أحلام الفلاسفة – ناجح صالح

223

أحلام الفلاسفة – ناجح صالح

أراد افلاطون بفلسفته اقامة جمهورية مثالية تحقق العدل والمساواة والسعادة لجميع المواطنين ، كذلك أراد الفارابي من بعد بفلسفته اقامة المدينة الفاضلة.

غير أن ذلك كان مجرد مشروع أو ارهاصات غير قابلة للتنفيذ على أرض الواقع . فلا جمهورية افلاطون المثالية استطاعت أن تقف على قدميها ، ولا مدينة الفارابي الفاضلة رأت النور في يوم من الأيام ، كانت تمنيات وطموحات فلاسفة وحكماء .

كيف يمكن اقامة جمهورية مثالية مع طباع البشر المتباينة وأفكارهم المتضاربة ؟ وكيف يمكن اقامة مدينة فاضلة وسط صراع مستمر مستميت بين الخير والشر ؟ ولو أننا فرضنا جدلا قيام جمهورية مثالية أو مدينة فاضلة فكم من السنوات ستعمر ؟ وهل سيبقى الحاكم أمينا على العهد ؟ واذا جاء آخر هل يسير على نهجه ؟

يضرب لنا التاريخ أمثلة كثيرة لها دلالاتها ومعانيها في محاولات بذلها حكام لأقامة العدل ، ورغم نجاح البعض منها الا انها قصيرة الأجل ، ثم كيف يمكن ارضاء الناس جميعا ؟

ان أعطيتهم ملء الأرض ذهبا ففيهم من يتمرد على النعيم نفسه ، ومنهم من تحسن اليه فيكون وبالا عليك . ليست للأطماع حدود ولا للشر ، انها النزعة الانسانية التي لا تخلو من البغضاء ، والحرب سجال بين الخير والشر ، بدأت هذه الحرب منذ أول الخليقة ولن تهدأ، ولن يدوم نظام واحد ولا موقف واحد .. انه التغيير سنة الحياة .

ان اقامة مدينة فاضلة أو جمهورية مثالية على الدوام ضرب من الخيال وحلم لا يمكن تحقيقه بأي حال من الأحوال . لقد أراد الاسلام للناس خيرا ، وقامت الدولة الراشدية على منهج اتسم بالعدل والصلاح ، وقد كان الأيمان لا غير هو الذي أعطاه جرعة الصمود ،غير أن هذه التجربة الناجحة لم تدم أكثر من ثلاثة عقود عادت بعدها المظالم أكثر أو أقرب الى عهد الجاهلية باستثناء التوحيد الذي جاء به الاسلام ضاربا عبادة الأصنام الى الأبد .

أجل بدأ الحاكم يطغى ويستبد طيلة العهود التالية عدا فترات نسبية ، ولم يكن الحاكم وحده مصدر الخطأ، بل كانت هناك فئات من الناس تسوغ للحاكم ظلمه واستبداده ، وهكذا يصدق المثل (كيفما تكونوا يسلط عليكم).

ورغم اختلاف المجتمعات بعضها عن بعض في السلوك والعقيدة والقيم ، وما يترتب على ذلك من استقرار أو فوضى ، ومن عدالة أو مظالم ، فان رياح التغيير لن تقف عند حد ، وهذا التغيير قد يكون نحو الأفضل وأحيانا نحو الأسوأ ، ويظل الصراع رهيبا وداميا بين الخير والشر..

معركة الحياة الأبدية التي لا يمكن أن تنتهي مهما أوتي الانسان من قوة لايقافها ، ومع ذلك يبقى الامل وحده لتخفيف وطأة الشرور التي تحيطنا ، وتبقى احلام الفلاسفة احلاما مشروعة ليس غير.

كركوك

مشاركة