أزمة التخلّف في البلدان العربية

463

أزمة التخلّف في البلدان العربية

معتصم السنوي

بغداد

 البحث في النهضة والتقدم يتطلب البحث في الفكر والاقتصاد والسياسة والقانون، والمجتمع والبيئة والتاريخ والثقافة والعلم والتكنولوجيا “والأنا” “والآخر” وكل شيء يؤثر أو يتأثّر بالحركة التاريخية للمجتمع، ومن هنا فإن النظر إلى موضوعة التقدم من زاوية واحدة هي عملية غير مثمرة. وفي الوقت الذي بدأ الوعي يتبلور تدريجياً وببطء بالمفهوم الاقتصادي الاجتماعي لتاريخية المرحلة وتعقيداتها، وبدأت تتشكل طلائع قوى سياسية علمية وفكرية تحاول استيعاب (إشكالية التخلف)، سرعان ما رافق ذلك بعض الدول، وخاصة الحديثة التكوين منها وفي البلدان العربية بشكل ملفت للنظر، سلسلة من العمليات والأحداث، شكلت عودة إلى الوراء وخطوت إلى الخلف، وهذه الخطوات التراجعية ساعدت على تفاقم (أزمة التخلف) من شبكة من التشوهات الداخلية أحدثت صدوعاً هائلة في مسيرة التقدم..

وقد تمثل حل ذلك في ظواهر سلبية متعددة من أهمها:

أولاً- تتابع الخلخلة في الأنظمة السياسية في النمط السياسي، تمخض عنها في كثير من الحالات، أنقالابات عسكرية أو إدارية. بعض تلك الخلخلات كانت حركات وطنية ليست مبرمجة من الخارج ولكنها مندفعة بدوافع ذاتية أو مثالية دون أن يكون لديها رؤية واضحة، أو علمية لإدارة الدولة الحديثة، أو لمجابهة القضايا التاريخية المعقدة كقضية التخلف والتقدم. ومن جهة أخرى فقد كانت الكثير من التغيرات والحركات (مبرمجة) ومدفوعة بقوى خارجية تحاول إعادة السيطرة الاستعمارية بأدوات وبوجوه جديدة.! وبحكم تكوين العقليات والإدارات المنبثقة عن مثل هذه الانقلابات أو العقليات المخططة لها فإنها لم تكن على استعداد لقبول (مبدأ التعددية) والاعتراف بالقوى السياسية الأخرى. واستطاعت هذه العسكريات والإدارايات الفردية الهيمنة، بقوة البطش وإغراء المال والسلطة، أن نشوة المفاهيم والقيم الاجتماعية وقواعد إدارة الدولة الحديثة، بل واستطاعت بكل أسف- أن ترسخ مفاهيم وممارسات سقيمة – وغير بناءة في علاقة المواطن بالدولة ربما كان أبرز ما فيها:

أ- تشويه منظومة القيم الوطنية النبيلة العالية وتحويلها إلى تطلعات (فردية) أو (فئوية) بالمنفعة الشخصية أو العائلية أو الجهوية المباشرة.

ب- زعزعة مفاهيم الولاء والاخلاص والمصداقية للتحول من الولاء (للوطن) و(الشعب) و(الأمة) لتصبح ولاء (للحكومة) ثم الولاء (للحاكم) وأخيراً ولاءً لصاحب النفوذ المباشر.

ثانياً- تعميق الأنزلاق التدريجي المضطرد نحو الاعتماد على (الخارج) وعلى دول كانت صاحبة السطوة الاستعمارية في الماضي والحاضر. لقد ترتب على الاعتماد على الخارج، تكريس التوهم بإمكانية (القفز) نحو التنمية والتقدم من دون دعائم وطنية مستقرة تقوم على أساس المشاركة الوطنية الكاملة في إطار من الفهم العلمي بطبيعة المشكلة، وترتكز إلى التعددية وتداول السلطة وحسن الحاكمية.

ثالثاً- عدم الأعتراف بمبدأ تداول السلطة وبشكل ملفت في المنطقة العربية، مما حرم الشعوب من الفرصة التاريخية للمشاركة والتغيير من خلال العملية الأفقية والعمودية، وهذا بدوره أدى إلى تضخم دور أجهزة الدولة وخاصة الأمنية منها وضغطها على المواطن وتهديده بحياته ومعاشه، وتخفيض سقوف الحريات السياسية والفكرية والإدارية والاقتصادية، بل والعلمية للمحافظة على السلطة، وهذا بدوره أوجد نوعاً من العقم أو الجذب والجمود في السياسة والاقتصاد والفكر والإدارة والأساليب، وأدى بالضرورة إلى تهميش العلم في صنع القرار.

رابعاً- أقتباس الكثير عن الدول الأخرى وخاصة الأنظمة الفردية والعسكرية، أساليب الحكم التي كانت سائدة منها، حيث طغيان أجهزة الدولة على كل شيء، وطغيان الدكتاتورية وحاشيته على جميع مكونات الوطن، وأصبح (سلطان زمانه) يمثل كل شيء: الدولة والناس والقانون!! وانتشرت هجرة العقول والكفاءات من البلدان العربية إلى الخارج هرباً من جحيم الأنظمة الدكتاتورية.

وصفوة القول: تعدّ المؤسسية في البلدان العربية من أعقد الإشكاليات التي تفاقمت سلباً على مدى التاريخ العربي، فلقد أختصر (الحكام والملوك) على مدى العقود الماضية المؤسسية بأشخاصهم، واختزلوا المؤسسات لتعبّر عن رغباتهم، بشؤونها من يشاءون، يعطونها أسماءهم، ويرسمون          ما همها وهيكلتها بالشكل الذي يريدون ويحلّونها متى يرغبون، واستمر هذا التفاقم إلى الزمن الذين أنطلقت فيه ثورة الربيع العربي من تونس وما زال يزحف بجماهيرية الشبابية والثورية والوطنية لإستعادة مكانته الحضارية والإنسانية بين الأمم المتقدمة ومواجهة التحديات التي تفرضها طبيعة المرحلة وموقعها الجغرافي وطموحات القوى المضادة وأطماعها في السيطرة على ثرواته أو التحكم في مصيره ومستقبله أو إملاء النمط الذي ينبغي أن يكون عليه، وقد أنيط هذا الدور غير المشرف لدول الخليج العربي لركوب الموجة خوفاً من وصول رياح التغيير إلى أنظمتها المتوارثة عائلياً وقبلياً والخاضعة لحماية الاستراتيجية الأميركية في المنطقة العربية إلى عقر دولها وأنظمتها المبطنة بقشور المدنّية الحديثة، بوضع العصا في عجلة التغيير للحد من سيرها نحو الإمام.