أزمة فلسطينية تنتظر الحسم

237

أزمة فلسطينية تنتظر الحسم
صباح علي الشاهر
قالوا، ولكنهم لم يلتزموا بما قالوا، قالوا فلسطين وقضيتها خارج الصراعات والخلافات العربية، لأنها ببساطة قضية الجميع، لا قضية العرب وحدهم، ولا قضية المسلمين وحدهم، هي قضية كل العرب، مسلمين ومسيحيين ومن كافة الأديان والطوائف، وقضية كل المسلمين بشتى مذاهبهم ومللهم ونحلهم.
لا أحد يلوم أي فصيل فلسطيني إن وقف على الحياد فيما يتعلق بأي شأن داخلي لأي قطر عربي، لكن أي فصيل فلسطيني سيسيء إلى فصيله، وإلى فلسطين، عندما يصطف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، لأنه ببساطة سيفقد دعم جزء يمثله هذا الطرف، وبالتالي يضعف الموقف المؤيد لفلسطين، أو يعطله في الأقل.
من المؤكد أن الفلسطينيين تعرضوا إلى كم هائل من التدخلات والضغوطات التي أرادت سحبهم، وسحب قضيتهم إلى هذا المحور أو ذاك، وإلى هذا التنظيم أو ذاك، أو إلى هذه الجماعة أو تلك. من الصعوبة القول أن التنظيمات الفلسطينية لم تخضع لتأثير هذه الضغوط، ولعلها مغالطة عندما يقال، أن الفلسطينين حافظوا على حيادهم، فالعديد من التنظيمات كانت صدى لدول معينة، ولسنا بحاجة لذكر هذه المنظمات فالكل يعرفها بالإسم، ومثلما إنقسم العالم العربي إلى يسار ويمين، إسلاميين وعلمانيين، قوميين ولبراليين، فقد إنقسم الوسط الفلسطيني، وتبلور هذا الإنقسام في تنظيمات معلومة ومعروفة، وهذا أمر طبيعي، لا غبار عليه، ولا خطأ فيه، إنما الخطأ أن تغلب هذه الأطياف في محطات هامة إنتماءها السياسي أو العقائدي، أو التنظيمي، على إنتمائها للقضية الأساسية التي يُستلزم الولاء لها، ولها وحدها، إذا أُريد فعلاً تجميع كل قدرات وإمكانات هذا الشعب الباسل المجاهد العظيم قصد تحقيق هدفه المنشود الذي طال إنتظاره، والقاضي بتحرير فلسطين، أو في الأقل إقامة دولة حرّة مستقلة للشعب الفلسطيني على أرض فلسطين المحتلة عام 1967، على أن تكون قابلة للبقاء، وعاصمتها القدس.
شعار الحد الأدنى هذا كان كافيا لتشكيل وحدة فلسطينية صلدة في إطار التنوع ضمن الوحدة، ولكن مع مزيد الأسف لم تشهد الساحة السياسية الفلسطينيّة مثل هذا الأمر، بل على العكس شهدت إحتراباً دموياً، أساء أيما إساءة للقضية برمتها، لقد اُثبت الأخوة الفلسطينيون، أنهم شأنهم شأن إخوانهم العرب غير قادرين على التصرف على هدي التمييز بين ماهو ثانوي وما هو رئيسي، وللإنصاف ينبغي القول، أنه حتى لو أراد الأخوة الفلسطينيون التصرف على هذا النحو فإن الأخوة الأعداء سيتدخلون حتماً، ولا يكتفون بهذا فقط، بل يؤلبون طرفاً على طرف، ويناصرون طرفاً ضد طرف، وهذا ما حدث بالفعل.
الساحة الفلسطينية
يمكن القول أن الساحة الفلسطينية اليوم، داخلياً وخارجيا تنقسم إلى قسمين رئيسين وكبيرين، وهما الإسلام السياسي، ويتضمن حركة حماس التي كانت تنادي بتحرير فلسطين من الماء إلى الماء، أي من نهر الأردن حتى البحر الأبيض المتوسط، أسسها الشهيد أحمد ياسين، وقد أعلنت في بيانها الأول أنها جناح من أجنحة الإخوان المسلمين، وأبرز زعمائها حالياً بالإضافة إلى خالد مشعل، إسماعيل هنية، وموسى أبو مرزوق، ومحمود الزهار، وهي تعيش حالياً أزمة تتعلق بحسم موقفها من الصراع الجاري في المنطقة، بين من كانوا حلفاؤها ومناصريها وداعميها، سوريا ــ إيران ــ حزب الله ، وبين المعارضة السورية المسلحة التي يُعد أخوان سوريا من أبرز الداعين لها، بإسناد من دول السعودية، وقطر وهذا يعني القرضاوي ، وتركيا التي يقودها الإسلاميون ، ولعل موقف الحسم النهائي يتعلق حالياً بموقف مصر الإخوانية، علماً بأن أخوان مصر إرتبطوا أيضاً بعلاقات قوية مع إيران، وكانوا من أشد المناصرين والداعمين للثورة الإسلامية في إيران، التي إعتبروها لردح من الزمن، الثورة الرائدة، ومما يزيد صعوبة الحسم بالنسبة لحماس أن الثورة السورية ليست بقيادة الأخوان، ليس هذا فقط بل أن الأخوان ليسوا هم القوى الأكثر فاعلية، وإن كانوا الأكثر صدى وصوت، إذ يتفوق عليهم الجيش الحر، وحتى الجيش الوطني الحديث النشأة، وتكاد الفصائل الجهادية السلفية والقاعدة تغطي عليهم تماماً، فكل الأعمال القتالية التي نسمع بها تنسب إلى هذه الفصائل، وبعضها القليل إلى الجيش الحر بكل ألوانه، دون أن نغفل الصراع الخفي بين تركيا ومصر، والذي من المحتمل أن يتبلور مستقبلاً بحيث يجبر أحدهما على أن يكون تبع الآخر. ويشير بعض المراقبين إلى أن حماس اليوم حماسان ، أحدهما حسمت أمرها بالوقوف مع حلفاء الأمس بقيادة محمود الزهار، وأخرى ما زالت لم تحسم أمرها بعد بقيادة مشعل، وهنية، وأبو مرزوق.
أما القوى الأخرى الهامة فيما أسميناه بالإسلام السياسي، فهي حركة الجهاد الإسلامي، التي أسسها الشهيد فتحي الشقاقي، والذي كان من أشد مناصري الثورة الإيرانية، والذي إغتاله الموساد في مالطا عام 1995، والجهاد الإسلامي حركة جهادية مناهضة لإتفاقية أوسلو، أمينها العام الحالي رمضان عبد الله شلح ، وهي لحد هذه اللحظة لم تغيّر تحالفاتها، فما زالت في محور الممانعة والمقاومة، ومن المرجح أنها سوف لن تخرج منه. أما الإتجاه الآخر فهو يتكون من أطياف واسعة، تمتد من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ومن المتدينين إلى غير المتدينين، العلمانيين والليبراليين، والقوميين بكل أطيافهم، وكل هؤلاء ضمتهم منظمة التحرير الفلسطينية، التي أعلنت عند بدأ تأسيسها أنها تسعى لتحرير فلسطين عبر الكفاح المسلح، إلا أنها تبنت فيما بعد إنشاء دولة ديمقراطية علمانية ضمن حدود فلسطين الإنتدابيّة، وأختارت التفاوض نهجاً، وصولاً إلى تبني خيار دولتين في فلسطين التأريخية، تكون دولة فلسطين على الأراضي التي أحتلت عام 1967 دولة تتعايش مع دولة إسرائيل.
أبرز فصائل منظمة التحرير حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح ، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي إنشق عنها ما سُمي بتنظيم القيادة العامة، الذي سرعان ماخرج من قوام منظمة التحرير، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وجبهة النضال الشعبي، وحزب الإتحاد الديمقراطي الفلسطيني فدا ، وغيرها من الفصائل والمنظمات التي إنطفأ بريقها، ولم يعد لبعضها وجود إلا بالإسم.
أزمة حقيقية
ومن المؤكد أن منظمة التحرير الفلسطينية تعيش أزمة حقيقية، ربما هي أكثر من تلك التي يعاني منها التيار الإسلامي الفلسطيني، فأشد المناصرين والداعمين لقيادة المنظمة كنسته حركة الجماهير فيما عُرف بالربيع العربي، ولعل أبرز هؤلاء الداعمين حسني مبارك ، و زين الدين بن علي ، ليحل محلهما نظامان يرتبطان عقائدياً وتنظيمياً بفرع أخوان المسلمين في فلسطين، وهو حماس، وهناك من يُرشح أنظمة أخرى للسقوط سوريا والأردن ، وإلى حد ما الجزائر، حيث يرجح الكثيرون أن تكون هذه الدول تحت قيادة زعامات إن لم تكن إسلامية، فهي متعاطفة ومتأثرة بالإسلاميين.. هذا إذا جرت الأمور على هذا النحو.. إي إذا سقط النظام في سوريا، وتغيّرت قيادات بعض الدول العربية تبعاً لهذا السقوط.. ولكن ماذا لو حدث العكس، وهو أمر بات أكثر توقعاً الآن؟
ماذا لو صمد النظام السوري؟
ماذا لو إنحسر مد الإسلام السياسي، والذي بدت ملامحه الآن في ليبيا، وتونس؟
ماذا لو تغيّر موقف تركيا من الأحداث؟
ماذا لو تخلت عن المقاتلين جهاديين أو من أفراد الجيش الحر؟ البعض يقرأ إجبار قيادات الجيش الحر على ترك الأراضي التركية بحجة ضرورة تواجد القيادة قرب قواعدها مؤشراً على هذا التوجه.
وماذا لو نجحت السلطة السورية في الإتفاق مع الجيش الوطني، والجيش الحر، بعد أن تضيق الدنيا بوجههم، خصوصاً أن اوربا وأمريكا شرّعت ما يحرّم حصول المقاتلين السوريين، والمتطوعين من العرب على اللجوء في بلدانها، ماذا يحدث لو إتفقت مع العناصر العسكرية التي كانت وإلى فترة قريبة منخرطة في الجيش السوري، ومهيأة لمواجهة عدو مُحدد ومعروف، على تصفية المتشددين والمتطرفين، الذين طفقوا فعلاً في مواجهة أفراد الجيش الحر، والجيش الوطني، مقابل التفاهم معهم، والعفو عنهم، وإعادتهم إلى مناصبهم، بإعتبارهم أخطأوا، ثم تراجعوا عن الخطأ؟
وماذا لو أن أمريكا، بعد الإذلال الذي شعرت به، وبعد ما عدته نكران جميل من قبل من ساعدتهم فقاموا بقتل سفيرها، ماذا لو تخلت عن سعيها لمساعدة الإسلاميين في الوصول إلى مراكز القرار في العالم العربي؟ ماذا سيحدث لو دخلت سوريا إلى لبنان، وهو أمر غير مُستبعد؟ والأهم ماذا سيحدث لو هاجمت إسرائيل إيران، وقضت قضاءاً مُبرماً على كامل قدراتها النووية، والردعيّة؟
ولكن… ماذا سيحدث لو فشلت إسرائيل في تحقيق هذا، وهو أمر ليس خارج الإحتمالات والتوقعات؟ كل هذا وغيره يندرج ضمن ملامح المأزق الذي وضعت القيادات الفلسطينية نفسها فيه، وكان عليها تجنبه بإتخاذ موقف الحياد الذي لا يلومها أحد عليه.
كاتب عراقي
AZP07