أزمة الخليج تنذر العالم بالخطر

795

أزمة الخليج تنذر العالم بالخطر

بريان داوننغ
ترجمة ــ سناء عبد الله
نأت الولايات المتحدة بأنظارها بعيدا عن العراق وأفغانستان وبقية بقاع العالم لتضع إيران في نصب عينيها. ورافق هذا التحول حشد عسكري بحري وجوي وبري يرمي إلي الضغط، وربما مهاجمة إيران، بسبب مخاوف من امتلاكها لبرنامج نووي قد يكون مصمما لإنتاج الأسلحة النووية.
غير أن نشر قوات عسكرية بأعداد هائلة في منطقة الخليج يتطلب سحب قوات من مناطق أخري من العالم الأمر الذي قد يشجع لاعبين آخرين في مناطق متعددة من العالم للتصرف بشكل أكثر عدائية. وليس من الضروري لهؤلاء اللاعبين أن يتصرفوا بالتنسيق مع إيران أو تعاطفا معها، بل قد يشعرون بكل بساطة بأن ثمة فرصة قد برزت أمامهم بسبب انشغال القوات المسلحة الأمريكية وانتشارها في مناطق أخري.
إن الأمثلة التاريخية علي ما تقدم كثيرة، ففي الوقت الذي انهمكت فيه بريطانيا وفرنسا في الحرب العالمية الثانية، انتهزت اليابان الفرصة واستحوذت علي مستعمراتهما في جنوب شرق آسيا. وعقب انتهاء الحرب، وفيما أسدل الستار الحديدي علي آسيا الوسطي، اجتاحت كوريا الشمالية- بتشجيع من السوفيت ? كوريا الجنوبية.
ومؤخرا، وبينما كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيين غارقين في العراق، اجتاحت روسيا جورجيا، معبرة باقتدار عن استيائها من التوسع الذي قامت به منظمة حلف شمال الأطلسي. ويعج العالم اليوم بالنزاعات إذ قد تعمد واحدة أو أكثر من القوي الفاعلة إلي تأكيد حضورها في خضم الأزمة الإيرانية.

شرق وجنوب شرق آسيا
لقد تسبب الحشد العسكري في الخليج في خفض عدد السفن المخصصة، أو المتاحة للقيام بمهام التعزيز، لمساندة أسطول السفن الأمريكية المتاخمة للصين. وتعد هذه المنطقة اليوم الأهم في الإستراتيجية الدولية للولايات المتحدة، في المدي البعيد علي الأقل، بوصفها ساحة لنشاطات متعددة تبعث علي القلق من جانب القوات البحرية الصينية.
كما تشعر بعض الأطراف في الدولة الصينية، وعلي رأسها القوات المسلحة، بالغضب جراء الهيمنة الأمريكية المتواصلة في منطقة الخليج وعلي طول المناطق المتاخمة للصين، علي حد سواء. ولذلك، تبحث هذه الأطراف عن فرصة لتعزيز هيبتها الوطنية، وتعزيز مصالحها الإستراتيجية علي أبواب مرحلة انتقال سياسي داخلي، عبر تأمين ممرات بحرية ومواقع للتنقيب عن النفط في وسط البحار، وعبر التخفيف من حدة الضغط الأمريكي علي حليف حيوي. إن ذلك من شأنه أن يكون خطوة هامة علي طريق تحقيق هدفهم الجيوسياسي بعيد المدي المتمثل بإخضاع منطقة شرق آسيا لهيمنتهم.
وبعد تحقيق توافق في الآراء داخل البلاد، سيكون بوسع القوة البحرية الصينية أن تعود إلي تهديد السفن العائدة لدول شرق آسيا، ورفع الأعلام الصينية خلسة فوق الجزر المتنازع عليها، وبذلك تتمكن الصين من تأكيد مزاعمها بعائدية المناطق المتنازع عليها. كما يمكن أن تكون المناورات البحرية قرب تايوان عرضا آخر للقوة، وهو الأمر الذي لا يلقي ترحيبا في العالم سوي في إيران.
وستكون هناك معارضة كبيرة لمثل هكذا إجراءات داخل الدولة الصينية حيث ستعمد بعض الأطراف ذات التوجهات التجارية علي الهيمنة علي تلك الأطراف القريبة من الجيش. وفي نهاية المطاف، سوف تسود كفة ذوي التوجهات التجارية، إذ كانت إجراءات مماثلة في السابق قد تسبب خلال السنة الماضية في توجيه انتقادات شديدة إلي الصين من جانب عواصم العالم. وقد تمخض عن تلك الأزمة الكثير من المحادثات الأمنية في بلدان عديدة، امتدت ما بين كوريا الجنوبية إلي فيتنام حتي الهند، والتي لم يساعد أي منها في دفع عجلة المصالح الوطنية أو العسكرية أو الاقتصادية للصين.
كما يمكن أن تكون كوريا الشمالية مصدرا آخر للأعمال المحبطة في شرق آسيا، إذ يعد الزعيم الجديد، كيم يونغ أون، شخصية صبيانية تفتقر إلي الخبرة مما يجعله بحاجة إلي تزويق صورته بتكرار أفعال غير محتملة أمام الجمهور الساذج، وعليه يجب توقع تصرفات تتسم بقليل من الحكمة خلال فترة حكمه.
وكان والده، كيم يونغ إيل، قد أمّن للأبن وراثة منصبه بعدما سمح للجيش بالشروع في أعمال عدائية ضد كوريا الجنوبية، بما في ذلك، إغراق فرقاطة وقصف إحدي الجزر. وقد يتطلع كيم يونغ أون، من جانبه، لتعزيز قاعدته في الجيش من خلال السماح بجولة جديدة من الأعمال الاستفزازية. علي أنه يمكن القول أيضا بأن الجيش قد يرغب في تعزيز سيطرته علي الرئيس من خلال المطالبة بحرية اتخاذ القرارات.

منطقة افغانستان-باكستان
تُعد الدول المضطربة الواقعة شرق إيران مصدرا كامنا لمشاكل إضافية للولايات المتحدة. في هذا السياق، تحظي إيران بدعم كبير من الطاجيكيين والهزارة في الشمال، غير أن هذه الشعوب مؤيدة للوجود الأمريكي في أفغانستان ولن تفعل أي شيء لثني الولايات المتحدة عن بقائها في المنطقة.
من جانب آخر، تتلقي حركة طالبان بعض الأسلحة من إيران وقد تكون ميالة لشن هجمات، تعاطفا معها أو مجرد انتهازيةً. ورغم أن حركة طالبان دخلت حاليا في مفاوضات مع الولايات المتحدةپغير أن لا شيء يمنعها منپإشاعة الفوضي في المنطقة في الوقت نفسه. وفي جميع الأحوال، فأن طالبان تتلقي النصح اللازم من الجيش الباكستاني. وبوصفه شريكا مخادعا في الظروف الطبيعية، ما برح هذا الجيش «الباكستاني» يشعر بالغضب بسبب الغارة الأمريكية علي أسامة بن لادن في مايس/مايو الماضي والهجوم علي موقع عسكري قرب الحدود الأفغانية أدي إلي مقتل 24 جنديا في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. أضف إلي ذلك، تحظي باكستان بعلاقات طيبة «رغم كونها متوترة علي الأغلب» مع إيران تستند إلي مبيعات النفط والغاز وخط أنابيب مقترح.
ويذكر في هذا الصدد، أن بوسع باكستان أن تحد من حرية حركة قوافل القوات الأمريكية وقوات حلف الناتو «إيساف» في افغانستان، أو أن تزيد من وتيرة حوادث النيران المعادية لقوات «إيساف» والقوات الأفغانية حيث تنتشر القوات الأمريكية بشكل روتيني في منطقة الحدود الافغانية الباكستانية. بيدّ أن عاملين يحدان من عدائية أي رد باكستاني. الأول، إن صلات باكستان بإيران أضعف من صلاتها بحليف الولايات المتحدة الأول في منطقة الخليج، أي السعودية. في هذا الصدد، تحظي باكستان بمساعدات سخية من الرياض، التي تري في باكستان بصورة عامة طرفا معارضا للنفوذ الإيراني في أفغانستان، ومصدرا للمرتزقة المعادين للشيعة ممن توظفهم السعودية، وشريكا حيويا في أي برنامج نووي سعودي قد تبرز الحاجة إليه. ثانيا، لن يكتب لأي إرباك من جانب باكستان أن ينجح في إشغال القوات البحرية والجوية الأمريكية في منطقة الخليج، إنما سيقتصر تأثيره علي القوات البرية الأمريكية في أفغانستان وعليه لن تكون له أهمية إستراتيجية تذكر في الأزمة.

الجماعات المسلحة
تشهد مناطق متعددة في العالم، تمتد من شمال أفريقيا إلي جنوب شرق آسيا، نشاطات لجماعات مسلحة. وفيما تعد بعض هذه الجماعات مجرد محلية في طبيعتها فإن ثمة جماعات أخري ترتبط بعلاقات مشتركة وتتوزع في مناطق مختلفة من العالم. وتُعد معظم هذه الجماعات ذات طبيعة انتهازية قدر تعلق الأمر بالتوقيت وباختيار الهجمات، وتتطلع بشوق إلي احتلال عناوين نشرات الأخبار العالمية. پ
ويعتبر تنظيم القاعدة واحدا من هذه المجموعات الانتهازية، والتي تتكون، وإن كان بالكاد، من شبكة فضفاضة من المجاميع المنتشرة في المغرب، والصومال، واليمن، والعراق، وأفغانستان وباكستان، واندونيسيا. وتجدر الإشارة إلي أن التأكيدات الأمريكية الأخيرة بأن إيران تأوي أعضاءً في تنظيم القاعدة كان القصد منها الايحاء بوجود صلات عملياتية بطهران لكنها قد تحمل في طياتها أيضا احتمالات شن هجمات إرهابية تعاطفية رغم أن ذلك أمر مشكوك فيه.
ويذكر في هذا الصدد أن إيران كانت قد استقبلت العديد من رجال تنظيم القاعدة الذين فروا من أفغانستان في أعقاب الهزيمة التي منيت بها حركة طالبان سنة 2001. كما تجدر الإشارة أيضاً إلي أن إيران قدمت المساعدة خلال تلك الحملة إلي الولايات المتحدة. وفي مطلع سنة 2003، عرضت إيران إجراء تبادل للمحتجزين مع الولايات المتحدة تقوم بمقتضاه إيران بتسليم عناصر طالبان مقابل تسليمها عناصر منظمة مجاهدين خلق، وهي مجموعة كان صدام حسين قد آواها في العراق وتعتبر إرهابية من منظور طهران وواشنطن، علي حد سواء. بيدّ أن الولايات المتحدة رفضت عرض المقايضة ذاك، فيما قامت إيران مؤخرا، وسط الحشد العسكري الأمريكي في منطقة الخليج، بإطلاق سراح عناصر القاعدة.
ويُعرف حاليا أن شبكة القاعدة غير قادرة علي شن هجمات إستراتيجية مربكة، لكنها قادرة علي شن عدد من الهجمات الانتهازية التي من شأنها أن تزيد من القلق الدولي بشأن حكمة خوض معركة في منطقة الخليج. كما أن مثل هكذا هجمات قد تتسبب بمزيد من التساؤلات من جانب بعض المواطنين المتشككين أساسا من دعم بلادهم لفكرة حرب وشيكة في المنطقة.
من جانب آخر، تعاني أفريقيا جنوب الصحراء الكبري، وهي منطقة غنية بالموارد يتقاسمها الغرب والصين، من عدد متزايد من النزاعات الدينية والعرقية. كما أن التدفق الأخير للسلاح والمرتزقة القادمين من ليبيا قد يتسبب في مزيد من تفاقم النزاعات. ويذكر في هذا الصدد، أن سعر بندقية الكلاشنكوف قد شهد انخفاضا بنسبة 50 بالمئة في الأسواق المحلية منذ الانتفاضة التي وقعت في ليبيا وفتح أبواب العديد من ترسانات السلاح هناك. علاوة علي ذلك، تتوجه أنظار العديد من الطوارق والمرتزقة الآخرين في جيش معمر القذافي المنحل نحو الجنوب بحثا عن فرصة مناسبة. كما يلاحظ حاليا علي نحو لافت الاضطرابات التي يحدثها الطوارق في مالي، بينما يشكو أقاربهم في الجزائر والنيجر وبوركينا فاسو من المظالم ويأملون بالحصول علي حكم ذاتي أوسع.
ويشهد جنوب السودان الذي انفصل عن الشمال في تموز/يوليو من السنة الماضية مناوشات مع الشمال منذ انفصاله. كما أن قرار جنوب السودان الأخير بالتوقف عن استخدام انبوب نفط يؤدي إلي الشمال، پوبناء أنبوب آخر يمر عبر الجنوب من شأنه أن يؤدي إلي مزيد من النزاعات. إن هذه التطورات من شأنها أن تجتذب المرتزقة والكثير من المقاتلين مثل قوات جيش الرب، وهي مجموعة دأبت الولايات المتحدة وأوغندا علي مقاومتها منذ سنوات عديدة.
من جانب آخر، ذهب نفط جنوب السودان، بشكل رئيسي، إلي الصين، التي ستراقب عن كثب التطورات العسكرية، والتي ستبقي حذرة، أكثر من أي وقت مضي، من قيام جنوب السودان بالتحالف مع دول مدعومة غربيا مثل كينيا وبرونداي واثيوبيا وأوغندا. وتحارب هذه الدول في الوقت الحاضر مجاميع الشباب في الصومال، التي، رغم كونها مطاردة، إلا أنها اثبتت قدرتها علي شن هجمات انتهازية في المنطقة.
إلي ذلك، تزخر منطقة الخليج بالاضطرابات الشيعية، والتي تحظي بدرجات متفاوتة من التوجيه من جانب طهران. وقد تجرأ شيعة السعودية في شرق البلاد وجنوب غربها علي رفع أصواتهم بعد أن أسكتوا بسرعة السنة الماضية. وفي غضون ذلك، سيحتفل الشيعة في البحرين بذكري أحداث قمع الربيع العربي السنة الماضية بتاريخ 14 شباط/فبراير. كما قد تحاول الأكثرية الشيعية في العراقپإخماد العنف الذي يقوده السنة في البلاد.
وفي إطار جهوده الرامية لوقف البرنامج النووي الإيراني، قد يشهد العالم اندلاع نزاعات وتفاقم أخطار في أجزاء من العالم، وقد تكون هذه الأحداث ناجمة، مرة أخري، عن تعاطف مع إيران أو مجرد ذات دوافع انتهازية. بيدّ أن حدوث مزيد من الاضطرابات سيبرز مشكلة التزامات الولايات المتحدة المفرطة وسيتسبب في جدل حول الجدوي الاستراتيجية لحجم القوات الأمريكية وكلفتها المالية والحكمة من استخدامها.
صحيفة آسيا تايمس

/2/2012 Issue 4119 – Date 11- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4119 – التاريخ 11/2/2012

AZP07