أسعد اللامي في رواية أونسام كاميل كيف تغزو الثقافة نفسها

460

أسعد اللامي في رواية أونسام كاميل كيف تغزو الثقافة نفسها
الحقيقة توارب حتى نفسها

عبد الغفار العطوي
عن مؤسسة مصر مرتضى للكتاب العراقي صدرت للروائي العراقي أسعد اللامي روايته أونسام كاميل عام 2011م التي يمكننا اعتبارها من روايات ما بعد الكولونيالية بصدق التي جاد بها الروائيون العراقيون بعد دخول العراق في دائرة الاحتلال الأمريكي الذي أعاد للأذهان ثقافة الاستعمار القديم العسكري في القرن لتاسع عشر حتى بداية القرن العشرين وردود أفعال مثقفي العالم الذي خضع للاستعمار، معتمدين على تراث المقاومة التي رسبتها ثقافة المجتمعات التي تعرضت لذلك الاستعمار، فكان ما يلفت الأنظار بالنسبة لروائيي هذه الحركة ما بعد الاحتلال الأمريكي أن انغمسوا في ثقافة الصراعات المتأججة بين ما طرحه المحتل من فضاء حر خارج قمع المحليات الثقافية، وما بين الردات الاهتزازية لتلك المحليات الثقافية التي عاودت ضغوطها على الإنسان حالما رتبت إوالياتها، وبدا أن الرواية العراقية ما بعد الاحتلال قد نظرت باتجاهين متناقضين جراء تأثرها بهذه الصراعات إلى خطاب المحتل الثقافي، الأول انه قد أتاح الفرصة المريحة لنقد بعض أعمدة المحليات دون الإحساس بالقمع والمطاردة والتصفية، والثانية على أنها هدم للخصوصية التي يمكنها إعادة إنتاجها ثقافياً وتأجيج نيران النحل العراقية التي طمرها الغزو العروبي وأزاحها عن المركز إلى الهامش، ورواية أونسام كاميل للروائي أسعد اللامي من النوع الثاني من الاتجاهات الطاردة للمركز في مجمل القضايا التي يطرحها الفكر الثقافي التقليدي السائد، والجالبة لكل ما هو هامشي ومهمل ومسكوت عنه، وعملية التبادل بين قطبي المركز والهامش في هذه الرواية هو البؤرة المأزمة لحركة السرد و تأطير ملامح الشخصيات الرئيسية لبيان توجهها الثقافي والعقائدي المرسل نحو القول بأن صراع الثقافات كان ناعماُ طوال تاريخ العراق المحتشد بالملل والنحل والأهواء مشكلاً معالم الثقافة الأم التي تغذي ومازالت ثقافات الهوامش، وترسخ مفهوم ثقافة الخلاص الإنساني وانتظار البشرية للمنقذ وثقافة المخلص وطرائق الانعتااق العالمي من ربقة عبودية واستقطاب المراكز التي تنظر إلى الغلبة وقوة ذات الشوكة وسلطة الأكثرية بوصفها حقيقة تاريخانية يجب الاقرار بمسؤوليتها في عالم اليوم، العالم الذي راح يهدم الاستقطاب المحلي السائد إلى جملة من التهميشات التي بدورها تتطلع إلى حظوة التأسيس لمركزية الهوامش، من هنا الرواية تشير من بعيد إلى فجر السلالات الجديد، إلى بزوغ الصراع الديني والثقافي النائم الذي استيقظ بغتة كمارد من قمقم التحلل الانثربولوجي ليقف أمام حقائق التاريخ العراقي الرسمي الذي أغفله متعمداً أو سهواً ليقول أنا ها هنا، وبعده فليهتز العالم الراقد على تصدعات هزته، ولعل الكاتب أسعد اللامي ظل مصراً على تحقيق هذا المسار عن طريق كتابة رواية تخطت كل الخطوط الحمر كما يقول في آخر اعترافاته على لسان الصحفي ابن المولدة أم جنان وهو متردد بين نشر المخطوطة كما يريد هو أو كما أوصاه أونسام بعد عشر سنوات، وهو يرسل بخطابه لمعلمه المخرج حيث يقول وكنت أميناً في نقلها بحذافيرها دون تدخل، لا أقول هذا لكي أتنصل عن مسؤوليتي كراو ولكن لأنها الحقيقة دون مواربة، أنا كنت ناقلاً للحكاية لا غير، وكمخرج توافقني لهذا الإشكال ص 173 لكن الروائي وهو يقترح هذا الشكل من الكتابة الروائية التي وضعت الصراعات الاستعمارية قديمها ومعاصرها على طاولة التشريح، ويضحي بالمركز وما يعتبره الفضاء الثقافي القوماني العروبي مفصلاً من مفاصل التمركز الذاتي للهوية العربية لصاح الهوامش التي أهملت في كلا الاستعمارين لعله فكر بالنمط الاركيولوجي للحفر والتنقيب ووضع الخرائط والمخطوطات التاريخية المطمورة مع المدن البائدة كبابل في نظر الهامش بابليون وأور عند الهامش مدينة إبرام فجاءت روايته متشظية من أول سطر، العنوان المزيف، الإهداء الصادم، كلمات الروائي اليوناني نيكوس كازنتزاكي عن مبررات الكتابة عن الواقع ومماحكة غموضه والراوي المتردد الخ
التزييف الهوياتي
رواية أونسام كاميل هي رواية توصيف التزييف الهوياتي لتاريخ العراق منذ الغزو العربي الإسلامي والإدعاء بعروبيته مطلقاً، والدوس على بقية الأثنيات والأعراق وطي ثقافاتها بمرور الزمن، بمعنى تسيد الثقافة العروبية لهوية العراق وطمس وإزاحة كل ما عداها، وزرع عالم أبوي فحولي رعوي في قلب المركز، من هنا الرواية تؤشر ذلك التمركز الطاغي للعروبية التي تتصف بالبداوة والقسوة والفقر والحرب وإهانة المرأة وغلمانية الرجل والإغتصاب الذكوري الفاحش للأطفال والانقضاض على الهوامش وسرقة هوياتها الخ في مقابل بروز هوامش تعتاش على محيط المركز، منها ما هي ذات علاقة تابع بمتبوع، تدور حول ثقافته لا تؤثر فيه، لكنها تتأثر به، وتشكل مجموعة شبه معزولة تغلب على ثقافتها الإقصاء والعبودية وفقدان الهوية، وتمثل حالة متأخرة قياساً لحالة المركز من ناحية نمط الحياة الأمومي المهيمن على العلاقات الاقتصادية والوظيفية والاجتماعية، هامش المعدان هو ذلك القوة البشرية التي كانت تصم دوماً بالإزاحة ، والمعدان جماعة بشرية فاقدة للهوية ومشكوك بانتمائها التاريخي للمركز العروبي، وهي تجمع أمومي ومكون اقتصادي فطري فضل أن يكون متضايفاً مع المركز بعلاقة التعايش بطريقة الأخذ والرد، وهناك هوامش نائمة أو مضمحلة تتوهج في عقول وخيالات معتنقيها، كانت في غابر الأزمان تمثل أحد المراكز المستقطبة لسواها من الهوامش، والآن كادت تندثر معالمها وتطوى صفحتها للأبد لولا دفء الذاكرة الجمعية التي تأبى محوها، ومن هذه الهوامش التي طفت على سطح الرواية كتحصيل حاصل لهزة الهويات الثقافية التي نفضت عن تاريخنا الراقد تراكمات العشوائيات العروبية التي كدستها العقلية الإزاحية العربية، اليهودية التي كانت بمثابة مركز استقطاب مؤثر في الفضاء العراقي، لأن اليهودية العراقية ضاربة في القدم منذ نبوخذ نصر والسبي البابلي لهم قبل الميلاد يلون التاريخ العراقي بألوان الثقافة الدينية الشعبية، وظلت فاعلية اليهودية كإحدى روافد الثقافة العراقية المعاصرة تشتغل في البنية العميقة، وخرجت أو ستخرج إلى السطح جراء تمزق شرنقة العذراء العراقية في صخب العولمة وبروز تحديات الهوية، وفي رواية أونسام كاميل يتبدى الصراع بين المركز العروبي وبين هامشي المعدان واليهودية، أو بين الفحولة العروبية والأمومة العرقية، وهذا يعكس الاختلاف الثقافي والسياسي والاجتماعي، فأما الثقافي يكشف المركز في هذه الرواية عن نسق العلاقات الأسرية والمجتمعية، بين الأب السكير سائق عربة الإسعاف التي تحمل الموتى من الجنود في الحرب وزوجته مطيعة وبينه وبين ولديه التوأم أنسام وبسام وبينه وبين المارة من الأهالي الذين يشيحون بوجوههم عن عربة الموتى، وبين أونسام وهو يبيع أكياس النايلون والمتبضعين الذين يتعاملون معه، وبينه وبين مصلح المدافئ في حادثة التحرش الجنسي، في هذه الرواية يعطي المركز بعداً ثقافياً صارماً لتوضيح شراسته وفظاظته وقسوته في فضاء لا يرحم ، بينما يلوح الهامشان بعكس ذلك، فالمعدان يشيعون ثقافة التضامن والشراكة والتسامح، واليهود يتطلعون لحياة مستقبلية مسالمة وشفافة في نطاق ثقافة المنتظر ، وأما السياسي فيستحوذ المركز على الفضاء العروبي على الرغم من وجود الحرب والاحتلال الأمريكي، ويمتد أثرهما إلى الهامشين عند المعدان موت جبار ابن الرضية مربية أونسام وأمه المتبنية جراء الحرب التي افتعلها المركز، وتفشي مرض الطاعون أبو زويعة بين جواميسهم على شائعة جلب ابن الرئيس لهذا المرض من الهند وعند اليهود الفرهود الذي حدث ليهود العراق في لأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين من نهب ممتلكاتهم وترويع طائفتهم وقتل بعضهم وتشريد البعض الآخر ممن رفض الهجرة لفلسطين وأما الاجتماعي فالرواية تفضح خلل بنية المركز الاجتماعية، الأواصر الأسرية منحلة بين الأب السكير وزوجته وولديه وزوجة الأب المخمور دوماً وبين أنسام مما يلوح بالتفكك في بنية المجتمع المركزي وتدهور قيمه الثقافية والأخلاقية والدينية وسيظهر ذلك بعد فترة على سلوك أونسام وهو يعيش في المعدان أو عند راشيل اليهودية في كوالورادو في أمريكا من مرض الأرق المميت ولا يصح القول بانتفاء الصراع بين المركز والهامش لعدم التكافؤ، بل هناك صد وجذب بين الطرفين على طول سير السرد، وحركة مستمرة تتردد بينهما، بين المدينة ويشير أونسام في نهاية الرواية في حوار متبادل مع راشيل في أمريكا انها بغداد وبين منطقة المعدان في الأهوار في هروب أنسام من قبضة مصلح المدافئ وصعوده في عربة الرضية حيث مكان سكن المعدان، في مقابل التردد اليومي للرضية لتصريف منتوجها من القيمر والحليب في المدينة وعودتها ثانية لأهلها في صباح ومساء مكررين، وهناك تبادل من نوع ثان بين المركز والهامش على نطاق أوسع كوني ورمزي تحدده رؤية كل من المركز والهامش فيما يتعلق بظاهرة الصراع الخفي بينهما على المستوى العالمي بين مفهوم العروبة والإسلام من جهة وبين اليهود واليهودية من جهة ثانية،في سباق محموم على الوصول إلى السلام العالمي في نهاية المطاف فكرة المنتظر عند اليهود والمخلص في الإسلام الرواية ص122 وما بعدها وإذا كانت الحرب الدائرة بين المركز العروبي الواقع تحت الاحتلال الأمريكي وبين القوى الاستعمارية المشار إليها بوجود المجنزرات الأمريكية المسلحة التي تجوب شوارع بغداد، وانخراط أونسام في الجيش الأمريكي المحتل بعد أسره من قبل القوات الأمريكية ونقله بطائرة مروحية وحده عند أو قرب حفر الباطن السعودي أثناء انسحاب الجيش العراقي في حرب عام 1991 م مروراً بمكوثه بدار المتقاعدين، وإيوائه من قبل راشيل اليهودية في بيتها بأمريكا، يظل الصراع بينهما على أشده في ثقافتيهما، وما يحمله الأبطال سواء في المركز أم في الهامش منفصلين، إلا من خطف كيانه في منول الصراع بالانتقال بين المركز والهامش فأن مصيره الهلاك بصورة بشعة كأونسام وجبار إبن الرضية اللذين تجاسرا على الذهاب والإياب البنيوي بين المركز والهامش في الرواية أونسام كاميل يقوم الروائي أسعد اللامي بإعطاء تلميحات مقتضبة للقارئ حول كيفية الكتابة الروائية حيث جعل السرد فيها دائرياً على يد راو يبرق خطاباً لمعلمه المخرج كاشفاً له عن حيرته في النشر او عدم النشر، في كشف المستور أو السك على المحظور، ولا يبدو الأمر بهذه السهولة للوهلة الأولى، فالراوي منفصل عن الأحداث جميعها إلا بقدرما تعلق بالصناعة الروائية حيث يقف الكاتب وراء أداء الراوي الذي بدوره يرتب أثاث البيت الروائي مفسحاً الطريق للكاتب والأبطال بالقيام بدور الراوي كلاً من موقعه في المخطوطة وبالولادة المشتركة هو ابن القابلة المأذونة التي تختار أسماء الولادات بنين أو بنات في الحي الذي ولد فيه توأمان أنسام وبسام إبنا مطيعة وكانوا تلاميذ في مدرسة واحدة وصف واحد ورحلة واحدة حتى افترق أحد التوأمين واللقاء السريع بينه وبين اونسام قبل ثلاثة أشهر تنقص أو تزيد قليلاً وتعرفه على التوأم في مجمع للأمريكان بعد حادثة تحطم سيارة الراوي على يد قائد همر أمريكي من جنود الاحتلال في أحد تقاطعات العاصمة وكان ذلك العسكري مخموراً أو مسطولاً وإقامته لدعوة ضده بتوكيل محام، وعلى أثر لقائهما السريع والخاطف وتسلم الراوي لمخطوطة أونسام ، ووصيته أو تحذيره بعدم النشرإلا بعد مرور عشر سنوات وقد كشف الراوي لأونسام بأن مهنته صحفي محرر صفحة الحوادث والوفيات، إضافة إلى أنه يكتب القصص القصيرة فيما لو أتته الجرأة وشجع ذلك القول أونسام على سرد حكايته بالمقابل عرف الراوي التحريف الذي طرأ على اسم أنسام كامل من مد لساني استخدمه الأمريكان في التلفظ وبذلك يكون الراوي كلمة السر لحياة أنسام كامل و السي في والخفايا التي لا يمكن توضيحها بدونه، أو معرفته بخلافه، لهذا يمكن اعتبار رواية أونسام كاميل هي رواية المخطوطة أو الوثيقة أو رواية الرواية للراوي الذي لم يستطع السكوت حتى كشف المخبوء تحرزاً من الاتهام بالاختلاق والكذب، وهي تهمة توقعها أونسام له وحذره من الوقوع فيها لو تعجل في عرض المخطوطة للجمهور في فترة قليلة تسبق رحيله، ويمكننا القول على هذا الأساس ان الكاتب هو الراوي والقارئ معاً، الراوي على اعتباره العالم بالمخطوطة التي كتبها بأمر من أونسام وأتصل بالبطلة الرئيسية راشيل على الهاتف والإيميل الخاصين بها بعد ان فشل الراوي في تأمين الاتصال بأونسام لاطلاعه على سير الكتابة الروائية، ولما علم بنقل أونسام إلى مستشفى في هامبورغ بعد تدهور حالته بإصابته بمرض الأرق المميت نكل عن عهده بالتكتم على الحكاية، وقام بالتنصل عن إعلان الحكاية على الملأ، فهرع إلى معلمه، وهو القارئ كذلك للمخطوطة وحيثيات القضية التي ضمتها، وزاد في ميلنا نحو التكهن بأنه القارئ المضمر على وصف وارين بوث الذي له القدرة على الوجود في صلب الكتابة الروائية، ألم يكن ابن من كانت السبب بخروجه، وان أمه المولدة ظلت تتأسف على فقده وندبها لحظ أمه مطيعة في إخبارها بتلك الواقعة واقعة الفقدان وكون الكاتب هو الراوي والقارئ هذا يدفعنا إلى قبول شك أونسام في عدم تصديق الناس لحكايته لو فضحت للتو، مما يعني سريان الشك إلينا، ألسنا نعيش في أتون المركز ونتحدث بلغته الصارمة ، ونبغض تصرفات المعدان أو على الأقل نستهجن الأفعال التي تجرح النمط الأبوي الراسمة لهويتنا وتفند سمات الفحولة العروبية التي نستند عليها ثقافتنا، وإذا ذكرنا راشيل امتعضنا لسماع ذلك الاسم الممجوج والكريه ألم يثر أونسام وقد ضاقت به السبل في بيت المتقاعدين في أمريكا وتبنته اليهودية راشيل على فكرة انها مجرد يهودية ؟ ولم تكن ثورته من فراغ، بل عن ثقافة عميقة الجذور تدعو إلى مرضاة الأبوية ، إن قدرة الكاتب على إقناعنا بالدور الذي أناط إلى نفسه في أن يكون الراوي والقارئ معاً جعلنا نتعاطف معه، في وصفه لعالم ما بعد الكولونيالية باعتباره ماحقاً للهوامش والمراكز، بما يعرف بتغيير النمط الثقافي لعالم الثالث الذي يضم في عالمه كل تلك الثنائيات، وطرح الصراع بينهما على السطح من أجل فهم الرؤية التي يقوم عليها ذلك الاستعمار.
مصلح المدافئ
تبقى الرواية في حدود المخطوطة التي قد تتعرض للتحريف أو الخداع تمثل شريحة مختبرية لعالم الأبطال على مختلف مشاربهم سواء أكانوا الرئيسين كأونسام وراشيل والرضية أم الهامشيين كبسام والأب وزوجة الأب ومصلح المدافئ ووردة وديفيد وزوج الرضية وهنري وجنود الاحتلال ومدير دار المتقاعدين الخ المهم إن هذه المخطوطة كشفت عن طريق اعتراف البطل أونسام للصحفي عن خبايا عالمه الموحش، عن فضائح المركز وكيف يعيد غزو ثقافة الهوامش، وكيف يعيد إنتاج ثقافته حيث جاءت المخطوطة على ثلاثة فصول متتالية ، تتسع حدود الحكايات رويداً من الحلقة الأكثر اتساعاً، حتى أضيقها، ومن نهاية المطاف من الخوض في صغائر الأخطاء والهفوات التي سرعان ما تغتفر، أو كما يقول أونسام لست نادماً فات الأوان على هكذا شعور، أعطيت بلا حدود لم أمنح بالمقابل مقدار خردلة جزاء ص 17 وإلى الغزو الهادئ للكولونيالية العالمية للعراق الذي غير كل وجهات الأبطال من نقطة الإيجاب إلى نقيضها بالنسبة لأونسام مع المقاتل الملثم الذي لم يصوب إليه سلاحه بينما فعلها الملثم مرتين في الحقيقة أثناء المواجهة بين مجنزرات الأمريكان ومجموعة المقاومة، وفي الحلم أو الهذيان في المكان ذاته بين أونسام ومجموعة الملثم، وكان أونسام يظنه أخاه بسام أما راشيل فقد تعرضت لهزتين نقلتاها من طرف لطرف نقيض، حينما فقدت زوجها بيوتر بولونسكي في حادثة تحطم طائرة في البيرو ومقتل إبنها الوحيد ديفيد الجندي في أفغانستان ووجدت أونسام في وقت أن قررت السفر للبحث عن ولدها، ترى من كان يصدق تلك الحكايات الموجودة في المخطوطة لو قدمت بعد عشر سنوات، أي بعد خروج الاحتلال من العراق وطي صفحة التوقعات بفشل المخطط الاستعماري بغزو الهوامش للمركز، وبقاء الحال كما هو عليه دلالة على خيبة ساخرة لا يتحملها الروائي بكل تأكيد
ماذا تعلمنا رواية أسعد اللامي أونسام كاميل غير الاطلاع على قضية التزوير في ملف إنسان انسلخ من المركز بالقوة والتحق بالتوابع على مضض، هناك بعض النقاط التي استنتجنا منها معرفة ما أراد الكاتب البوح به علناً بكل شطارة وحذق عجيبين
الكاتب توصل إلى نقطة أولى مفادها إن ما حدث ما كان ليحدث لولا التغيير الذي وقع عام 2003 لقد كشف لنا الغطاء عن وجود فضاء للتسلط مدان في مشروعيته وفي شرعيته، فيه القتل بأنواعه، قتل الأب السكير لزوجته مطيعة تحت مرأى ومسمع التوأم أنسام وإلصاق تهمة هروبها مع رجل آخر، القتل العام أثناء الحرب في سيارة الإسعاف ثمة قتلى من الجنود وكذلك مقتل جبار ابن الرضية، ومقتل مصلح المدافئ في الحرب والقتل الرمزي لأونسام على يد مصلح المدافئ في محاولة اغتصابه وعلى يد الرجل الملثم في مرتين في الحقيقة وفي الهذيان، وعلى يد راشيل في صورة ديفيد، وما كان هذا الفضاء ليفتضح أمره لولا عام التغيير، لقد استطاع الكاتب مشكوراً تسليط الضوء على حيثيات القضية برمتها ومن ثمة على إشكالياتها في احتدام الحوادث المحيطة بملامح ذلك الفضاء في فترة الاحتلال الأمريكي،الوجه البشع للحرب والقتل والتشريد والتهجير والمعاناة التي تجشمها المجازفون في عملية المواجهة مع المركز من ناحية ثانية يبين الكاتب التعامل الثقافي المتبادل بين المركز والهامش في التعاطي مع الرموز الثقافية والدينية والإنسانية، ككمية الكراهية التي ينطوي عليها الأول، وكمية العاطفة التي تكتنف الثاني،حيث لم يجد البطل أونسام مكاناً حميماً عند أهله وفي بيته وذويه، إهمال الأب وغياب الأم والطرد المذل لزوجة الأب له والاعتداء التعسفي لمصلح المدافئ، ومحاولة القتل من قبل الملثم في مقابل الحب العميق والسخاء المنقطع النظير والتسامح غير المقيد من المعدان، وعلى رأسهم الأم الرضية وعائلتها ووردة، ومن راشيل وبيت المتقاعدين في أمريكا، أما فهم الرمز الديني، فقد كان إله الحرب مسيطراً على عالم المركز يقسم الموت على الجميع بالتساوي، مطيعة وجبار وآلاف الجنود، ولم تسلم جواميس الرضية ولا المعدان من شره، كذلك مات بيوتر بولونسكي في البيرو وديفيد في أفغانستان، لكن ذلك الإله قد انتقم من مصلح المدافئ دون أن يطفئ نيران أونسام ، وأخيراً أوقع البطل أونسام في الأرق المميت وقتله في النهاية، وما طرحه أونسام مع راشيل في حوارهما عن الفرق بين مخلصه ومنتظرها يظهر التفاوت الثقافي بينهما وارتباط كل منهما بمنظومة قيم مختلفة، تقول راشيل نحن في السلام الملائكي نعتقد إن جذر الأديان واحد، السماء ناموس يرفد ناموس، وان المنتظر حين يظهر هو من يعطي الحقوق للجميع بالعدل والقصاص ومنها أرضاً لليهود، سيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملأها الإنسان ظلماً ويرد عليها أونسام نحن أيضاً لدينا مهدينا سيأتي في نهاية الأمر ليملأ الأرض نوراً بعد ان امتلأت جوراً وظلمات وسيشاركه مسعاه ويصلي خلفه عيسى المسيح ص137 الرواية وأعتقد إن غاية ما أرادإيصاله الكاتب إلينا هذا، وهو إن التفاوت في الثقافة لا يعني الاختلاف في القيم، فالثقافة تنتج قيمها دوماً وأبداً في حراكها السافر في التحولات الثقافية التحولات التي طرأت على ثقافة البطل متباينة ففي العنوان حسب الحاضنة في المركز هوأنسام كامل العوسج التوأم، وفي بيئة المعدان وحاضنة الرضية الغريب وفي أمريكا أونسام كاميل وفي كنف راشيل صورة شبحية لديفيد وفي العلاقة مع قوى المركز والهامش طريد ومغتصب ومهجر ولاجئ ومتبنى وعشيق ورفيق، وفي بنائه النفسي أوديب يكره أباه ويراه في كل الرجال، في مصلح المدافئ وفي زوج الرضية وزوج راشيل فيقوم بقتله رمزياً في الحلم وفي الهذيان، ثم يقيم علاقة بنوة في الظاهر مع الرضية و راشيل و في الباطن علاقة جنسية معهما، كأنه اإسترداد للعلاقة الأمومية بينه وبين أمه التي فقدها عن طريق القتل الأبوي، لقد كان مدار الرواية هو الانتقام لأمومة مسفوحة من إبوة شاذة، لكن أوديبيته كانت منحرفة مع الرضية إلى الفتاة وردة بسبب البيئة المشاعة وحداثة سنه وقلة تجربته وتفتح مراهقتهعلى الفتاة التي فتحت الزر العلوي لقميصها وهرشت كأن شيئاً كان يضايقها، فانكشف بشكل مفاجئ أمام عيني بياض الصدر، بلون الحليب وفيه قبتان صغيرتان كزهرتي قطن انشقت عنهما قشرتهما للتو، شعرت لحظتها بسخونة جعلت وجهي أحمر، كانت تلك المرة الأولى التي ينتابني فيها هكذا شعور، زاده غرابة إحساسي المنتشي بعضو داخلي بين فخذي ينتفض، يغدو بصلابة الحجر ولماء سري يخرج منه ويلتصق مبللاً ساقي ص100 بينما كانت علاقته الجنسية مع راشيل أوضح في إنفعاله الأوديبي، لقد اعترف لها بالكراهية لوالده وحنقه على إن الحرب قد فتكت بمصلح المدافئ وترمته نهباً لثأره غير المنجز، واكتشافه لوحدتها بعد مقتل زوجها وابنها، كانت تقول له لتقريب وجهة نظرها إليه يبقى قدرك مثلما هو قدري قدرنا المشترك عزيزي أونسام أنا وأنت كلانا من هناك من تلك البقاع، أنا مواطنتك وأنت مواطني أنا عراقية الجذور ص 136 وفي موضع آخر تعترف راشيل أيضاً هل ستصدقني لو قلت لك، لا أعرف إن كنت تشعر بمثل ما أشعر به، أتمنى ان تكون مشاعرك مطابقة لمشاعري، أنا وأنت معاً يداً بيد أفلحنا في اجتياز واد تسكنه غيلان الجنون ص 138 ليجد ان العلاقة الجنسية مع راشيل ضرورية لصنع أوديب عليل سرعان ما يفنى، فيقول أونسام الأوديبي سورت وجهي براحتيها وراحت تقبل جبهتي وعيني بقبلات سريعة كان لها وقع الجمر علي إذ وجدت نفسي أجاريها بحرقة أشد، أقبل وجهها وعينيها وشحمتي الأذن والساعد والعضد والكفين ثم واتتني جرأة عجيبة جعلتني أخرق حدوداً كان من الصعب علي ليس تجاوزها بل مجرد التفكير فيها، ألقيت ساقي فوق حوضها لكنني سحبتهما في اللحظة التالية متردداً شاعراً بالإثم، نظرت إلى عينيها خجلاً كانتا مغمضتين كما لو كانتا تنتظران ووجها يؤطره ابتسام متفهم، لم أقل لها إنها المرة الأولى التي أنام فيها مع امرأة، المرة الأولى التي يحضنني فيها جسد أنثى وأي أنثى نابضة بالحب أبحث عن حلمة الثدي لامتصها كما لو كنت طفلاً صغيراً يبحث عن ثدي أمه ص 140
/6/2012 Issue 4228 – Date 18 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4228 التاريخ 18»6»2012
AZP09