أزمة خليج الخنازير وقلق العراق

أزمة خليج الخنازير وقلق العراق

محسن حسين

كانت ازمة “خليج الخنازير” أخطر أزمة خلال الحرب الباردة والتي كادت تؤدي إلى حرب نووية تشمل الاخضر واليابس حسب مقولة العراقيين.

ففي تلك الايام من تشرين الأول عام 1962 اندلعت أزمة الصواريخ الكوبية التي ربما كانت البؤرة الأكثر سخونة في الحرب الباردة، فقد بدا العالم وكأنه على شفا حرب نووية لمدة 13 يوما في ذلك الشهر من عام 1962. وكان للعراق نصيب فيها شهدته بحكم عملي الصحفي في وكالة الانباء العراقية التي مضى على تاسيسها  ثلاث سنوات.

واشهد ان العراق حينذاك كان قلقا من توجيه ضربات للعراق بسبب علاقته السياسية والعسكرية مع الاتحاد السوفياتي المتورط في بناء الصواريخ في كوبا.

تصريح من الزعيم

في ايام اشتداد ازمة الصواريخ الكوبية في مثل هذه الايام من تشرين الاول  1962 استدعيت بعد منتصف الليل لمقابلة رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم الذي قاد ثورة 14 تموز 1958 على النظام الملكي الموالي للغرب و خاض حربا مع شركات النفط بتحديد امتيازاتها حسب القانون رقم 80 وكان المؤسس لمنظمة الاقطار المصدرة للنفط (اوبك) وعدة اجراءات اخرى كانت تزعج الدول الغربية وعلى راسها الولايات المتحدة. كنت في ذلك الوقت مدير الاخبار الداخلية في وكالة الانباء العراقية (واع) التي  كنت احد مؤسسيها عام 1959 بقرار من الزعيم نفسه وكثيرا ما يدعوني سكرتيره الصحفي سعيد الدوري لوزارة الدفاع  للقاء الزعيم في مكتبه لنشر خبر او بيان.

التقيت بالزعيم في تلك  الليلة وكان من المعتاد أن يقوم بمعظم نشاطه ليلا. وعندما دخلت إلى مكتبه كان هناك مدير الاستخبارات العسكرية محسن الرفيعي ومدير الأمن العام عبد المجيد جليل، وفي الحال قال لي إنه يريد أن يعطيني تصريحا عن قضية خليج الخنازير. ومن الساعة الثانية عشرة ليلا حتى الساعة الخامسة والنصف صباحا كان يملي علي أقوالا ويعدلها عشرات المرات وكانت النتيجة تصريحا لا يتجاوز خمسة أسطر طلب مني ان اذهب فورا الى الاذاعة لاذاعته في نشرة الساعة 6 صباحا. وهكذا فعلت.

ماذا حدث في تلك الايام؟

ولمن لا  يعرف ازمة الصواريخ  اذكر ان كوبا جزيرة تقع على بعد 90 ميلا فقط من ساحل فلوريدا، وحتى عام 1959 كانت كوبا متحالفة بشكل وثيق مع الولايات المتحدة تحت قيادة الديكتاتور الجنرال باتيستا، وكان هناك استثمار أمريكي كبير في كوبا، والولايات المتحدة كانت المستهلك الرئيسي لما تنتجه كوبا من سكر وتبغ. وفي عام 1959 تمت الإطاحة بباتيستا في ثورة قادها فيدل كاسترو، وكانت إحدى أولى خطوات كاسترو هي الذهاب إلى الولايات المتحدة لتأمين دعم واشنطن، لكن الرئيس أيزنهاور رفض التحدث معه.

وفي مكتب الأمم المتحدة في نيويورك تحدث كاسترو مع ممثلي الاتحاد السوفيتي الذين عرضوا دعمهم لحكومته الجديدة.

وحسب معوماتي فان كاسترو لم يكن شيوعيا قبل عام 1960 لكنه انجذب إلى الشيوعية من خلال الدعم الذي قدمه الزعيم السوفيتي خروتشوف وحكومته.  وقام كاسترو بتأميم جميع الشركات المملوكة لأمريكا في كوبا “.وعلى أثر ذلك اتخذت الولايات المتحدة عدة خطوات منها الحظر التجاري على السلع الكوبية  وفي نيسان عام 1961 وافق جون كندي بعد تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة على خطة لغزو كوبا والإطاحة بالحكم.وأنزلت المخابرات المركزية الأمريكية 1400 من المنفيين الكوبيين في خليج الخنازير على الساحل الجنوبي لكوبا بهدف إثارة انتفاضة مناهضة للشيوعية. لكنه  في اللحظة الأخيرة تقريبا، ألغى كندي أمرا بدعم المقاومة الكوبية مما أدى إلى هزيمة المتمردين بسهولة  وتم اعتقالهم جميعا أو قتلوا. وقد أدى فشل عملية “خليج الخنازير” إلى تعزيز مركز كاسترو الذي اتفق مع السوفيت على نشر صواريخ متوسطة المدى على أراضي بلاده لردع واشنطن عن التفكير في أي محاولة أخرى لغزو الجزيرة وقلب نظام الحكم الشيوعي فيها. وبذلك صارت كوبا قاعدة عسكرية متقدمة للاتحاد السوفيتي.

تسلسل الحوادث في تشرين الاول

في 14  تشرين الأول عام 1962 التقطت طائرة تجسس أمريكية تحلق فوق كوبا صورا تظهر بناء مواقع إطلاق الصواريخ السوفيتية.

وقدر الخبراء أنها ستكون جاهزة للعمل في غضون 7 أيام. وفي غضون ذلك اكتشفت طائرة تجسس أمريكية أخرى 20 سفينة سوفيتية تحمل صواريخ نووية في المحيط الأطلسي متجهة إلى كوبا. وتبعد كوبا 90 ميلا فقط عن ساحل فلوريدا مما يعني أن الولايات المتحدة، بما في ذلك العديد من أكبر مدنها مثل واشنطن العاصمة ونيويورك، ستكون ضمن مدى هذه الصواريخ. لقد كانت حياة 80 مليون أمريكي على المحك.

كان الاتحاد السوفيتي يسعى لتحقيق عدة أهداف منها  المساومة على الصواريخ الامريكية المتمركزة في تركيا قرب  الاتحاد السوفيتي.

في الجانب الامريكي  واجه كندي مجموعة من الخيارات للتعامل مع التهديد السوفيتي في كوبا بينها الهجوم البري أو شن هجمات جوية

وكان قرار كندي الأخير هو حصار الولايات المتحدة لكوبا، والذي أطلق عليه كندي “منطقة الحجر الصحي”، والذي يمكن أن يوقف المزيد من الصواريخ السوفيتية القادمة إلى كوبا مما يمنحه الوقت للتفاوض مع السوفييت. في 22 تشرين الأول فرض كندي حصارا بحريا على كوبا لمنع السفن السوفيتية المشتبه في حملها صواريخ نووية من الوصول إلى الجزيرة.في 23 تشرين الأول تلقى كندي رسالة من خروتشوف يقول فيها إن السفن السوفيتية لن تتوقف عند الحصار، لكنها ستشق طريقها.

في 24 تشرين الأول: عادت السفن العشرين التي تقترب من الحصار أدراجها لتجنب المواجهة المباشرة مع البحرية الأمريكية.

زيادة وتيرة

في25تشرين الأول: أفادت طائرات تجسس أمريكية بزيادة وتيرة أعمال البناء في مواقع إطلاق الصواريخ في كوبا.في 26 تشرين الأول تلقى كندي رسالة من خروتشوف يعد فيها بإزالة مواقع إطلاق الصواريخ إذا وافقت الولايات المتحدة على رفع الحصار ووعدت بعدم غزو كوبا.

في 27 تشرين الأول تلقى كندي رسالة ثانية من خروتشوف تقول إن مواقع الإطلاق ستتم إزالتها فقط إذا أزالت الولايات المتحدة صواريخها في تركيا.في 28 تشرين الأول وافق خروتشوف على إزالة جميع الصواريخ من كوبا وإعادتها إلى الاتحاد السوفيتي.وهكذا انتهت هذه الأزمة واعتبر الجانبان أنهما حققا النصر.اما نحن في العراق فقد ازاحت نهاية الازمة هموم القيادة العراقية من تدخلات لا قدرة لنا عليها.

مشاركة