أزمة أدباء أم أزمة إتحاد؟ – قاسم فنجان

أزمة أدباء أم أزمة إتحاد؟

قاسم فنجان

انها لمهمة شاقة وصعبة تلك التي تكتب فيها عن اناس يخال اليك انك تنتمي اليهم او تسعى للحصول على هوية عضويتهم. وهذه الصعوبة تكمن في ان هؤلاء الناس هم من النخبة الثقافية بالإضافة الى ذلك فهم من القوى السياسية التي تحسب على العلمانية. فالكتابة النقدية بهذا المجال يجب عليها ان تكون حذرة لانها تمارس فعلها على مؤسسة تعمل في مجال الكتابة والنقد والادب. ولأن مؤسسة اتحاد الادباء معروفة باتجاهها (الوطني) او كما يشاع عنها ذلك فنقدها او التعرض لها سيستدعي الكثير من (المثقفين الوطنيين) وبالتأكيد لا احد يرغب بذلك.

في البدء سنطرح بعض الاسئلة التي تدور بأذهاننا والتي تتعلق بالدور الذي تلعبه هذه المؤسسة؟ وهل هي تابعة لجهة معينة كما يترآى للبعض؟ وهل تعيش ازمة داخلية ستؤدي بها الى التفكك والانهيار؟ وما هو البديل المطروح والمناسب لها؟

وبالإجابة على هذه الأسئلة نستطيع – الى هذا الحد او ذاك – ان نتلمس الطريق الى ماهية المؤسسة ولا نقول اننا سنجيب بشكل ممتاز عن كل هذه الأسئلة وغيرها، فهي قد تكون موضوعا كبيرا كبيرا، لكننا سنحاول قدر الامكان ان نعطي خطوطا عريضة من خلال ما سنجيب عليه.

يجدر بنا ان نتمعن بالدور الذي يلعبه اتحاد الادباء، فهو مؤسسة لها اثر فعال – الى حد ما – في إنتاج ونشر الثقافة، لأنه يضم في عضويته الكثير من المؤرخين واساتذة الادب وجمع من الشعراء والفنانين، وهم نخبة المجتمع المثقفة، والذي غالبا ما ترجع إليهم الحكومات – لتسويق نفسها – في رسم السياسة التعليمية وكتابة المناهج التربوية وايضا تلجأ اليهم بتشكيل التماثيل واللوحات التي تزين الشوارع، وحتى اختيار او كتابة وتلحين القصيدة للنشيد الوطني والذي سقرأه ويحفظه ابناؤها – شاءوا ذلك ام ابوا -فتأثيرهم واضح داخل المجتمع.

لكن هذا الاتحاد بدأ يشهد تراجعا كبيرا في مواقفه ولاسيما ان بعض اعضائه ومثقفيه يشعرون انهم في معركة ايديولوجية تجري وتتفاعل يوميا. فكانت ردات فعل هذه المؤسسة رجعية ومتخلفة، ما اصاب البعض من مريديه بالإحباط وهم يرون واحدة من (قلاعهم التنويرية) وهي تتداعى. فالاتحاد هذه المؤسسة النخبوية لم يسمع لها صوت من نقد لمشروع، او ادانة لقانون ما او انه انتقد تصريحا لمسؤول حكومة او رفض مضايقات معينة او حتى ابدى اعتراضا على شيء ما. هذا الصمت السلبي والذي فاق جميع قوى ومنظمات المجتمع المدني سلبية جعلت من اعضائه مجموعة من النرجسيين المنغلقين على ذواتهم والمنعزلين في اقبيتهم وغرفهم داخل مقراتهم. فعندما هاجم او هجم اجد رجال الدين على هذه المؤسسة واصفا اياها بأنها مكان للسكر والعربدة لم يصدر منهم بيان تنديد او استنكار، وعندما ضربوا واهينوا بعد ان دخلت عليهم قوة عسكرية الى مقرهم (الترفيهي) بمباركة الحكومة لم يقل احد منهم كلمة. لكن مقابل ذلك كله نرى انهم سارعوا وفصلوا وتبرأوا من عضو منتم لهم لأنه تكلم بلغة اعتبروها حارجة وخادشة لمشاعر المؤمنين. والكل يعلم ان تعليقات (المؤمنين) فيما بينهم على مواقع التواصل الاجتماعي هي اقسى مما قاله هذا العضو او يقوله اي علماني. لكنهم يبقون (ممثلين للبرجوازية الصغيرة وتعجز عقولهم عن تخطي الحدود التي لا يتخطاها البرجوازي الصغير نفسه في حياته).

ان ردود فعلهم تظهر انهم يعيشون ازمة حادة، فهم من جهة يريدون ان يحافظوا على مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية (نمط حياة معين) ومن جهة اخرى هم مطالبون بان يكونوا اداة ناقدة على كل ما يصدر من الجهات الحكومية، وان لا يكتفوا بادارة الحوارات الفلسفية واقامة ندوات عن القصة القصيرة والرواية ومسار الادب والشعر او استضافة فنان تشكيلي.

ان الممارسات الاخيرة التي صدرت عن هذه المؤسسة تكشف بوضوح طابعا ايديولوجيا معينا، فالاتحاد يوصف من بعض المثقفين بأنه اتحاد لطائفة معينة بذلك ينتفي دوره الاجتماعي كمؤسسة (تنويرية) ويصبح اداة بيد القائمين عليه يمارس من خلالهم دورا رجعيا معيدا بذلك انتاج الفكر الطائفي بحجة احترام المشاعر الدينية. ان تسمية مهرجان شعري باسم شاعرة معروفة لهو شيء جيد لكن التأكيد على ديانة هذه الشاعرة هو ترسيخ لفكر ديني وطائفي مقيت، وانزلاق هذه المؤسسة الى مواقع هذا الفكر هو خدمة لنظام قائم عليه.

ان عملية انتاج ونشر ثقافة وفكر انساني تستلزم بالضرورة مادة بشرية خالية تماما من كل الامراض الطائفية والقومية، وخالية ايضا من كل نرجسية وتفكير ذاتي وانعزالية، ان اتحاد الادباء لم يكن اهلا للمسؤولية الملقاة عليه كحامل ومنتج ثقافة لهذا المجتمع المشتت في تفكيره ورؤيته. اخيرا يجب علينا ان نعي انفسنا ليس كأفراد بل كمجموع انساني تام.

مشاركة