أرى بغداد ( ترقص) في الملاهي وتعبث بالأوامر والنواهي – طارق حرب

425

أرى بغداد ( ترقص) في الملاهي وتعبث بالأوامر والنواهي – طارق حرب

المراقص والملاهي ببغداد بعد اعلان المشروطيه حتى دخول الانگليز من سنة 1908 الى سنة1917/3/11

الشعر المذكور في العنوان للشاعر معروف الرصافي عقب استفحال  ظاهرة الرقص والراقصات والملاهي وتعمدت استخدام فعل( ترقص) بدلاً من فعل ( تسبح) الذي اورده الرصافي لأن الملاهي للرقص كما هو معلوم وليس للسبح كما اورده الرصافي فالسبح في الانهر والحمامات ببغداد وليس بالملاهي فكتبت:

بغداد ترقص بالملاهي

بدلاً من بغداد تسبح بالملاهي

وليعذرنا المرحوم اذ ان ترقص أحسن تشبيهاً واعظم بلاغة كما نرى.

لابد ان نلاحظ اننا نتكلم عن بغداد سنة 1908م وما بعدها وحتى دخول الانگليز سنة 1917 والتي يقول عنها الكثيرون ان تلك السنه أي 1908 هي سنة الملاهي ففي تلك السنه أعاد السلطان العثماني العمل بالدستور العثماني الصادر سنة 1876 والذي تم تعليقه بعد سنة من تطبيقه فتم اعادة العمل به وتمت انتخابات وبعثت بغداد نواب عنها في البرلمان العثماني ( مجلس المبعوثان) واعلنت الحريات وانفتحت الولايات العثمانيه بما فيها ولاية بغداد على ما سمي بالمشروطيه وكان ولاة بغداد في السنتين  1908و1909 نجم الدين باشا ومحمود شوكت باشا وناظم باشا الاكثر تسامحاً في تاريخ بغداد. وقبل ذلك كانت البنت البغداديه من عمر عشر سنوات لا تخرج من بيتها بدون عبائتين و( بوشي) لتغطية الوجه يتمثل ببرقع حرير أسود ومن النادر ان تشاهد امرأة بغداديه تخرج للتسوق أو التبضع حتى ولو كان الخروج لشراء طعام لها او لاطفالها. قبل تلك الفترة كانت توجد ملاهي ببغداد في منطقة الميدان شمال بغداد التراثيه جنوب باب المعظم الحالي وفي الملهى وقتها لاتوجد فيه راقصات أي لا توجد نساء بالملهى سواء عامله أو راقصه لذلك كان هنالك غلمان ذكور يرتدون أرديه نسائيه ويتشبهون بالنساء ويرقصون على اساس انهم راقصات ويغنون  بأصوات نسائيه وكان اهل بغداد يسمون الذين يقومون بذلك الرقص والغناء بأعتبارهم أناث بأسم( شانو) وهو اسم لمسرح الملهى وأشتهر ملهى سبع في محلة الميدان بالرقص والراقصين سابقاً والراقصات من سنة 1908 وهذا الملهى اصله مقهى تم تحويره وتحويله لكي يستجيب للرقص والمهمات الجديده كملهى اذ في هذه السنه تحولت بغداد الى عهد جديد من المجون والانس والطرب وفسح المجال للنساء للعمل كراقصات وتوسعت الملاهي فتحولت مقهى عزاوي ومقهى السواس الى ملاهي شأنها شأن مقهى سبع وعهد الانس والطرب الجديد في بغداد فسح المجال واسعاً لدخول الراقصات والمغنيات من الخارج الى بغداد فحتى تلك الفتره لم تكن هنالك راقصه أنثى وأول راقصه حلت ببغداد في هذه السنه أي سنة 1908 كانت الراقصه ( رحلو) ولقبها جراده جائت من الشام وبالتحديد من مدينة حلب ولما وصلت بغداد وقع البغداديون في سورة من العجب لهذا الشيء الذي لم يكن يعرفونه ولم تعرفه بغداد سابقاً وتهافت الشباب البغدادي وغيرهم على الملاهي بشكل غير معروف وبظاهرة لم تشهدها بغداد طيلة تاريخها لم لا والمشروطيه والدستور والحريه واحد ابطال النظام الدستوري والاجتماعي الجديد وهو  الفريق محمود شوكت باشا العراقي ابن العائله البغداديه المعروفه عائلة  طالب الكهيه يعين والي على بغداد ثم وزير دفاع ثم صدر اعظم اي رئيس وزراء الدوله العثمانيه هذه الحريه الواسعه والملاهي والراقصات ببغداد دفعت الشاعر الكبير معروف الرصافي الى تنظيم قصيدة بعنوان(بغداد بعد الدستور)والعجيب ان هذا الشاعر أصبح  أحد نواب  مجلس النواب العثماني بعد هذه القصيده التي يقول فيها:

أرى بغداد تسبح في الملاهي

وتعبث بالاوامر والنواهي

وقد ذكرنا سبب استبدال ( تسبح) بغعل( ترقص) ويستمر الشاعر في قصيدته فيقول:

رمت حملانها الارياف حتى

تناطحت الكباش مع الشياه

فيا بغداد ان الأمر جداً

فخلي بعض هزلك في الملاهي

وفيك معاهد الدستور تشقي

بغفلة غافل أو سهو ساهي

والقصيدة طويله اخذنا منها القليل حيث يصور حالة بغداد التي يرفضها الشاعر  وانفلات الامر حتى ان الكبش الذكر يتناطح مع الشاة الانثى ويسأل بغداد لترك بعض ما يحصل في ملاهيها وان أحكام الدستور وقواعده قد أساء البعض تطبيقها وكان ذلك من غافل ومن ساه وقد تولت بعض الجرائد البغداديه انتقاد حالة الملاهي والرقص لانه جديد لم تعرفه بغداد من قبل ولأسباب اجتماعيه.

لقد كان وصول الراقصه( جراده) الحلبيه قد فتح باب بغداد بمصراعيه على قدوم الكثير من الراقصات فجائت الى بغداد جماعات من الراقصات منهن( طيره) المصريه و(فريده استيتيه) و( حسني دنكور)  وهذا لقب للراقصه لا علاقة له بالعائله البغداديه اليهوديه المشهوره التي تخصصت بالطباعه والورق عائلة دنكور ومنهن( فريده العراطه) و( بهيه) الأنطاكيه وشفيقة الشاميه وطيره بنت الخانم وملكه المصريه وفيروز الارمنيه وزكيه السديه وثلاث راقصات اسموهن بنات الحاره( ثريا وماري ورحلو) وبهيه سميكه وسمحه العواده وثريا الجمل وجميله الخاتونه وحسنى الشاميه ونحليه شحاده ونحليه فوزي وثلاث راقصات يدعوهن بنات لاطي وهن خانم وبديعه وشفيقه  وزكيه زلط وسرينه وملكه وعيشه ابراهيم وألن التركيه وماري الروسيه وماريكه ديمتري وحسيبه منگو ومنيره  المصريه .  وكثرت الملاهي ليس في محلة الميدان فقط فكان ملهى الجواهري وملهى العراق وملهى الهلال وملهى الاوبرا وملهى نزهة البدور حتى ان بلدية بغداد زمن الولاة حسين جلال بيگ ومحمد فاضل باشا الداغستاني سنة 1913 شيدت ملهى للرقص والغناء وغنت فيه المغنيتان الاختان بديعه وخانم لاطي وامتدت الملاهي الى الكرخ ولم تعد مقتصره على الرصافه حيث تم تأسيس ملهى بعد تحويل مقهى الشط في منطقة الصالحيه الى ملهى سنة 1916 ومارست الغناء فيه الاختان  روزه وليلو نومه وبعد دخول القوات الانگليزيه بغداد في شهر آذار كثرت الملاهي والراقصات حتى تم افتتاح ملهى داخل سوق الشورجه وسمح للكثيرين فتح الحانات( المايخانات) وبدأت موجه جديده من الراقصات والمغنيات والملهي في بغداد اذ انتهى دور الراقصين الذكور والملاهي القليله ورافقت ذلك كثرة الحانات اذ كانت الشروطيه والفترة التي مرت بها بغداد من سنة 1908 لا تنسى.

مشاركة