
كلام أبيض
أخيراً .. قالها القاضي مشكوراً – جليل وادي
ما ذهب اليه رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان بتفسيره للكتلة الأكبر جاء متأخرا جدا، والتأخير في هذا الشأن يكشف عن عدم تأملنا بما يكفي في خطواتنا التأسيسية، ومعروف ان الأسس الخاطئة تقود الى اعوجاج البناء كله، وهذا ما حدث بالضبط، مع ان الكثير من المراقبين بضمنهم المتكلم أكدوا منذ الانتخابات البرلمانية التي جرت في العام 2010 وانتهت بفوز القائمة العراقية بزعامة أياد علاوي بواحد وتسعين مقعدا على ائتلاف دولة القانون التي يرأسها نوري المالكي الذي حصل على تسع وثمانين مقعدا، بان سلامة مسار العملية السياسية يكمن في تكليف الفائز في الانتخابات بتشكيل الحكومة، الا ان أحدا لم يسمع لهذه التأكيدات، فتماهت المحكمة الاتحادية التي كان يرأسها القاضي مدحت المحمود مع بعض القوى السياسية وفسرت مفهوم الكتلة الأكبر على هوى تلك القوى بقولها ان الكتلة الأكبر يمكن أن تتشكل بعد الانتخابات داخل البرلمان وليس بالضرورة أن تكون القائمة الفائزة في الانتخابات بأكبر عدد من المقاعد. وبما ان قرارات المحكمة الاتحادية ملزمة للجميع بوصفها الحكم الفاصل في النزاعات الدستورية، وما يُختلف عليه بين الفاعلين في المشهد السياسي، رحبت بعض القوى السياسية، ورضخت أخرى على مضض لهذا التفسير ليفوز السيد المالكي بولاية ثانية بعد تحالفه مع بعض مكونات التحالف الوطني الشيعي. الحقيقة ان المعنيين لم يستشرفوا التداعيات التي سيقود لها هذا التفسير، وتأثيراته في العملية السياسية التي أُريد بها اشاعة اجواء ديمقراطية والتخلص من الدكتاتورية وتحقيق العدالة الاجتماعية والرفاهية للمجتمع بعد سنين عجاف كابدها أثناء الحصار، وكان شغلهم الشاغل الانتصار في الصراع الدائر والوصول الى السلطة. فلولا هذا التفسير ما كان للمحاصصة أن تفرض نفسها، اذ أشعر التفسير بعض القوى بانعدام الثقة بالطرف المشكل للحكومة، وصار من اللازم أن يتقاسم الفرقاء الوزارات والمناصب الحكومية الأخرى، ووصلت بنا المحاصصة الى أصغر مؤسسة حكومية، بحيث أصبحت الوزارات ملكا للأحزاب وليس للدولة، ومصدرا لتمويلها بالهيمنة المباشرة وغير المباشرة على مشاريعها حتى أصبح للأحزاب مكاتب اقتصادية في الوزارات، ولكي تمضي الأمور بسهولة ودون تعقيد، صار الحزب يختار الوزير من أصحاب الولاء المطلق له وليس من الأكفاء والنزيهين، ولم يعد لرئيس الوزراء أي دور حقيقي في اختيار فريقه الحكومي، ومن هنا ظهر الفساد وتغّول، فتعرقلت عمليات التنمية، ولم يجد العراقيون ما انتظروه من تطلعات وأحلام، فتشوهت صورتها في أذهانهم، وضعفت ثقتهم بجميع السياسيين باستثناء نفر قليل مستفيد من فتات يرميه لهم هذا الحزب او ذاك، وانتموا مصلحيا لبعض الأحزاب وليس ايمانا بها، اذ حوصر الناس في زوايا ضيقة وليس لهم من حل سوى بالانتماء. وبما ان جميع الأحزاب مشتركة في الحكومة، والكل مستفيد من الكعكة الدسمة، الأمر الذي لم تعد فيه حاجة للمعارضة البرلمانية، اذ لم نسمع بكتل معارضة للحكومة طوال عمر العملية السياسية باستثناء أصوات منفردة لم يكن بوسعها التأثير في حفلات تقاسم الكعكة، وكان الشعب هو المعارض. وعندما انتفض الشباب ثائرا ليس من أجل تغيير النظام، بل من أجل اصلاح العملية السياسية بمعالجة أمراضها السرطانية باستئصال المحاصصة ومكافحة الفساد، واسناد مقاليد السلطة للوطنيين الأكفاء، اتهموا بشتى الاتهامات واقساها العمالة للأجنبي، ما برر للطرف الثالث الذي تعرفون استباحة دمائهم، مع ان جميع القوى السياسية الا القليل منها كانت تعمل لحساب دول أجنبية تستمد منها القوة والمال في صراعها مع الخصوم، ولأنها كذلك فلابد من تمرير أجندتها السياسية والاقتصادية في العراق، ما أخر البلاد كثيرا وجعلها تتراجع الى الخلف دون أن تتقدم خطوة الى الامام، الى الدرجة التي ما عادت قادرة فيه على مواجهة أي تحد مما نتعرض له، ورُكنت الى الهامش بما يجري من أحداث في المنطقة. أجزم ان خلاصنا يكمن في تحررنا من المحاصصة، وذلك لن يكون الا بوضع تفسير الكتلة الأكبر الذي ذهب اليه مشكورا القاضي فائق زيدان موضع التطبيق، عند ذاك سترون ان العملية الديمقراطية تسير على السكة الصحيحة بعد ان كانت هيكل كاذب وفارغ من محتواه، وبها يُدام النظام السياسي، وتتحقق الأهداف بالعيش الرغيد للمجتمع والوزن الثقيل للعراق .
jwhj1963@yahoo.com



















