أسئلة وتوقعات عن الدب الروسي – مقالات – طالب سعدون
بعد زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى روسيا في أب / آغسطس الماضي ، طرحت كغيري سؤالا مفاده .. هل يعيد التاريخ نفسه ، وتدير مصر وجهتها مرة أخرى صوب روسيا ، التي تَعد نفسها لدور تكون فيه وريث الاتحاد السوفيتي السابق ، كما فعل الرئيس جمال عبد الناصر ، بعد أن رفضت أمريكا وبريطانيا تسليح بلاده ، وترحيب الاتحاد السوفيتي به ، مع تسهيلات كبيرة قدمها له ، وأصبح ليس أهم مورد للسلاح لمصر ، وأبرز شريك اقتصادي معها ، وانما كان مساهما في مشاريع اقتصادية ستراتيجية ، وفي مقدمتها السد العالي الذي يبقى رمزا ، ليس اقتصاديا وتنمويا فقط ، وانما وثيقة شاخصة على تغير العلاقات الدولية ، وعدم ثباتها ، وتوجهها حيث تكون المصالح ، وقد تغير الحال بعد أن جاء الرئيس أنور السادات الذي أدار ظهره لموسكو ، وجعل 99 بالمئة من أوراق الحل بيد امريكا .
وبعد رد الزيارة من قبل الرئيس فلاديمير بوتين الى القاهرة يوم الاثنين الماضي ، والتوقيع على عدد من الاتفاقيات المهمة ، ومباحثات قمة شملت ما تواجهه المنطقة من مشاكل وأزمات وتحديات كبيرة تكرر السؤال بصيغة أخرى ، ولكن بالمضمون نفسه وهي : هل ستكون مصر البوابة لدور روسي جديد في المنطقة بعد سوريا ؟ …
وهل سيفتح الوضع المتدهور اليوم في المنطقة ، الذي تسببت به الفوضى الخلاقة ، التي شرعت بها الولايات المتحدة الامريكية ، وانتقلت كالنار في الهشيم ، من بلد الى اخر، الباب من جديد ، أمام روسيا ، للدخول للمنطقة ، وتحقيق التوازن الدولي المطلوب ، أم تلك مجرد ( تخيلات ) ، وأحلام ، وتمنيات تسبق أوانها ، وتصطدم بالواقع الجديد الذي يختلف تماما عن الماضي ؟..
وهل كان الاستقبال المتميز، والحفاوة الرسمية والشعبية الكبيرة ببوتين في القاهرة رسالة الى الولايات المتحدة ، خاصة وأن زيارته جاءت بعد قيام مجموعة من الاخوان المسلمين بزيارة الى الولايات المتحدة مؤخرا ، ولقائهم بمسؤولين بالخارجية الامريكية ، وإنتقدتها مصر في حينها ، على لسان وزير خارجيتها ، ورفضت فيها تبريرات الناطقة باسم الخارجية الامريكية ، بأن الوفد لا يمثل الاخوان المسلمين ، وإنما يضم عددا من البرلمانيين السابقين ، من بينهم اعضاء من حزب الحرية والعدالة ، وجاءوا بدعوة من جامعة جورج تاون ، وأن لقاء الوفد في وزارة الخارجية ، يعد روتينيا ..
ويبدو من كل ذلك أن الاهداف السياسية والأستراتيجية للزيارة قد تسبق ما أسفر عنها من إتفاقات في قضايا عسكرية واقتصادية وتكنلوجية ، رغم اهميتها للطرفين الروسي والمصري ، لأنهما يلتقيان اليوم في مواقف وظروف تبدو متشابهة تجاه الولايات المتحدة .. ويظهر ذلك بصورة جلية في الموقفين الروسي والامريكي المختلفين من مصر بعد الثلاثين من حزيران / يونيو.
وعلى هذا الأساس كان هناك من يعد توقيت زيارة بوتين لمصر مهما ، ويمثل اعلانا روسيا صريحا لوقوفها مع مصر ، وتقديم كل ما يمكن من دعم عسكري وتكنلوجي بمجالاته المختلفة وفي الطاقة ، وقد تمهد لتعاون استراتيجي يستفيد منه الطرفان ، وليس مصر وحدها ، حيث أن روسيا تواجه مقاطعة وتحديات اقتصادية كبيرة ، قد تكون من بينها تخفيض أسعار النفط ، ليس بسبب اوكرانيا فقط ، وانما في مسعى قد يكون لوقف توجهها لاستعادة دورها في التوازن الدولي ، بعد الانفراد والهيمنة الامريكية ، إضافة الى رغبتهما في التعاون في التصدي لظاهرة الارهاب التي باتت تمثل خطرا كبيرا ، ليس على المنطقة فحسب ، وانما على العالم ايضا ، ومن بينه روسيا ، التي تخشى منها على حلفائها وسوريا بالذات ، وإحتمال امتدادها اليها ، اذا استمرت موجة الارهاب على هذا المستوى من القوة والامتداد ، والفوضى ، ولم تعد أي دولة بمنأى عنها …
فهل يشهد العالم تغييرات جوهرية بعد هذا التحرك ، حتى مع وضع روسيا الحالي مقارنة بقدرة الاتحاد السوفيتي السابق ، أم أن الظروف قد تغيرت ، والمنطقة اليوم تختلف عما كانت عليه في منتصف القرن الماضي مع وجود قوة كبيرة كالاتحاد السوفيتي ؟.
هذه وغيرها أسئلة وتوقعات قد تسبق أوانها ، كانت تدور في ذهن البعض بعد زيارة بوتين الى القاهرة ، والحفاوة التي قوبل وودع بها ، ولم يسبقه بها زائر أخر للقاهرة .. ولكن هناك أمنيات لم يجر تداولها لإستحالة تحققها في الوقت الراهن بأن تكون اوراق اللعبة كاملة ( 100 بالمئة ) بيد شعوب المنطقة ، وليس بيد هذا الطرف ، أو ذاك ، بعد ان إكتوت بنار الفوضى والدم والخراب والارهاب ، والدمار ، لكنها جميعا بلا شك قد توحي برغبة في التخلص من الانفراد والسيطرة على مقدرات المنطقة ، بعد أن جربوا نتائجها المدمرة ..
وفي كل الاحوال أن كل ذلك مرهون بعودة التوازن الدولي من جديد ، وظهور مراكز قوى عالمية .. واحدة منها روسيا ..
ولكن متى ..؟


















