أثر التحريض في تسويق النقد الساخر

308

الحبّ في زمن الطنطل.. علامة تعجب

أثر التحريض في تسويق النقد الساخر

حامد عبدالحسين حميدي

الأدبُ الساخرُ التهكمي … أو ما يمكن أن أطلق عليه من تسمية أدب رصد المخلّفات الناتئة… كان وما يزال له خصوصية متميزة في رصد مخلفات الواقع اليومي ومحاولة وخزه بدبابيس ، علّ ذلك يجعلنا نتوقف عنده ، من أجل معاينته جلياً وتدقيق تلك الالتفاتة ، وبما يمنحنا من قدرة على وضع المعالجات الناجعة ، هذا الأدب يمتاز بأنه يُعنى بالدفاع عن كلّ ما يدور في مجالات الحياة السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها ، له قواعده وأسلوبه الذي يتفاوت من كاتب لآخر وحسب التجربة الأدبية والحياتية ، هو فنٌّ جماهيري حاضرٌ في كل مكان وزمان ، يعتمد على عنصر التشويق الدالّ من خلال ما يطرحه الكاتب بطريقة فكاهيّة ضاحكة ناقدة ، تخفي ما وراءها من الوجع اليومي الذي جعلها تتخذه سلاحاً لمواجهة ذلك إثر التحولات الراهنة التي تعرض لها العراق طيلة السنوات المنصرمة نتيجة الحروب والدمار والخراب .

( الحب في زمن الطنطل ) ، عنونة ساخرة لشيئين متضادين ، حاول من خلالهما القاص ( ضاري الغضبان ) في مجموعته القصصية الصادرة عن دار سراج / النجف الأشرف 2018 ? أن يوهمنا بشيء جميل لكنه يحيلنا الى أمر آخر فيه حيرة زمنية لا يمكن لها إلا أن تستطيل علينا نقطة َ مشاكسةٍ ً ضاجة ٍ حدّ التخمة بالمفاجآت التي لا يمكن أن نجاريها على اختلاف مسمياتها .

فـ ( الحبّ ) مفهومة حسيّة فيها شفافية المفردة لإشارة النفس الانسانية وتجاذبها من الآخر ، وبما تحمله من سمو معنى وهدف ، أما مفهومة ( الطنطل ) فهو كائن اسطوري في التراث العراقي متحوّل يتلبس في أي شكل .. انسان ، حيوان ، أو جماد يخرج في الليل وكان العرب يخافون منه والاسم مأخوذ من الأساطير السومرية في العراق .

سخرية القدر

وما بين المفهومتين حاول القاصّ أن يبين لنا أنّ الحبّ قد وقع رهين زمن متلوّن لا ثبوت لهيأته بل فيه متغيرات كما الطنطل ، وهذه فعلاً من سخرية القدر .

( الحبّ في زمن الطنطل ) للغضبان ، تسمية قريبة من عنونة رواية ( الحبّ في زمن الكوليرا ) لماركيز ، وما بينهما من اختلافية واضحة في الهدف والمضمون وقصدية الكاتب ..

( الغضبان ) ..في ( علامة التعجب ) استطاع أن يركّز على مفصلية ما يدور حوله من تناقضات حياتية سلبية ، كان لها الأثر الأعمق في تحريضه على الكشف عنها وبطريقة ساخرة انتقادية ، هو حذر في رصده وتتبعه للحدث السرديّ .. وفي محاولة تسويق ذلك بطريقة العدسة المكبّرة التي تنمّ عن قدرة وبراعة الكاتب في سردية بسيطة ، ناهيك أن السارد كان يختفي وراء علامة التعجب ، اذ منحها قدرة التحرك وعلى وفق كونها عدسة التقاطية لكل ما يدور من مترهلات راكدة .

القاصُّ مُدركٌ تماماً حراكية علامته التي تدور في مكانية محددة ، منها : ( الجامع / السوق / المقهى / الخربة / صالة بيت الشيخ / بيت وبستان احد السياسيين ) ، وهذه الامكان تشكل امامنا مناطقية غير مستقرة بل ضاجة بشخوصها الذين لم يتمّ تسميتهم تصريحاً وإنما الاكتفاء ضمنياً بالإشارة اليها .

كما نلاحظ القاصَّ يسلط الضوء على ظاهرة خطيرة تفتك بالمجتمع ألا وهي الادمان والمدمنين ، حيث الادمان بالأفيون أو باللعب والثرثرة وترويج الشائعات ، الادمان بتحريف الحقائق من قبل من يتصدر هذا المجتمع البائس من المتلوّنين ، وبذا هو يتعامل مع مجريات شخوص يحددون مسارات رؤيتهم ما بين بعد بصري تمثل بالباحث الاجتماعي أو قصر في المنظور الحدثي تمثل بالشيخ إمام الجامع :

( تذكرت زيارة رجل معتد بنفسه للجامع ، عرفت لاحقا أنه باحث اجتماعي واللقاء بالشيخ الامام – والذي تناقلته ألسن المصلين – ومنحه ملفا به خطة عمل متكاملة للحد من ظاهرة الادمان في المدينة ، وكيف ان رجل الدين في حينه رفض الخطة لان الملف لم يبدأ بعبارة بسم الله الرحمن الرحيم ثم اعتلى المنبر وشتم العلمانية ولابسي اربطة العنق وحالقي اللحى مما دعا الباحث للهرب وهو يسمع صيحات المصلين من آباء وإخوة المدمنين وجيرانهم .. ) ص 8 .

القاصّ يعرض لنا شخصيتين فاعلتين متناقضتين : شخصية الباحث الاجتماعي / شخصية التغيير . الذي يحاول جاهداً وبما يمتلكه من رؤية جادة في طرح موضوعة خطته لمكافحة هذا السرطان الذي بدأ ينخر بالمجتمع وأبنائه وإيضاح أثره السلبي ، وبين شخصية الشيخ / التي مثلت القبول بالواقع المرير ، وهي شخصية انتهازية ترفض الخطة جملة وتفصيلاً ، كونها ستفتح عليه ثقافة فضح بؤر الفساد والفاسدين ، لذا التجأ الى تخريجة الرفض ومحاولة تعميمها على المصلين ، أن الخطة لم تتضمن عبارة البسملة ، ليبقى المجتمع تحت الادمان وسطوته .

– من هنا – نجد القاصَ حريصاً على رصد هذه الحالة السلبية التي أدمنّا رؤيتها في مجتمعنا العربي ، أنّ الانسان العربي يرفض الخروج من دوامة السلب الى الايجاب ، يرفض فكرة التخلص من شوائب جثمت على صدره سنوات طوال ، يرفض أن يعالج الاخطاء ويصحح مسار البناء المجتمعي .. ليتشبث بخرافة الفكر المريض المتخلف الذي يدعو الى الضلالة والوهم وظلامية الدعوة .

القاصُّ يقودنا بأسلوبه التقريري المباشر السلس الى جملة من المعطيات السلبية ، لخلق نوع من المفاجآت والمفارقات الحياتية ، ليعلن أننا مدمنو السلب ، رافضو التغيير شئنا أم أبينا ، لنجد أنفسنا أمام :

الحياة العبثية التي لا تنتج سوى حياة مشلولة / اعتماد تسقيط من يحاول أن ينتشلنا من السلب / صناعة الاحباط النفسي وإشاعة التكاسل ووضع معرقلات أمام أي حركة تنموية تحرضنا على التغيير :

ذبابة معلقة

( وكانت المفاجأة غريبة جدا ، اذ لم تجد في الخربة مدمنا واحدا ، فقط هنالك كلب يدور هاربا وقط يتبعه في الاسفل وذبابة معلقة بشباك عنكبوت في الاعلى تحاول الخلاص بينما العنكبوت يهملها وهو ينام بتكاسل وذبابة اخرى تدور قرب العنكبوت بتحدٍ واضح ) علامة التعجب / ص 11

حيث أن تأثير الإدمان لم يقع تحت وطأته الانسان فقط بل أنتقل الى الحيوان كذلك … حيث صوّر لنا القاصّ صورة كاريكاتيرية ساخرة : كلب يهرب من القط / وعنكبوت كسول امام فريسته / وتحدي الذبابة الأخرى للعنكبوت ذاته .. فأيّة مفارقة هذه يحاول أن يربطها لنا القاصّ ، وأي علامة تعجب هذه التي تحيلنا الى رصد آخر :

( الزوجة الوسطى للشيخ الامام تطبّل وطيف من المراهقات يرقصن ثم صعد الحماس لدى الشابات فدخلن دائرة الرقص ، ثم نهضت الزوجة الصغرى بحماس وأخذت تهتز بطريقة خارج الايقاع وتسحب معها الزوجة الاولى ويهتز البيت العتيق على ايقاع رقص زواج بنت شيخ الجامع … ) علامة التعجب / ص 12 .

بهذا التصوير التقريري المباشر الذي اعتمده القاصّ الغضبان ، ونقده اللاذع عن محيط الواقع البؤري / الداخلي لعائلة رجل الدين وتحويل مكانية البيت الى حفلة راقصة تشترك فيها زوجات الشيخ وبناته وشابات أخريات ، دليل على أن الواقع الداخلي شيء والخارجي شيء آخر ، وهما بعيدان كل البعد عما يمثله رجل الدين في مجتمع مغلق تحكمه العادات والتقاليد والعرف الاجتماعي ، .

بينما تتجلى لنا شخصية الباحث الاجتماعي الذي لم ولن يستطيع أن يعالج بؤرة الخطأ ، نراه يتخلى عن بعض ما اعتاد عليه بسبب أن مقبولية المفهومات التي حاول طرحها امام المجتمع لم تجد لها حيزاً ولو بصيص امل ، تجعله يتمسك بها ويدافع عنها بل جعلته عرضة لكل من هبّ ودبّ ، مما أثرت عليه نفسيا وحياتياً ومجتمعياً :

( حتى انه يمسح بأنامله على ربطة عنق حمراء مميزة – وهو لم يضع الرباط منذ حادثة الجامع – .. ص 09 .

ثم نقرأ :

( لكن زادت اثارة علامة التعجب كون الباحث الانيق ما انفك يتعطر بعلبة عطر بحجم السبابة تستخدم عادة من قبل المعممين وهو يمرر طرفها الكروي المتحرك على عنقه وخلف اذنيه ) ص 10 .

ليقع هذا الباحث فريسة سهلة لشائعات أخرى رائجة : ( ” بأن الباحث الاجتماعي على علاقة سرية ببنت الشيخ وقد تكون العروس حاملا بالأشهر الاولى وهذا الزواج لستر الموضوع ” بينما ردت المطلقة بان الباحث جبان لا يجرؤ على ذلك والدليل بأنها جربت غوايته مرات عديدة وبدا رعديدا في هكذا موقف  ص 13 – 14 .

هذا جاء نتيجة مجتمع غير واع ٍ ثقافياً بل جلّ ما لديه هو العيش في دوامة تشغيل الشائعة وتحريكها كيفما شاءوا علّهم يحظون ببعض التسلية التي تحيلهم الى السخرية والتندر من أمر ما . لكنّه واقعٌ يجعلنا نحدّد أنّ مسارات تيار الوعي الثقافي المجتمعي ضيقة الأفق ، ولا يمكن أن تخرج من دائرة الخراب والتطفل والأسطرة .

ثم يتصاعد التركيز على رصد المخلفات من قبل القاص ( ضاري الغضبان ) في التقاط صورة أخرى ، لمخلفة السياسة وأثرها في تشويه المجتمع ضمن تداخلات غرائبية واقعية ، فأحد السياسيين كان نقطة خراب وهدم ، حيث تحوّل قصره الى مكان تعجّ فيه

( عن عدد من النساء من جنسيات مختلفة ، يقال بعضهن للطبخ او المساج والخدمة ، وبعض المغرضين كتبوا في ( الفيس بوك ) أن له فصيلا من الاطفال من زوجات غير شرعيات واستدلوا برواية قابلة محترفة افشت سر السياسي … ) ص 15

اذاً / نمطية إعادة توجيه وخلق الشائعة السياسية ومحاولة دسّها مجتمعياً حيث تكون سهلة وقريبة للتداول لدى جمهورها الهشّ المتقبل لمثل هذه الحراكية ، هي احدى طرائق الادمان التي يعتمدها مدمنو الحياة السلبية ، علّ ذلك يسهم في وهمية اصلاح حجم الخراب والدمار الحاصل على أرض الواقع ومحاولة تحريك كل ساكن ، وذي / هي حالة طبيعية لما يعانيه مجتمعنا من هوس في تفعيل تقنية الفضيحة واللهاث ورائها .

سياسي صاعد

( الغضبان ) يصرّ على كشف مبدأ ( وما خفي كان أعظم ) ، حيث :

( فقد كان السياسي الصاعد يجمع كل مدمني المدينة في حضيرة كبيرة ويوزع عليهم لفافات الافيون مجاناً ، بينما مساعدته الانيقة تلقنهم طريقة التصويت للسياسي الصاعد في الانتخابات القادمة ، الوشيكة ) ص 15 .

– من هنا – يتضح لنا أنّ الخرابَ المجتمعي صادرٌ من أعلى هرمية في المجتمع الى الادنى ، لأنه خرابٌ ديني وسياسي واجتماعي وثقافي ، خرابٌ تعمل فيه منظومة التدمير الشامل للإنسان والوطن والثقافة على مديات زمنية مستقبلية لغرض الاستفادة منه في فرضية بسط الهيمنة المتكاملة على السلطة والاستحواذ عليها ، وإبقاء الأدنى يعيش في دوامة ضياع الوطن وتشتت المواطن ….

مشاركة