أتكون لنا عاصمة أخرى؟

فاتح عبدالسلام

العواصم‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬تمثل‭ ‬رموزاً‭ ‬سيادية،‭ ‬وتتركز‭ ‬فيها‭ ‬معان‭ ‬كثيرة‭ ‬بعضها‭ ‬اقتصادي‭ ‬ودبلوماسي‭ ‬وسياسي‭ ‬وبعضها‭ ‬سياحي،‭ ‬لكن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬بدّلت‭ ‬عواصمها‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬معينة‭ ‬ومضت‭ ‬تستلهم‭ ‬تلك‭ ‬المعاني‭ ‬السامية‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬أخرى‭. ‬اليوم‭ ‬كنتُ‭ ‬أرى‭ ‬بعض‭ ‬الروس‭ ‬يحتفون‭ ‬بذكرى‭ ‬اتخاذ‭ ‬موسكوعاصمة‭ ‬لبلادهم‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬عام‭ ‬1918،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعاقبت‭ ‬الأجيال‭ ‬مدة‭ ‬255‭ ‬سنة‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬ان‭ ‬بطرسبورغ‭ ‬هي‭ ‬العاصمة‭ ‬الخالدة‭ ‬للروس‭.‬

في‭ ‬دول‭ ‬كثيرة‭ ‬يطلقون‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬بذاتها‭ ‬لقب‭ ‬العاصمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للبلاد‭ ‬أو‭ ‬العاصمة‭ ‬السياحية‭  ‬نظراً‭ ‬لأهمية‭ ‬مدن‭ ‬ذات‭ ‬تميز‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬معينة‭.‬

وهناك‭ ‬عواصم‭ ‬مستقرة‭ ‬لكن‭ ‬الحكام‭ ‬يتخذون‭ ‬لأنفسهم‭ ‬وقراراتهم‭ ‬وأغطيتهم‭ ‬عواصم‭ ‬دينية‭ ‬يرون‭ ‬فيها‭ ‬حماية‭ ‬أكبر‭ ‬لهم‭ ‬ويستمدون‭ ‬منها‭ ‬قوة‭ ‬لاتتوافر‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬العواصم‭ ‬التي‭ ‬يقيمون‭ ‬فيها‭.‬

العواصم‭ ‬مدن‭ ‬الحاجة‭ ‬الوظائفية‭ ‬لأداء‭ ‬دور‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬تقود‭ ‬مدينة‭ ‬صغيرة‭ ‬للغاية‭ ‬مثل‭ ‬بون‭ ‬المانيا‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭.‬

العواصم‭ ‬عندما‭ ‬يحتلها‭ ‬الغزاة‭ ‬تفقد‭ ‬بريقها،‭ ‬ورمزيتها،‭ ‬وكانت‭ ‬باريس‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬احتلال‭ ‬هتلر‭ ‬مدينة‭ ‬قميئة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬رفع‭ ‬رأسها‭ ‬حتى‭ ‬حررها‭ ‬ديغول‭ ‬وعادت‭ ‬اشراقتها‭ ‬ودورها‭.‬

بغداد‭ ‬بناها‭ ‬ابو‭ ‬جعفر‭ ‬المنصور‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن،‭ ‬واتخذها‭ ‬عاصمةً‭ ‬للدولة‭ ‬العباسية‭ ‬ومرت‭ ‬عليها‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬العز‭. ‬وفقدت‭ ‬مكانتها‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1258‭ ‬عندما‭ ‬غزاها‭ ‬المغول‭ ‬والتتار‭. ‬مع‭ ‬حلول‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر،‭ ‬وتبادل‭ ‬الصفويون‭ ‬والعثمانيون‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬المدينة،‭ ‬حتى‭ ‬انتزعها‭ ‬العثمانيون‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1535،‭ ‬فظلت‭ ‬تحت‭ ‬حكمهم‭ ‬قرابة‭ ‬4‭ ‬قرون‭ ‬ولاية‭ ‬بين‭ ‬عشرات‭ ‬الولايات‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬ميزة‭ ‬العواصم‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1917،‭ ‬سيطرالانكليز‭ ‬على‭ ‬بغداد،‭ ‬و‭ ‬خضعت‭ ‬كمعظم‭ ‬مناطق‭ ‬العراق‭ ‬الأخرى‭ ‬تحت‭ ‬الانتداب‭ ‬البريطاني‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬فيها‭ ‬ميزة‭ ‬العواصم‭ ‬،‭ ‬لكنها‭ ‬أصبحت‭ ‬عاصمة‭ ‬للمملكة‭ ‬العراقية‭ ‬عام‭ ‬1921،‭ ‬والجمهورية‭ ‬العراقية‭ ‬عام‭ ‬1958‭. ‬وحين‭ ‬احتلها‭ ‬الامريكان‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬صار‭ ‬سعر‭ ‬العاصمة‭ ‬كسعر‭ ‬اية‭ ‬قرية‭ ‬يدوسها‭ ‬المحتل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اعتبار‭. ‬استباحة‭ ‬العاصمة‭ ‬من‭ ‬اية‭ ‬قوة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬داخلية‭ ‬إهانة‭ ‬لمكانتها‭ ‬وتجريد‭ ‬لدورها‭ ‬ورمزيتها‭. ‬وفي‭ ‬النظر‭ ‬العام‭ ‬توسعت‭ ‬بغداد‭ ‬كثيرا‭ ‬فهي‭ ‬ثاني‭ ‬اكبر‭ ‬عاصمة‭ ‬عربية‭ ‬بعد‭ ‬القاهرة‭ ‬سكاناً‭ ‬ومساحتها‭ ‬مذهلة‭.  ‬إن‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬عاصمة‭ ‬سياسية‭  ‬وظائفية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬،متفق‭ ‬عليها‭ ‬،‭ ‬خارج‭ ‬بغداد‭ ‬،‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬العناية‭ ‬بمصالح‭ ‬الناس‭  ‬وليس‭ ‬انتقاصاً‭ ‬من‭ ‬رمزية‭ ‬ما‭  ‬لكن‭ ‬شرط‭ ‬أن‭ ‬تتم‭  ‬دراسة‭ ‬جدوى‭ ‬الخطوة‭ ‬في‭ ‬النفع‭ ‬العام‭ ‬،‭ ‬وذلك‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بغداد‭ ‬العاصمة‭ ‬وفي‭ ‬رؤوس‭ ‬من‭ ‬يحكمها‭ ‬هوى‭ ‬عواصم‭ ‬مجاورة‭ ‬أو‭ ‬بعيدة‭.‬