أسماء على قيد العطاء

314

أسماء على قيد العطاء
عباس مزهر السلامي
لو أمعنا النظر في جميع المخلوقات سواء كانت العاقلة منها، وغير العاقلة، لوجدنا هناك قلة قليلة تختص بسمة عظيمة لاتمارسها نسبة كبيرة من كلا النوعين، ألا وهي سمة العطاء، ولن نأتي بجديد فيما لو أسهبنا في شرح معنى العطاء الكبير بمدلولاته، لذلك لابد لنا من أن نقف مبهورين أمام تلك المخلوقات المجبولة عليه،سأترك عطاء المخلوقات غير العاقلة، ولو إن عدم التعريف بعطائها يدخل في باب الجحود والنكران لأن عطاءها في أحايين كثيرة يفوق عطاء البشر..وأتطرق لعطاء أبناء جلدتنا،لأننا أحوج اليه كنشاط انساني من شأنه أن يبني الحياة، أو يعيد تشكيلها لتبدو بصورة أجمل وأبهى.
فمن العسير على الفارغ أنْ يُعطي، حتى وإن أعطى فإنَّ عطاءَهُ عبارة عن صرير كاذب كالذي يحدثهُ الهواء في القربة الفارغة،
وهناك من الفارغين الكثير في مجتمعنا اليوم،فهم كالبعوض،بل هم أشدّ أذى، أصواتهم طنين، وشغلهم الشاغل السرقة ومص الدماء.قائمتهم طويلةٌ طويلة، فيها السياسي المتآمر على وطنه،ورجل الدين المهادن في دينه، فيها القاضي المرتشي،والطبيب السمكري ،فيها المدير المتخاذل،والعامل المتكاسل،فيها مدعو الأدب،وفيها سارقو أحلام الشعب،
أما قائمة ذوي العطاء، فيها المبدعون،وفيها أناس طيبون، يغضّون الطرف عن كل لامز، ورامز، نراهم اذا اشتدَّ بهم العُسر،أوطالتهم الفاقة، تسارعوا للعمل الجاد،وكلّما ضيّقوا عليهم الخناق توثبوا للعطاء،لأن ليس بمقدورهم العيش على الفتات،
قلوبهم عامرة بالحب، وأناملهم حاذقة مغرمة بالبحث، بارعة بالتنقيب،أما عقولهم فمتوثبة للسير الى مديات أبعد مما يرى العجزة، الخانعون.
ذوو العطاء قادرون في كل وقت على سد تلك الشحة التي يحدثها الطفيليون،فهنيئاً لذوي العطاء الدعة والأمان، على الرغم من غدر الزمان، وتبدل الأحوال، بعلو شأن الأنذال،
لو أحصينا ذوي العطاء في مجتمعِنا اليوم،لوجدناهم ثلة نيّرة، لكنّها مغيّبة، مهمّشة، ومحاصرة،قُتِلَ منها مَن قُتل، وهُجِّرَ منها مَن هُجِّر،وحوصِرَ منها مَن حوصِرْ،فالعطاء لايُحاصر، أو يهمّش،العطاء لايموت، لذا لابدّ من ذكر نماذج شامخة من تلك الثلة،بعيدا عن كل الدوافع جراء هذا الذكر،سوى دافع وحيد ألا وهو انصافها، والثناء على عطائها، وابراز قيمته، فسأذكرها بإيجاز، لأن عطاءها هو خير من يتحدث عنها بإسهاب جيلاً بعد جيل،هي أسماء على قيد العطاء،فالإسم الأول منها سأستلهُ من الوسط الثقافي، هذا الوسط الضاج بالمدّعين، والذي يمثلهُ شاعر وكاتب كوفي،لم يثنه خذلان هذا الوسط، ولا ضجيج مدعيه،من أنْ يحلم، ويجعل من قلبه وعاء هذا الحلم، كان حلمهُ أشبه بالمستحيل، فيما لوقرناه بأمكاناته المادية المحدودة،حلمهُ سادتي تمثل في اصدار مجلة أدبية تعنى بالكلمة الحرة، والإبداع الثر،فأنّى له من ذلك،بانعدام الدعم المادي،وشحة الدعم المعنوي،لكن محمد الخالدي، الشاعر الكوفي الحالم، تمكن من حلمه، وغرس في أرض ثقافتنا البور،بذرتهُ المعطاء لتخضرّ السنبلة المجلة الحلم،
أما نموذج العطاء الثاني فسأستلهُ سادتي هذه المرة من الوسط التدريسي،هذا الوسط المعلول،بسرطان التدريس الخصوصي،والمُبتلى بتقاعس التدريسي»التربوي، عن أداء واجبه،حتى سبب بتقاعسه، وخيانته استفحال هذا المرض،الذي انتشر بشراسة لينخر جسد التعليم، ويطيح بقواعد التربية، وأخلاقياتها، النموذج هذا مدرس حلّي،انساني النزعة،قروي الطبائع والخصال، تجاوز حدود أناه، فآثر الكلّ عليها،وهو مابين يسر الحصول على اللقمة، وعسر منالها، ترجم ايثارهُ هذا بأنْ جعلَ من المكان الذي استأجرهُ ليعينهُ على اللقمة تلك،ملاذاً للطلبة وهم يقصدونه طلباً للدروس بالمجان،ذاك هو الأستاذ، والأديب ابراهيم حمزة الطائي،في ذلك الدكان الضيّق،أعطى الطائي كلمته المقدسة،فقدسية الكلمة تتأتى من صدقها، ولاشك أبداً في صدقية رجل آثر أن يعطي في الوقت الذي. انغمست به آلهة الكلمة الكاذبة، في وحل ما تاجرت به.
أما نموذجنا الثالث فهو عبد الأمير علوش، راهب الطب وسيده بلا منازع، هل يٌعقَل أن يخرج علينا في السلم، في الحرب، في الحصار، من الحقل الطبي، هذا الحقل المتوّحش، الذي ترتعُ فيه الذئاب، طبيبٌ حلّي بأجر فحص لايتعدى 250 ديناراً عراقياً، لقد سنَّ سيد الأطباء وأكرمهم هذا الأجر الخرافي، فنبحت حولهُ كلاب الطب وذئابه.لم يكن قاسياً نباحهم، بل القساوة كانت تكمن في تشكيك الكثير بعطاء هذا الطبيب الإنساني، وبقدراته، حتى قالوا لا أحد يقصد الإمام الذي لا….. وأقول لهؤلاء لو كان الأجر الذي يفرضه هذا الطبيب مرتفعاً، لكنتم بالتأكيد غيرتم، واتجهتم إلى عيادته صاغرين،
وأخيراً أختم بالقول إنَّ نماذج العطاء التي ذكرتها لهي قادرة على شحتهاأن تجمّل وجه الحياة القبيح.
/4/2012 Issue 4184 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4184 التاريخ 26»4»2012
AZP09

مشاركة