أخبار وثِمار – حسين الصدر

310

أخبار وثِمار – حسين الصدر

-1-

من أمتع المتع واكثرها نفعا الالمام بالقصص والحكايات النابضة بروح المحبة والانسانية، ذلك أنها ثمرات لذيذة من أشجار الاخلاق العالية، والنفوس الصافية، مضافاً الى ما تنطوي عليه من تشجيع وتحفيز على محاكاتِها في الواقع المعاشي لتتواصل حُزم الاضاءة جيلا بعد جيل .

-2-

وهذه الحكايا الفريدة تُقتنص بالمطالعة والمراجعة لكتب الأدب والتاريخ والتراث ، كما أنها تُستفاد من رُواتها ومَنْ يتحدثُ بها من رجال الوعظ والارشاد والتربية والتوعية – وقليل ماهم

?

وفي هذه المقالة الوجيزة نقف عند حكاية واحدة نقلت عن (أبي عمرو بن العلاء)

-وهو أحد القراء السبعة، وكان من اعلم الناس بالقرآن الكريم والعربية والشعر .

وكان ايضا من أعلام النحويين وأشراف العرب ووجهائها، حتى خصّه الفرزدق بالمديح، توفي سنة 154هـ ودفن بالكوفة –

لقد جاءه أخٌ من اخوانه وسأله حاجة معيّنة ، فوعده خيراً ، غير انه لم يستطع ان ينجز لاخيه ما وعده به ،

فلقيه الرجل بعد ذلك فقال له :

يا أبا عمرو وعدتني وعداً فلم تنجزه ،

قال ابو عمرو

فمن اولى بالغمّ

أنا أو انت ؟

فقال الرجل :

أنا

فقال ابو عمرو

لا والله بل أنا

فقال له الرجل :

وكيف ذاك ؟

فقال :

لانني وعدتُكَ وعداً ،

فرجعتَ فرِحاً بالوعد ورجعتُ بِهَمِّ الانجاز ..

وبتَّ فَرِحا مسروراً

وبتُّ ليلتي مفكرا مغموماً

ثم عاق القدر عن بلوغ الارادة ، فلقيني مُذلاً ولقيتُك محتشماً ( اي خجلاً)

-4-

ونلاحظ هنا :

 -1الاستجابة الطوعية من قبل ابي العلاء لمن سأله الحاجة دون تلكؤ او إبطاء، وهذا هو المأمول من كلِّ ذوي العقل الراجح ، والضمير اليقظ ، والحس الانساني …

أما اولئك المُعرضون عن ذوي الحاجات فهم الخاسرون بموازين الدنيا والآخرة، فلا يشترون ود الناس بما ينجزونه لهم من حاجات، ولا يزينون صفحات أعمالهم بالجميل من الأفعال .

فهم يغبنون أنفسهم بأنفسهم .

-2انّ اطلاق الوعد يُلزم الواعد بلون من ألوان المسؤولية، ويدفع باتجاه انجاز الوعد دون تأخير، وهو ما يمكن ان نعبّر عنه ( بالهم الاجتماعي ) الكاشف عن فاعليه حقيقية كبيرة في الميدان الاجتماعي .

انّ الوعد بمثابة الدَيْن الذي لابُدَّ أنْ يُقضى، وبمثل هذا الشعور الفيّاض بالحبّ للآخرين ، والحرص على ادخال السرور على قلوبهم عبر قضاء حوائجهم ، تعمر الحياة بأبهى صور التكافل والتراحم والتعاون، وهل ثمة مِنْ ركائز أهم وأخطر من هذه الركائز لسعادة الفرد والمجتمع ؟

-3انّ تحمل المسؤولية لانجاز الحاجة لمن طلبها يجعل الواعد في حالة ترقب وتأهب لانجاز الموعود به ، وقد يلقى من العناء والمشاق ما يُتعِبُه ويضنيه ،

ويبقى (مفكرا مغموماً) حتى يُنجز الوعد، بينما ينعم صاحب الحاجة بالسكون والاستقرار النفسي لاستجابة الوعد بطلبه .

-4ولا يقدح الاخفاق في انجاز الوعد اذا ما حصل بسببٍ قاهر، في حكمنا على الواعد الساعي لانجازه وعده، بأنه من رجال الصدق في الانسانية ، وحب الخير لاخوانه .

انّ التوفيق بيد الله وليس بيد الناس …،

وقد أدى الرجل ما عليه دون تهاون ، ولكن حالت العوائق التي لم يحسب لها الحساب دون انجاز الوعد فهو معذور بل مأجور ..

-5-

وما أجدر المحترفين السياسيين في العراق الجديد- وهم لا يحسنون الا فن اطلاق الوعود المعسولة – أنْ يدركوا أنهم قد ينجون في خداع الناس مرّة ، ولكنهم لن يستطيعوا خداعهم الى الابد …

وعليهم أن يُقلعوا عن تقديم البضائع الكاسدة الفاسدة للأسواق …

فهي تجارة خاسرة – بكل تأكيد – .

مشاركة