية‭ ‬عند‭ ‬مخاطبة‭ ‬نسرين‭.‬

وتقول‭ ‬نسرين‭ ‬«ما‭ ‬زالوا‭ ‬مغسولي‭ ‬الأدمغة‭. ‬عندما‭ ‬يشعرون‭ ‬بالملل،‭ ‬يبدأون‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬رغبتهم‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬داعش»،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اخصائي‭ ‬نفسي‭ ‬لم‭ ‬يزرهم‭.‬

‭ ‬بلا‭ ‬متابعة‭ ‬ولا‭ ‬علاج‭ ‬

وتقول‭ ‬ليلى‭ ‬علي‭ ‬من‭ ‬منظمة‭ ‬الطفولة‭ ‬التابعة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬(يونيسف)،‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬جيل‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬تقريباً،‭ ‬طاله‭ ‬نزاع‭ ‬ما،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬تحدياً‭ ‬«غير‭ ‬مسبوق»‭.‬

ولا‭ ‬تعرف‭ ‬اليونيسف‭ ‬بالضبط‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬تجنيدهم،‭ ‬وعدد‭ ‬الذين‭ ‬عادوا‭ ‬أو‭ ‬مكان‭ ‬إقامتهم‭.‬

وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬المنظمة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬1324‭ ‬طفلاً‭ ‬خُطفوا‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬عناصر‭ ‬مسلحة‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬كانون‭ ‬الثاني/يناير‭ ‬2014‭ ‬وكانون‭ ‬الأول/ديسمبر‭ ‬2017،‭ ‬حين‭ ‬أعلن‭ ‬العراق‭ ‬«النصر»‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬لكنها‭ ‬تتوقع‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬العدد‭ ‬الحقيقي‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬الذين‭ ‬أطلق‭ ‬سراحهم‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬يعيش‭ ‬العشرات‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬أيتام‭ ‬أو‭ ‬ملاجئ‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬والموصل،‭ ‬المعقل‭ ‬السابق‭ ‬للجهاديين،‭ ‬ومنطقتي‭ ‬شيخان‭ ‬وسنجار،‭ ‬معقل‭ ‬الأيزيديين‭ ‬بشمال‭ ‬العراق‭.‬

وهناك‭ ‬آخرون‭ ‬متهمون‭ ‬بالانتماء‭ ‬لتنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬قيد‭ ‬الاحتجاز،‭ ‬يحصل‭ ‬بعضهم‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬نفسي‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬إعادة‭ ‬تثقيف‭ ‬ديني‭. ‬لكن‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬تنشأ‭ ‬بلا‭ ‬متابعة‭ ‬ولا‭ ‬علاج‭ ‬في‭ ‬مخيمات‭ ‬العراق‭ ‬التي‭ ‬تستضيف‭ ‬800‭ ‬ألف‭ ‬طفل‭.‬

وتقول‭ ‬الطبيبة‭ ‬النسائية‭ ‬الأيزيدية‭ ‬نغم‭ ‬حسن‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬اخصائية‭ ‬علاج‭ ‬غير‭ ‬رسمية‭ ‬للناجين‭ ‬بسبب‭ ‬نقص‭ ‬الموارد،‭ ‬«لا‭ ‬يوجد‭ ‬اخصائيون‭ ‬نفسيون‭ ‬في‭ ‬دهوك»‭.‬

وتضيف‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬12‭ ‬مجموعة‭ ‬تنفذ‭ ‬برامج‭ ‬نفسية‭ ‬اجتماعية‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬المخيمات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬نتائج‭ ‬تذكر‭.‬

ويطالب‭ ‬رجل‭ ‬الدين‭ ‬الأيزيدي‭ ‬بابا‭ ‬شاويش‭ ‬الوكالات‭ ‬الدولية‭ ‬بتعزيز‭ ‬الخدمات،‭ ‬قائلا‭ ‬إن‭ ‬تلك‭ ‬المنظمات‭ ‬«تزعم‭ ‬أنها‭ ‬تقدم‭ ‬الدعم‭ ‬الذهني،‭ ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬تعتقدون‭ ‬حقاً‭ ‬أن‭ ‬شخصاً‭ ‬أمضى‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬تحت‭ ‬حكم‭ ‬داعش،‭ ‬سيعالج‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬خمس‭ ‬دقائق؟»‭.‬

ويضيف‭ ‬«هؤلاء‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬أيام‭ ‬وشهور‭ ‬لإعادة‭ ‬تأهيلهم»‭.‬

‭ ‬الضحايا‭ ‬أولا‭ ‬

وسيحتاج‭ ‬المجندون‭ ‬قسرياً‭ ‬إلى‭ ‬علاجات‭ ‬خاصة‭ ‬بحسب‭ ‬أعمارهم،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬تقول‭ ‬ميا‭ ‬بلوم،‭ ‬الأكاديمية‭ ‬الأميركية‭ ‬التي‭ ‬تدرس‭ ‬قضية‭ ‬الجنود‭ ‬الأطفال‭.‬

وتوضح‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬الأطفال‭ ‬المخطوفين‭ ‬قد‭ ‬يعاد‭ ‬تأهيلهم‭ ‬بسهولة‭ ‬لأن‭ ‬لديهم‭ ‬ذكريات‭ ‬أقل‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬والذين‭ ‬أخذوا‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬المراهقة‭ ‬«لديهم‭ ‬ذكريات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الصراع‭ ‬ويمكنهم‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬طفولتهم‭ ‬السعيدة»‭.‬

لكن‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬تجنيدهم‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬التكوين،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬لمى‭ ‬وفادي،‭ ‬تم‭ ‬تعليمهم‭ ‬نبذ‭ ‬الأقليات،‭ ‬وربما‭ ‬يفتقرون‭ ‬إلى‭ ‬ذكريات‭ ‬إيجابية‭ ‬عن‭ ‬مسقط‭ ‬رأسهم‭.‬

وتقول‭ ‬بلوم‭ ‬«إنهم‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تلقين‭ ‬لهويتهم‭ ‬الدينية»‭.‬

وسيتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬جهودا‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬ترهبها‭ ‬فكرة‭ ‬التنظيم،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تعامل‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬إنقاذهم‭ ‬كجهاديين‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬الانتظار‭.‬

ولمواجهة‭ ‬ذلك،‭ ‬تستضيف‭ ‬اليونيسف‭ ‬ورش‭ ‬عمل‭ ‬مع‭ ‬الزعماء‭ ‬الدينيين‭ ‬والعشائريين،‭ ‬للتأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأطفال‭ ‬هم‭ ‬أولاً‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ضحايا‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭.‬

وتلفت‭ ‬علي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬«أحد‭ ‬أكبر‭ ‬التحديات‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬وإعادة‭ ‬دمج‭ ‬الأطفال‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬الأطفال،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التصور‭ ‬السلبي‭ ‬لدى‭ ‬البالغين‭ ‬من‭ ‬حولهم»‭.‬

وبعد‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬اجتياح‭ ‬الجهاديين‭ ‬للبلاد،‭ ‬تبدو‭ ‬الأقليات‭ ‬وكأنها‭ ‬تواجه‭ ‬وحدها‭ ‬الشياطين‭ ‬التي‭ ‬تطارد‭ ‬صغارهم‭.‬

وتقول‭ ‬نسرين‭ ‬التي‭ ‬بقيت‭ ‬عامين‭ ‬سبية‭ ‬لدى‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬إنها‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬نفسها‭ ‬بنفسها‭ ‬للتغلب‭ ‬على‭ ‬قلقها‭.‬

وتضيف‭ ‬«نحن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الخيمة‭ ‬معاً‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭. ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬إخراجهم‭ ‬لبضع‭ ‬ساعات‭ ‬في‭ ‬اليوم،‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أستريح،‭ ‬ويمكنهم‭ ‬هم‭ ‬أن‭ ‬يتعلموا‭ ‬أشياء»‭.‬

مشاركة