
لاشك ان الانسان عرف الصداع وآلام الرأس منذ أقدم العصور ،وقد كان القدماء يعتقدون ان الصداع هو عقاب للخروج من طاعة الآلهة،وكانت بعض النظريات القديمة تقول ان الصداع هو فعل من افعال الارواح الشريرة ،فيما اعتقد سقراط ان التقيؤ يعالج الصداع والم الرأس فكان يصف لمرضاه ادوية تسبب القيء ليعالجهم من تلك الالام،اما في العصور الوسطى فقد توجه العلاج الى بزل الدم ،اما بعمل جروح صغيرة في الجلد أو بالاستعانة بالعلقة الطفيلية لامتصاص كمية من دم المريض .
ويعد الصداع من أكثر الالام المؤرقة شيوعاً ، ويكون سببه عادة هو الاجهاد أو الانفعال العاطفي أو الحساسية ،ولايدل حدوثه غالباً على الاصابة بمرض خطير فقد يزول بعد النوم او اخذ قسط من الراحة، لكن في حالات نادرة قد يكون الصداع ناجم عن مرض خطير ويتطلب الفحص الطبي العاجل لتلافي تدهور حالة المريض .
وينشأ الم الصداع في جلد الرأس والأوعية الدموية وأعصاب الرأس والرقبة والفم والبلعوم ،وليس كما يعتقد البعض بأن نشأته في المخ أو الجمجمة ، لذا يجب الاهتمام بمعرفة سبب الصداع حتى يتم علاجه بنجاح ، فهناك عدة مسببات له مثل الضغط النفسي في الحياة اليومية أو تناول انواع معينة من المأكولات مثل الجبنة المعتقة أو السكريات أو استنشاق بعض الروائح أو تغيرات في الضغط الجوي ،أو التعرض لأصابات في الرأس أو التعرض الى الضوء الشديد ،أو في حالات التغييرات الهورمونية الحاصلة لدى السيدات أثناء الدورة الشهرية مثلاً، وقد يتزامن حدوثه مع التعرض لعاملين من العوامل المذكورة او اكثر في آن واحد بالصدفة ،وتندرج بعض حالات الصداع الشديد ضمن الحالات التي تتطب تدخل عاجل وفوري مثل حالات حدوث نزيف في المخ أو التهاب شرايين الصدغ أو التهاب السحايا للمخ ،أو صداع العين بسبب المياه الزرقاء وغيرها .
تقول الاحصائيات الطبية ان 90 % من الناس يعاني من الصداع في وقت ما أثناء حياتهم وان 20% منهم يلتمس العلاج بطرق مختلفة ، وفي امريكا ينفق مرضى الصداع مايقارب 60 مليون دولار سنوياً على شراء المسكنات المسموح صرفها بدون وصفة طبية لعلاج الصداع .
فيما يتعلق بالضغوط النفسية والانفعال الشديد : أحياناً يكون الصداع في مثل هذه الحالات مجرد رد فعل نتيجة للضغوط الواقعة على الانسان سواء في العمل أو في المنزل ، أو تعبيراً عن الفرح أو الحزن الذي يشعر به ،وتتوقف ردة الفعل هذه على تركيبته النفسية وطبيعة تكوين شخصيته ، ومدى تحمله للضغوط الخارجية .
ويبدو ان بعض الناس يعبر عن مشاعره بطريقة تسبب له الصداع والم الراس ، وقد يصحب ذلك تقلص في عضلات الرأس والرقبة بسبب تدفق الدم في تلك العضلات ،ولان طبيعة الانسان وتكوينه تحتم عند مواجهته لاي خطر أو ضغط ان يحدث تقلص في عضلاته استعداداً لهذه المواجهة ، و هذه الانفعالات اللاارادية تحدث سواء كان المؤثر الخارجي نفسي أو جسماني ،وبالتالي يزداد الألم في عضلات الرأس والرقبة بعد فترة وجيزة ، فمثلاً اذا خرجت ليلة من ليالي الشتاء وكان البرد قارساً، فان جسمك يزيد من التفاعلات التي ترفع درجة حرارته حتى تشعر بالدفء ، ومالارتعاش الا تقلص متكرر في العضلات يصحبه توليد حرارة وفي بعض الأحيان نجد ان الجسم قد ينفعل بدرجة كبيرة في مواقف معينة ،فمثلاً عند حدوث مشاحنة كبيرة بينك وبين رئيسك في العمل أو حتى بمجرد تفكيرك بهذا الأمر ،فان الغدة النخامية في المخ تفرز عدة هورمونات تنشط البنكرياس ليفرز الانسولين وتصاب بالاضطراب وعدم القدرة على التركيز الذهني وبالتالي تصاب بالصداع والقلق والاكتئاب الشديد.
ويعد الصداع احد اهم اعراض التهاب مفاصل الرقبة الروماتيزمي ومشاكل الرقب عموماً ، وخاصة التهاب المفاصل الخلفية بين الفقرات العنقية ، كما يشكو الكثير من الناس من الصداع عند تعرض الرقبة لاصابات عند الحوادث وفي حالات الانزلاق الغضروفي بها ،وتبلغ نسبة المرضى الذين يعانون من مشاكل في الرقبة مابين 40-80% ممن يشكون من الصداع، وقد بحث الكثير من الأطباء عن العلاقة بين امراض المفاصل العليا في الرقبة وبين وجع الرأس فخرجوا بعدة اسباب وتفسيرات منها :
ان الصداع ينتج عن تقلص العضلات في مؤخرة الرأس وأعلى الرقبة .
ان الصداع ينشأ نتيجة تأثير التهاب المفاصل على جذور العصب الخامس المخي في أعلى الرقبة ويلاحظ ان هذا العصب مسؤول عن الاحساس في نصف الوجه .
ان الصداع ينتج عن تأثير التهاب المفاصل على العصبين الثاني والثالث خلف الرقبة وهو يمتد الى مؤخرة الرأس .
ان احد مضاعفات الصداع هو تأكل المفصل بين الفقرتين العنقيتين الثانية والثالثة لدى المسنين .
ومن الجدير بالذكر ان احد او كل هذه الاسباب قد يسبب صداعاً نصفياً يشبه صداع الشقيقة وينتشر في الصدغ ونصف الجبهة في نفس الناحية ، وقد يصحبه احمرار العين وانهمار الدموع وضجيج في الاذن .
الدكتور عبد الوهاب الجبوري


















