أرسم عصفوراً وأنام – جبار النجدي

410

الثراء التعبيري في مجموعة الشاعر أبو عراق

أرسم عصفوراً وأنام – جبار النجدي

صدر مؤخرا للشاعر علي ابوعراق مجموعة شعرية بعنوان ( أرسم عصفورا وأنام ) وهي نصوص وجيزة تميل  إلى الوصف سواء كان الوصف (بصريا أو سمعيا أو مما تراكم في الذاكرة ) او من (الخيال الذي يحلق بأجنحة الابتكار) تتسم النصوص بالإيجاز ويبدو إنها  ظلت طويلا  مثل شجيرات واقفة تنتظر مقص التشذيب لتصل في النهاية إلى منعطف النضوج حيث الزهد في اللغة الذي يذهب إلى أقصى مدى له يرافق ذلك نوع من بداهة الشعر الذي يمثل تجليا استباقيا في سبر مايتحصل من المعاني الشعرية التي يصعب إدراكها عبر ومضات يستدعيها القول الشعري والتي لا يجرؤ أحد على توقعها بوجه قطعي فالذي يهمنا في هذه المجموعة معاني الحياة المنطوقة بأصوات مختلفة وما ينجم عن قرآت متباينة لهذه النصوص إذ يعلق اكتمال المعنى على الدوام تحسبا لدور المتلقي الذي يرصد ماهو متخفي في النصوص وليس المعلن منها :

 تستطيع أن تشيح عن الوردة

لكنك لا تستطيع

تحاشي عطرها

تساؤلات مشككة

 يتحول الشعر هنا إلى تساؤلات متشككة لكي يظل المعنى في حوزة زمن قادم متفاوتا في المرتبة خافيا عن معتاد تصوراتنا وبعيدا عن منالها متواريا خلف لباس تنكري يجعله ذاهبا قبل مجيئه  وموفرا للكلمات إمكانات مدهشة لنحت نفسها فيما تتوالد الألفاظ من كلمة واحدة أحيانا لتعرب عن نفسها بوجوه شتى :

النسيان

خيانة للذكرى

وخداع للتذكر

هذا الأداء الشعري يولد جملة من العلاقات بين الشعر  ومايناظره من الأشياء والصور المستقاة من أنساق معاشة  تكفل إلكشف عن الحياة والموت في لمسة واحدة فكل كلمة تعمل من إجل الاخرى في النص الذي ننعته بالوجيز وهو نص  نألفه ولانعرفه بعد، متمتعا بحضور يكاد أن ينفلت نحو مصير غاية في الاستباق إن الفكرة البسيطة تنتج  نمطا آخر من التعارض والتقابل عبر عرضين مختلفين بصوت واحد وأداء تناوبي متفاعل ومنشغل بعرض معنيين يتم من خلالهما التقاط اللمحة الشعرية ووقعها السحري الذي يصعب حضوره في زمن بعينه إلا في لحظة حاسمة  ومسرعة في إظهار جمالها :

أسراب

النحل

التي

تتعقبك

تظن أنك حديقة

لمحة شعرية

ليس بمقدور اللمحة الشعرية في  النص الذي سنقرأه بلوغ النقطة الموصلة بين حالتين  وتلك من خاصيات العرض المتغير لحالة شعرية تطلبها إشتغالات  النص الوجيز   لذا نرى إن الزمن الشعري يجزل العطاء لابثباته وأنما بأستحكام متغيراته التي من شأنها أن توفر قابلية المضاعفة والتكرار الأبدي الذي يحمل إلى المتلقي رسائل ناقصة بأستمرار وفوارغ يقتضي ملأها  بسبب إنها لامتناهية  وتساوي إلادلاء بتفاصيل مرئية في النص :

الساعي إلى الحب

كالراكض خلف الريح

لاتنتظره ولايدركها

نحن أمام لعبة شعرية وجيزة لكنها ماكرة تظهر إزاحة إضافية للشعر ومحاولة استدراج المعنى خارج راهنيته لتغذية فهم الأنسان بما يحيطه وتلك صفة متغلبة في المجموعة إذ إنها تدفع بالشعر إلى مرتبة أخرى تتميز بخصائص الإمتاع والحكمة في إنتاج الشعر المقترن بمعايير سلوكية :

كل يوم وأنت

لاترقد تحت الأرض

إزرع فوقها

وردة

أن النص الوجيز لدى الشاعر علي أبوعراق له خاصية مبصرة ودلالات مرئية وهائمة متلبسة في احايين كثيرة بالحكمة وأحيانا اخرى بالأسطورة لكنها في ذات الوقت حقائق معاشة حدثت ذات مرة.

مشاركة