أزمة المياه في العراق والحلول المتصوّرة – حيدر أدهم الطائي

533

أزمة المياه في العراق والحلول المتصوّرة – حيدر أدهم الطائي

غالباً ما كانت النزاعات التي تثور بين دول العالم المختلفة تعود في جانب من أسبابها إلى وجود مشاكل في الحدود الدولية بحيث ينعكس ذلك على أوجه العلاقات الأخرى الاقتصادية والسياسية والأمنية والثقافية بل إن بعضاً من هذه الخلافات تولد نوعاً من الصراعات الحضارية حتى انها تأخذ بعداً عميقاً في التاريخ, وبمدى التأثير في نظرة كل طرف إلى الطرف الآخر، ومن هذا المنطلق ربما يكون البعض قد لجأ إلى طرق مبتكرة في المنطق أو اللغة الدبلوماسية محاولا تحقيق مكاسب مرحلية تصب في خدمة أهدافه النهائية وبهذه الأخلاقيات أو السلوكيات ربما يصح القول إن الدبلوماسية هي أن تقول كل شيء نريده على شرط أن لا يفهم أحداً حقيقة ما نعني. فهل استلهم بعض الدبلوماسيين أو السياسيين شيئاً من التراث الشعبي المعبر عنه في مَثَل متداول على مستوى الشارع ليحقق أهدافاً عجز عن تحقيقها بأساليب أخرى أكثر من جهة الكلفة والوقت والجهد بل وحتى في مدى قبول الطرف المفاوض الآخر؟ إن الإجابة عن مثل هذا التساؤل يطرح أمامنا تساؤلات أخرى عن أهمية أن يكون الدبلوماسي أو السياسي رجلاً مثقفاًـ عفواً إنساناً مثقفا, فالثقافة وسيلة وسلاح لتحقيق أهداف كبيرة ولعل من يملك هذا السلاح يشعر بقيمة ما يملك، كما ان استخدام هذا السلاح سيكون استخداماً فعالاً لوضع الرجل المثقف في المكان الصحيح. ربما أطرح في هذه السطور مضامين تخلط بين السياسة والقانون وربما شيئاً قليلاً أو كثيراً من المكر والدهاء فهل استخدم العرب موروثهم الشعبي؟ وهل استخدم غير العرب الموروث الشعبي للعرب في التعامل معهم بغية تحقيق أهدافهم السياسية والاقتصادية وربما غيرها ؟ يروي لنا تاريخ العرب الحديث انه لما تشكلت وزارة حكمت سليمان في 29 تشرين الأول عام 1936 بعد الانقلاب العسكري والدموي الأول لبكر صدقي، عقد مجلس الوزراء الإيراني جلسة برئاسة شاه إيران استعرض خلالها العلاقات مع العراق حيث قرر تكليف وزير الخارجية أن يبرق لوزير إيران المفوض في العاصمة العراقية بغداد بطلب الاجتماع مع رئيس الوزراء العراقي بغية معرفة وجهة نظره حول مشكلة الحدود العراقية الإيرانية المعلقة ؟ فلما عقد الاجتماع المذكور قال رئيس الوزراء العراقي للوزير الإيراني المفوض: “أبرق إلى حكومتك عن استعداد العراق لقبول أي اقتراح تتقدم به إيران لفض هذا الخلاف المزمن”, وقد قام الوزير الإيراني المفوض بإرسال البرقية بالمضمون المشار إليه تلقى بعدها جواب حكومته فوراً ومضمون الإجابة: إن جلالة شاه إيران أمر حكومته بقبول مقترحات الحكومة العراقية وما ترتأيه لحل الخلاف دون مناقشة. فلما نقل الوزير هذا الجواب إلى رئيس الوزراء العراقي رد عليه حكمت سليمان قائلاً: إن شط العرب لم يستفد منه غير عدو الطرفين فلماذا نختصم؟ وهكذا كانت بداية الخطوة السياسية الأولى نحو الخلف باتجاه التنازل الإقليمي لمصلحة إيران في شط العرب, ولتزيد بذلك, ومن خلال هذه الخطوة أزمة الربو الجغرافي الذي يعاني منه العراق. فهل استغل شاه إيران المثل العربي الذي يقول: (شيم العربي وأخذ عباته) رغم ان حكمت سليمان لم يكن عربياً ؟ حقاً إن هناك شيئاً غريباً بل أشياء عجيبة تعجز فلسفة التاريخ ونظريات هذا العلم الإنساني عن تفسير مثل هذه التصرفات التي تلاعبت بمصائر دول وشعوب وبذرت لخلافات أعمق ظهرت في مستقبل العلاقات العراقية الإيرانية أم انه الوضوح في أجلى معانيه بين من يملك القوة والمكر من جانب وبين من لا يملك القوة ولا المكر من جانب آخر ؟ وهكذا تصبح الكفة غير متوازنة حيث لا حاجة لعيون زرقاء اليمامة لرؤية المشهد كاملاً. وقبل قرون كتب أحد المؤلفين قائلاً: (إن الأسد لا يستطيع حماية نفسه من الأشراك والثعلب لا يتمكن من الدفاع عن نفسه أمام الذئاب ولذا يتحتم عليه أن يكون ثعلباً ليميز الفخاخ وأسداً ليرهب الذئاب) والصورتان في هذه المقولة لا تنطبقان على حال العراق فهل يكمن الحل في أن يلجأ السمك الصغير ذو الرغبة الأكيدة بالحياة والعيش في البحر بإخبار الصياد عن مكان وجود السمك الكبير؟ ان المشهد المتقدم يعكس الصورة الحقيقية لمشكلة الحدود مع الجارة ايران, وبشكل خاص في المناطق الجنوبية من العراق – الحدود النهرية والبحرية – حتى ان المشكلة تبدو وكانها “حب من طرف واحد” حيث لم تؤثر متانة العلاقات العراقية الايرانية, وهذا وهو وصفها الحقيقي بعد العام 2003, في ايجاد حل للربو الجغرافي العراقي المزمن, فايران تساهم بزيادة هذه الازمة, ولا يختلف الحال بالنسبة لملف المياه سواء في العلاقة مع ايران او في العلاقة مع الجارة الاخرى تركيا التي قامت في شهر حزيران من العام 2018 بقطع امدادات المياه عن مجرى نهر دجلة مستهدفة تحويلها الى “سد اليسو” لنشهد بذلك شكلا مستحدثا من الارهاب يمكن تسميته بامتياز انه “ارهاب المياه الدولي” ولم تحرك الجهات العراقية الرسمية ساكنا رغم الرعب الذي شعر به المواطن العراقي من جراء المشهد الذي عكسه نهر دجلة الخالد نتيجة الانخفاض المريع لمناسيب المياه فيه, وبصورة خاصة في العاصمة العراقية بغداد, لنشهد قصة حب عراقية اخرى لكن من طرف واحد مع الجارة الثانية تركيا رغم حجم التبادل التجاري الهائل لمصلحة الاخيرة مع العراق لتتاكد بذلك حقيقة مفادها ان العلاقات الدولية لا يمكن ان تنبني الا على المصالح المتوازنة, والتي تعكس بشكل او باخر صورة التوازن بين كفتي ميزان القوة التي لن تتحقق طالما بقيت مقدرات بلاد ما بين النهرين بين يدي مجموعة من الصبية الفاسدين او مافيا من  المراهقين سياسيا على احسن وصف يمكن ان يلحق بهم, فالدولة هي القوة التي يجب ان يشعر بها الاخرين عند الضرورة والا فان مسلسل التراجع سيستمر لان العالم بل وحتى طبيعة الاشياء والعلاقات ما بين المخلوقات لا ترحم الضعفاء, والادهى من ذلك كله ان البرلمان العراقي لم نشهد اية حركة من جانبه الا بعد قيام الدولة التركية وعلى راسها “السطان الجديد”  بتحويل مياه نهر دجلة الى سد اليسو في حين يكشف وزير الموارد المائية العراقي عن وجود اتفاق مع تركيا يقضي بتحويل 25% من واردات نهر دجلة باتجاه السد المذكور, وتبقى نسبة 75% من حصة مجرى النهر الذي يدخل العراق من حدوده الشمالية, والامر المذكور بدوره يثير العديد من التساؤلات فاذا كان وجود مثل هذا الاتفاق يمثل حقيقة قانونية وسياسية قائمة فما هو مبرر الاعتراض اذن من جانب الاطراف العراقية, اليست هي من قبلت به ؟ واين كان البرلمان العراقي الذي يثبت يوما بعد يوم انه كان وما زال ضعيف الانفعال والتفاعل مع التحديات التي تواجه الوطن والمواطن على حد سواء, وهو الممثل للشعب في هذه البقعة من الارض منه عند ابرامه ؟ ثم هل قام وزير الموارد المائية الذي القيت على كاهله مسؤولية معالجة هذه المشكلة بابرام هذا الاتفاق بصورة منفردة من جانبه دون ان يناقش الموضوع داخل مجلس الوزراء, وهو موضوع ستراتيجي وحيوي بالنسبة للعراق ؟ ايتها السيدات ايها السادة في “بلاد ما بين النهرين” ان مجمل هذه التساؤلات لا تجد لها سوى مبرر او اجابة يمكن من خلالها ان تتوضح الصورة ولو في جانب منها فانعدام الكفاءة في ادارة ملف المياه, وعدم وجود قدرة على اتخاذ القرار الجريئ والمناسب وعدم المبالاة الواضحة من جانب كافة الادارات العراقية السياسية والادارية منها “المسؤولة”!!! امر واضح للغاية بدليل غياب الحلول التي يمكن ان تضع حدا لسيناريو ارهاب المياه الدولي الذي تمارسه دول الجوار من دون استثناء بحق العراق يعاونهم في ذلك عن قصد او من دون قصد اذا افترضنا عدم وجود شكل من اشكال القصد الاحتمالي حيث انعدام الشعور بالمسؤولية من جانب من يطلق عليهم في العراق الديمقراطي الفيدرالي التعددي “بالطبقة السياسية”!!!! فحتى النصوص الدستورية التي تبناها مشرعو دستور العام 2005 النافذ في العراق من قضية المياه وادارة ملف الموارد المائية غريبة للغاية في توجهاتها حيث صيغت وكانها لا تتعامل مع دولة واحدة يجمع ابنائها مصير واحد, وان كانت تتبنى الصيغة الفيدرالية!!!! والحقيقة انها تعبر عن الصيغ الفيدرالية التقليدية التي نشات من اتحاد عدة دول مستقلة كما هو الحال في الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السويسري والمانيا, وهو اتجاه في المعالجة التشريعية لا يصب في خدمة العراق الذي تبنى الفيدرالية كاداة لادارة التنوع, وهذا هو المعلن عند كتابة الدستور النافذ, فالمادة (110/ثامنا) نصت على (تختص السلطات الاتحادية بالاختصاصات الحصرية الاتية:……….ثامنا – تخطيط السياسات المتعلقة بمصادر المياه من خارج العراق, وضمان مناسيب تدفق المياه اليه وتوزيعها العادل داخل العراق, وفقا للقوانين والاعراف الدولية) اذن المعالجات الداخلية شبه معدومة حيث يمكن القول في احسن الاحوال ان هناك محاولات لحلول ترقيعية, مع عدم وجود اية خطط للطوارئ في منطقة تعد الافقر مائيا في العالم في حين تخصص استراليا مبلغ يتجاوز الثلاثة مليارات دولار ونصف في صندوق لمواجهة حالات الجفاف التي قد تحصل, وتخصص مؤسسات خيرية عربية جوائز تشجيعية قيمة لمن يقدم حلولا لمشكلة المياه كما هو الحال بالنسبة لمؤسسة سلطان بن عبد العزيز ال سعود الخيرية, ولا نجد اي شيئ او خطوة  من هذا القبيل في العراق. لقد شهدت العلاقات العراقية التركية نوعا من الاستقرار الذي لم يقدر ان تشهده بلاد ما بين النهرين مع اي بلد اخر من بلدان الجوار العراقي المباشر لكن قرن الصراع على المياه ينذر بما هو ليس بالحسبان او المتصور منذ عقود حتى ان المملكة العراقية كانت قد ابرمت اتفاقية صداقة وحسن جوار مع الجمهورية التركية في العام 1947 وقد الحقت بها ستة بروتوكولات, وهي معاهدة نافذة لمدة غير محدودة, ويجوز اعادة النظر فيها كل خمس سنوات, بناء على طلب من احد الجانبين المتعاقدين, وهو ما نصت عليه المادة (7) من الاتفاقية. وقد جاء البروتوكول رقم (1) الملحق بها ليعالج جوانب تتعلق بتنظيم مياه دجلة والفرات وروافدهما بين العراق وتركيا للقيام باعمال وقاية من الفيضانات “تستهدف ادامة مورد منتظم من المياه” وهدف الاعمال المذكورة تحقيق مصلحة الطرفين,”لاغراض الري وتوليد القوة الكهربائية المائية” كما نصت المادة الخامسة من البروتوكول على ان تركيا توافق على اطلاع العراق على اية مشاريع خاصة باعمال الوقاية, قد تقرر انشائها على اي من هذين النهرين, او روافدهما, وذلك لغرض جعل تلك الاعمال تخدم –على قدر الامكان- مصلحة العراق كما تخدم مصلحة تركيا, فالهدف من فكرة اطلاع العراق على المشاريع التركية تحقيق مصلحة الاخير ايضا حيث انها الغاية كما هي الغاية بتحقيق مصلحة الجانب التركي. ومن ثم فان خرق الاتفاقية المذكورة سيتحقق اذا لم تتحقق مصلحة الجانب العراقي ايضا من جراء المشاريع التركية. كما ان خرق الجانب التركي لقواعد القانون الدولي لا يتاتى من خلال عدم احترام حقوق العراق التاريخية والمكتسبة  في مياه الانهار الدولية بوصفه من الدول المتشاطئة عليها فقط, وهذه مفاهيم قانونية معروفة وعريقة في اطار النظم القانونية على المستويين الوطني والدولي لكنها تخرق مفاهيم او مبادئ قانونية عامة اقرتها الامم المتمدنة منذ ازمنة قديمة لكن التركيز على اهميتها بدا بالظهور حديثا, وعلى وجه التحديد ما يعرف بمفهوم التنمية المستدامة, وهو مبدا يوفق بين الحق في التنمية, والحق او ضرورة حماية البيئة الامر الذي اشار اليه القاضي ” ويرامانتري” في رايه المستقل الملحق بحكم محكمة العدل الدولية في قضية مشروع

 غابتشيكوفو – ناجيماروس (هنغاريا/سلوفاكيا) الصادر بتاريخ 25 ايلول 1997  حيث يقول (انه اتفق مع اغلبية اعضاء المحكمة في كل استنتاجاتها غير انه وجه, في رايه المستقل, ثلاثة اسئلة تتناول جوانب القانون البيئي, مبدا التنمية المستدامة في موازنة الطلبات المتنافسة الاتية من التنمية ومن حماية البيئة, ومبدا التقييم المستمر للاثار البيئية, ومسالة ملائمة استخدام مبدا قانوني واحد نافذ بين اقرانه, مثل الحجة القاصرة على صاحبها في حل القضايا التي لها اثار على الكافة, كالادعاء بان الامر ينطوي على الحاق ضرر بالبيئة. حول السؤال الاول, يقول رايه ان الحق في التنمية والحق في حماية البيئة كليهما مبدان يشكلان في الوقت الراهن جزءا من مجموع القانون الدولي, ويمكن ان يعملا في صدام بعضهما مع بعض ما لم يوجد مبدا في القانون الدولي يبين كيف ينبغي التوفيق بينهما. ذلك المبدا هو مبدا التنمية المستدامة, الذي هو – بحسب هذا الراي – اكثر من مجرد مفهوم, ولكنه هو نفسه مبدا معترف به في القانون الدولي المعاصر. ينبغي للمحكمة في سعيها الى تطوير هذا المبدا, ان تستفيد من الخبرة البشرية السابقة, لان البشرية عاشت الاف السنين مع الحاجة الى التوفيق بين مبدا التنمية ومبدا العناية بالبيئة. ولذلك, فان التنمية المستدامة ليست مفهوما جديدا, ولتطويره اليوم توجد خبرة عالمية غنية.يبحث الراي عددا من حضارات الري القديمة لهذه الغاية. والمحكمة التي تمثل الاشكال الرئيسية للحضارة, تحتاج الى الاستفادة من حكمة كل الثقافات, لا سيما فيما يتعلق بمجالات القانون الدولي التي تمر الان بمرحلة تطور. ومن المبادئ التي يمكن ان تستمد من هذه الثقافات مبادئ الوصاية على موارد الارض, والحقوق الممتدة من جيل الى جيل, وحماية الحيوانات والنباتات, واحترام الارض, وزيادة استخدام الموارد الطبيعية الى الحد الاقصى مع الحفاظ على قدرتها على التوالد, ومبدا التنمية وحماية البيئة يجب ان تسيرا يدا بيد. ويؤكد القاضي ويرامانتري, في رايه, اهمية التقييم المستمر للاثار البيئية لمشروع ما, ما دام المشروع عاملا. ولا يؤدي واجب تقييم الاثار البيئية بمجرد اللجوء الى مثل هذا الاجراء قبل بدا المشروع. وانما المعايير التي ينبغي تطبيقها في هذا الرصد المستمر هي المعايير السائدة في وقت التقييم لا المعايير النافذة في وقت بدا المشروع. والجانب الثالث من القانون البيئي المشار اليه هو مسالة ما اذل كانت مبادئ الحجة القاصرة على صاحبها التي يمكن ان تعمل بين الطرفين ملائمة في مسائل كتلك المتعلقة بالبيئة, والتي لا تهم مجرد الطرفين, وانما تهم دائرة اوسع من ذلك, فالمسائل التي تنطوي على واجبات تجاه الكافة بطبيعتها ربما لا تكون دائما مناسبة للحل بقواعد اجراءات مصممة لحل المنازعات بين طرفين. ويلفت القاضي ويرامانتري الانتباه الى هذا الجانب باعتباره جانبا يحتاج الى النظر بكل عناية)  ولا يمكن ان يكون الموقف التركي بل ومجمل السلوك التركي من مسالة المياه متوافقا او غير منتهك للمبادئ المتقدمة ذات الصلة الجوهرية بالمفاهيم التنموية والبيئية. ان الاطار الاتفاقي المتمثل باتفاقية الصداقة وحسن الجوار المبرمة عام 1947 تقر صراحة في مادتها الخامسة بوجود التزام على كاهل الطرفين المتعاقدين بحل اي نزاع ينشا بينهما بالطرق السلمية, وبان يخبرا مجلس الامن, عملا باحكام المادة السابعة والثلاثون من الميثاق موضوع البحث, باي خلاف لا يتوصلان الى حله بالطرق السلمية. والذي يبدو حتى الان ان محاولات تعطيش العراق تجري على قدم وساق لكن بصبر شديد وبخطوات ثابتة في الوقت ذاته سواء من الجارة تركيا او الجارة ايران, ومع التسليم مبدئيا بعدم وجود مكنة من الناحية القانونية لعرض مثل هذه المشكلة امام انظار محكمة العدل الدولية على افتراض نجاعة اللجوء الى هذه الوسيلة او الاجراء القضائي, وهو اجراء بطيئ يحتاج الى وقت طويل لم يعد العراق يملكه, فان مسالة عرض المشكلة امام انظار مجلس الامن الدولي يبقى من الامور القائمة بل والمفضلة لان مماطلة دور الجوار المائي للعراق بخصوص حقوقه التاريخية في مياهه قد طال عليها الزمن دون اية بارقة من امل في الوصول الى حل يتمثل بحماية حقوق العراق في مياهه عن طريق قواعد اتفاقية واضحة بينه وبين تركيا وايران ما يبرر الخطوة المذكورة دفعا للموت ببطء او التركيع البطيئ, وفي هذا السياق نذكر ان لمجلس الامن الدولي صلاحية اصيلة للطلب من محكمة العدل الدولية تقديم فتوى او راي استشاري بخصوص مسالة معينة, فهذه هي الطريقة المتاحة في الوقت الراهن لتثبيت حقوق بلاد ما بين النهرين المائية من ناحية ما تقوله قواعد القانون الدولي بهذا الخصوص ودفعا للاصرار من الجانب التركي على اعتبار مياه نهري دجلة والفرات مياه عابرة للحدود لا انهارا دولية فضلا عن عدم توافر مكنة اللجوء الى القضاء الدولي مبدئيا لحسم النزاع قضائيا. ثم اين دور منظمة المؤتمر الاسلامي من هذا الموضوع في وقت تتحكم فيه التيارات الاسلامية بمقدرات العراق وتركيا وايران اليس من الافضل وضع اطار قانوني واضح للحل بدلا من بناء خطوات اضافية من عدم الثقة تترك للاجيال المقبلة ؟ وفي اطار الحوارات المطروحة على المستوى الاعلامي بخصوص مشكلة المياه في العراق من المهم ان نقول ان مستوى اهتمام البرامج السياسية في الاعلام العراقي بازمة المياه لم ترتقي مطلقا الى مستوى الطموح حيث انصب اهتمام اجهزة الاعلام الرسمية تحديدا على مناقشة مسالة التزوير في الانتخابات البرلمانية الاخيرة الامر الذي لا يشغل اي حيز من الاهتمام لدى الشعب العراقي بدليل مقاطعته الواسعة لها نظرا لاتعدام الثقة “بالطبقة السياسية الفاسدة في العراق” ومع ذلك فقد طرحت من خلال الاعلام المذكور دعوات لتاجير السدود التركية حيث يمكن ان تجري عملية تخزين الحصة المائية العراقية فيها واطلاقها عند الحاجة في منطقة المجرى الاسفل لنهري دجلة والفرات, والحقيقة ان مثل هذه الطروحات يمكن ان تعد جزءا من الحل في اطار التعاون المبني على علاقات تعتمد حسن النية وتحقيق المصلحة المشتركة للاطراف الدولية ذات العلاقة لكن يجب اولا الاتفاق على حصة ثابتة للعراق من مياه الانهار الدولية التي يعد احد الدول المتشاطئة عليها فمن يريد ان يصنع شيئا علية ان يهيئ المواد الاولية اللازمة لذلك, وهذه مسالة منطقية في جوهرها فمن الصعب تحقيق نتائج ايجابية لمن ينوي الاشتراك في سباق العدو اذا قرر طي المسافة على راسه لا على قدميه. صفوة القول ان لمشكلة المياه المستعصية على الحل حتى الان سواء بالنسبة للانهار الدولية المشتركة مع ايران او مع تركيا بعد داخلي يؤثر بصورة سلبية على وضع العراق التفاوضي على المستوى الدولي, فعدم الاستقرار السياسي الذي اصبح مزمنا في العراق كما هو واضح للجميع – لا ابحث في هذا الموضوع بهذه السطور- وسوء استخدام المياه للاغراض المتنوعة من جانب المستهلك العراقي, وفي القطاع الزراعي تحديدا حيث تشير بعض التقديرات الى ان ما يقارب (70%) من الوارد المائي للعراق يستخدم لاغراض الزراعة التي لا تغطي حاجة العراق من المواد الغذائية الاساسية وغير الاساسية مما يعني فشلا مضاعفا حتى في القطاع الزراعي اضافة الى الضياعات المائية التي تذهب هدرا الى البحر في جنوب العراق حيث الخليج العربي.  اضافة لما تقدم لا يبدو وجود دور فعال لجامعة الدول العربية يعمل لمصلحة العراق, وهذا واقع غير مبرر مطلقا حتى مع التسليم بوجود حالة من التراجع على مستوى العمل العربي المشترك, فالصمت المطبق هو السائد حتى الان, وكان المسالة التي تهدد مصير دولة من دول الجامعة لا يعني الاخرين لا من قريب ولا من بعيد, فضرورة تفعيل التعاون بين الدول العربية امر في غاية الاهمية بالنسبة لملفات تشكل تهديدا للجميع, وهي موضع اهتمام الجميع لذا من المهم للغاية التعامل مع هذه الملفات بعيدا عن دائرة الخلافات العربية البينية بل ان التعاون فيما بين العرب بخصوص هذه الجوانب يمكن يشكل عاملا ايجابيا يعمل على تعزيز الثقة المفقودة بينهم باتجاه ايجابي مما يخفف من شدة تاثير الازمات الاخرى على العلاقات البينية العربية, وامكانيات التعاون قائمة بدليل وجود دعوة من جانب الملك سلمان بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية لدعم المملكة الاردنية الهاشمية في ازمتها الاقتصادية حيث اجريت اتصالات مع دولتي الكويت والامارات لعقد اجتماع في مدينة مكة المكرمة يوم الاحد الموافق العاشر من حزيران 2018 فالمطلوب اذا الثقة بامكانيات التحرك على المستوى العربي لتحقيق نتائج ايجابية تصب في مصلحة الشعب العراقي.

{ كلية الحقوق بجامعة النهرين

مشاركة