أخطاء ستراتيجية لبعض الزعماء السياسيين – مقالات – طارق النجار
ان الاخطاء الستراتيجية التي وقع فيها بعض القادة في العالم من دون الاستئناس برأي او مشورة سياسية من ذوي الاختصاص والدراية والمعرفة في أحوال الوضع الدولي والإقليمي ومن الذين يملكون البصيرة النافذة والخبرة الميدانية والعبرة في صنع القرار السياسي ومن يقرأون الاحداث قراءة صحيحة. تقودهم قراراتهم الخاطئة الى السقوط في مستنقعات يخوضون في وحولها ويجرون معهم دولهم الى الدمار وقد يمرون هؤلاء الحكام على بعض الآراء مر الكرام من دون روية وتفحيص لمجمل ما يطرح على البساط في نقاش وحوار فياض بالتأني او ربما هناك رأي سياسي من احد المقربين من الحاكم قد يوقعه في ما لا يحمد عقباه، وفي ورطة قد يدفع ثمنها البلد بأسره ليزداد الحاكم العربي تعسفا في قراراته وهو ينزع غل الأخطاء الى التقليل من تأثيرها السياسي بينما التاريخ يشير في صفحاته المدعكة بالفاحشة من القول الى عكس من ذلك.. وهناك قيادات سياسية او زعماء سياسيين في بعض البلدان العربية معلولة بالشخصنة وبكاريزما سياسية لا تستطيع الإفلات من العظمة، ولا يمكن ان تحقق التقارب الذهني مع الجماهير من غير قراءة استقرائية لما يجابهها من عقد سياسية او دولية او إقليمية تؤدي بها الى التسطح في الرأي او القرار. هؤلاء ذوو عقول جوف غير صالحة المنشأ نافذة المفعول مكتفية بتحاليل سياسية لا تمت للواقعية بشيء غير مدركة لشأنها الجاري لا تفقه من كهنة الاحداث غير عناوينها لتقع في الخطأ القاتل.. وهنا كأشارة الى ذلك نورده كمثل لما أصاب العقلية السياسية من مرض القرار الأوحد دون ان يدعم برأي علمي في المقدمات المفضية الى كوارث غير محسوبة النتائج لتفرز معطيات جديدة، لم تكن في الحسبان او بالأحرى لم تدرس التمهيدات قبل الشروع بالتنفيذ وهذا ما حصل للقرار العراقي في غزو دولة الكويت. الذي لم يكن له مبرر واجتاحت المنطقة العربية عواصف رملية غرقت في دوامتها بفوضى عارمة. وقف العالم حيارى امام اهوالها ولم يستطع الزعماء العرب في مواقفهم المختلفة والمتضاربة الآراء في اقناع القيادة السياسية العراقية في الخروج من الكويت وادت الى حرب الخليج الثانية في عام 1991، وما افرزته من تدمير البنى التحتية للعراق.. وكان بإمكان العراق تداركها وتجاوزها والاصغاء الى رؤساء الوفود والشخصيات السياسية العربية والعالمية التي كانت تتقاطر الى بغداد لاقناعها في الوصول الى مخرج لهذه الازمة المستعصية بدلا من الذهاب الى الحرب وقد تلحق الأذى بالعراق. بعد ان خرج من حرب ثمان سنوات تركت بصمتها في النفوس والواقع العراقي المغلول بالكثير من المآسي. مازالت قبورها شواهد على سنوات الرمادة في التاريخ العراقي المعاصر والزمن الذي اتسخ بدرن الجوع والفقر، والعوز.. وكانت اشد وطاة على الاعراقيين وذكراها تذبحنا في كل واردة وشاردة من احداث مبلولة بالمصائب وقهر الذات. ووقعت القيادة العراقية في المحضور والفخ المميت الذي نصبته الإدارة الامريكية لها المتكأة على ستراتيجية قديمة منذ السبعينات من القرن المنصرم في اشعال فتائل المنطقة ووقوع الامة العربية في صراع الفتنة السياسية في تفريق بلدانها، ضمن الموالاة والمناصرة للكويت، والبعض الآخر في الضد من قرار الحرب ضد العراق وجعلها تغوص في وحول الهزيمة والانكسار النفسي والشعبي وايقاد فتيل حرب التفتيت مما جعل جغرافيتها عرضة للمحو التاريخي واسقاطها وفق نظرية الدومينو في تصادم حضاري بين الفكر الإسلامي والفكر الصليبي المتشدد بنفوذ كنيسته على اليمين الأمريكي من أمثال جورج بوش الابن وزمرته المارقة المؤمنة بفكرة عودة يسوع، ليسترجع اورشليم (القدس) وبناء الهيكل في القريب العاجل، حسب ما جاء به التلمود اليهودي الذي تقود اشعاره الماسونية والصهيونية العالمية في اغتيال روح الايمان في النفس العربية والإسلامية واطفاء شعاليلها في القلوب العامرة والمؤمنة برسالة السماء وفق التباشير التي خطت مساربها التقولات التي لا يمكن ان تكون في أي كتاب سماوي الا في احكام بني صهيون المزورة لشريعة موسى او ما جاءت في اناجيل يسوع ولا في كتب التاريخ المقدسة منها، والمبشرة في تسطير الاحداث والتنبؤات التي تخدم اغراضها في العودة الى ارض الميعاد في فلسطين وما مر به الكون، والبشرية عبر الأديان المختلفة والتي رسالتها واحدة رغم التزوير، التي قام به الحاخامات اليهودية في تشويه البشائر والشرائع السماوية وما جاءت به الرسل.. فوقع العراق في مصيدة الاجتياح عام 1990، بعد مفاوضات عسيرة وشاقة لم تفض الى شيء غير الزحف العراقي نحو الأراضي الكويتية ولا ننسى حجم المأساة التي لحقت به، وبشعبه الابي الذي لاناقة له ولا جمل في ما حصل بين الدولتين الجارتين العربيتين واشتعلت المنطقة واشتد اوارها رغم كل المحاولات الجادة في اخماد لهيبها المستعرة واطفاء دخاخينها المتصاعدة في سماء الخليج في حرب نفسية وإعلامية اثارت في النفس العراقية الاضطراب والقلق والخوف. وهذه قرارات الأمم المتحدة ومجلس الامن تجلد ظهورنا وما عادت تنفع التوسلات من الاشقاء العرب والأصدقاء في تغيير مسار الآت من الأيام في هجمة شرسة وضروس تنتظر العراق وشعبه ولا يعنينا عجف انفسنا عليهم ولا تلهينا لذائد الزمان المدعوك بالبطش والعداء من الاخوة الأعداء في اذكاء نار الصراع الابدي والكراهية بعقدة الذنب الذي اقترفه النظام السابق برغبة الثأر الجاهلي والانتقام العشائري ويخدشوا حياءنا بمر الكلام وارذله ولا نريد ان يلحق بنا الضرر لنعيش في نعيم وامن وسلام وهناك بعض القيادات العربية او معظمها ترسبت في عقولها اشكال من جنون العظمة بسياسات ترهيبية للفكر الإنساني في تأهيل سنن يرغبون في فرضها كفرائض يقينية غير قابلة للمماطلة والفت من الجماهير الرابضة على اسوار حريتها في الذود عن حياض المدن العربية غير قابلة للمناقشة الفكرية والسياسية لهذا القرار او ذاك المصاب بهفوت الخطأ الستراتيجي من غير المسموح للجماهير بتجاوز الخطوط الحمر التي حددها الحاكم العربي في سياساته المغلوطة مخاطبا اياها بفجر جديد يعيد لها حريتها وعنفوانها وعيشها الكريم لتقع وسط هذا الضباب المزحوم بالتضليل الاعلامي والخداع في الممارسة وكبت الافواه غير مصرخة بالقول وتغيب الوعي العربي فهذه مصر العربية الناصرية التي دفعت ثمن ايمانها القومي العربي بالمصير المشترك وبالحركة القومية العربية وارتباطها العضوي في تضالاتها ضد ما يخطط له الاستعمار الجديد الى مساندة ثورة السلال في اليمن ضد تسلط حكم الامامة في ضوء المشورة السياسية والعسكرية التي قدمت لجمال عبد الناصر ووقع في خطأ مميت نتيجة اتخاذ قرار المشاركة في حرب اليمن وتحمل وزر ذلك ودفعت مصر الكثير من التضحيات في المال والنفس والمعدات العسكرية. وكذلك في اتخاذ القيادة المصرية في عدم البدء بالهجوم على مطارات إسرائيل العسكرية رغم إصرار القيادة العسكرية المصرية بضرورة البدء بالضربة لمطارات إسرائيل وتحمل عبد الناصر مسؤولية النصيحة المقدمة اليه من القيادة السوفيتية في عدم الهجوم والانتظار الى ما تؤول اليه الأمور وحدث ما كانت تتوقعه القيادة المصرية في قيام إسرائيل بضرب المطارات المصرية، التي كانت السبب في نكسة حزيران وهزيمة العرب في حرب 5 حزيران عام 1967. وهذا الجنون العظيم الذي غلف تلافيف العقل الليبي في قيام القذافي باتخاذ الكثير من القرارات المغلوطة اوقعته بخطأ ستراتيجي في هزيمته في حرب تشاد دفع ثمنها الشعب الليبي نتيجة تهور قاده هوسه العقلي نحو ايمانه في القرار الخاطئ والكثير منها ارتكبت باسم مصلحة الجماهير العربية التي برات ذمتها من كل ما يقترف باسمها ومن كل الاعمال المشينة التي افضت الى نتائج كارثية ذهب ضحيتها المواطن العربي لصالح الحاكم التي لا تمت للجماهير العربية بصلة وانا جاءت لمصالح ذاتية وسياسية ونزوات الحاكم في ضوء المصائد التي نصبها الاستعمار بتآمر مريب.. فهؤلاء الحكام لا يشكلون وعي الجماهير المنتفضة ضد قرارات مبحوحة تعاني الشيخوخة السياسية ولا بعد لها في احسن الأحوال. ان تلك الأخطاء لا تبرأ منها الدول العظمى فهذا الخطأ الستراتيجي الكبير الذي ارتكبته واشنطن والاتحاد الأوربي بتدخلها في الحديقة الامامية لروسيا في السعي لتغيير نظام الحكم في أوكرانيا بالدعم المالي والتأييد السياسي وبالنشاط الاستخباري من غير احتساب لوضع أوكرانيا التي تمثل نقطة تماس مباشر مع الامن القومي الروسي وان موسكو ليس لديها مجال للمناورة او المراوغة عندما يتعلق الامر بها. ويعتقد جوزيف ناي عميد مدرسة كندي بجامعة هارفارد المفكر الستراتيجي وصاحب نظرية القوة الناعمة (بان أمريكا لن تكرر أخطاء الماضي) كيف وان عقدة فيتنام تراودها في كل مجالها الحيوي وترغب الولوج فيه.. وهذا الحاضر الملبد باخطاء كثيرة لسياساتها الخارجية من غير دراسة مقنعة للاحداث التي يمر بها العالم العربي والإسلامي وما الحرب التي قامت بها أمريكا في غزوها للعراق وما خلفته من دمار وخراب في البنية التحتية للدولة العراقية خير دليل على امتعاضها من الماضي وما افرزه من عقد في مخيالها الواقعي.. هذه وجهة نظر دفعتني الى التبني بسخف هذا الرأي وان الحاضر هكذا وليس أخطاء الماضي المؤمن به هذا المفكر صاحب النظرية الغزو الثقافي والايديولوجي للدول والامر هذا لا يعفي الاتحاد السوفيتي من الوقوع في خطأ مماثل في غزو أفغانستان وما ترتب عليه من دفع ضريبة الغزو ومستحقاته نتيجة هذا الاجتياح برغبة مساعدة الحاكم الافغاني ذو الاتجاه الشيوعي مما اوقعها في لفخ الإسلامي المتشدد الذي نصبت افخاخه الولايات المتحدة الامريكية بمساعدة اوربية وعربية وإسلامية برغبة اسقاط الشيوعية في مناطق تواجدها. وخرجت بهزيمة منكرة جريحة مطعونة بالكثير من السهام القتلة، تحاول نكأ جراحها بعد ان دفعت الكثير من القتلى في الجنود والمال والمعدات الحربية. ان واشنطن لم تتعض من اخطائها ومن الدرس الروسي وعدم تكرار الماضي بصيغة الاعتقاد الصادر من مفكر ستراتيجي. وهل ما قامت به واشنطن تطبيقا لسياسة أخطاء الماضي,,؟ فقامت هي الأخرى في اجتياح الأراضي الأفغانية لاسقاط حكم طالبان انتقاما لما حدث في 11 سبتمبر عام 2001 غارقة في وحل الحرب ضد القاعدة ومستنقعاتها، ولم تخرج منها على امل ان تحفظ ماء الوجه ولا تنفك الان تلملم جراحاتها بعد المأزق الذي وقعت فيه.. وتساقطت احجار الدمينو تباعا لانظمة العرب السلطوية التي انتهت صلاحياتها وبقائها مخالفة لحركة التاريخ. ومن نافل القول ان ما جرى ترك اوجاعا للإنسان العربي المهان في ذاته، وجسده وفكره لا تنفك تتحمل الشعوب العربية أخطاء حكامها وتفردها بالقرار المسموح بالعقل السلطوي بعد ان تعرت عوارتها امام جماهيرها. وسقوطها الدراماتيكي على يد شعوبها، هذه القيادات العاجزة الشائخة عن مواجهة مشهد السقوط في الخطأ المخزي او ايمانها بما يراود عقولها الحالمة وبما تنبري به من اهتمامات خاطئة في هرطقة سياسية غير مكترثة للدمار الذي تصطلي بنيرانه الشعوب ومن الشتات والفوضى وخراب يؤثث حياة الجماهير.. هذه بعض من وقائع حدثت في سنوات مضت. نراها الان وننتظر نتائجها على امل ان نتحدث بقول الفصل فيها لاحقا..


















