أبي الشجاع

352

أبي الشجاع
كاظم الحلاق
1
أنْ تُقال الحقيقة او لم تقل، فإن الحقيقة هي هي؛ فن كينونة الإنسان وكينونة المدن، مهما تكن طريقة البوح ومَنْ كان السائل. كان أول الصيف، سوق النباتات تتمايل وغابات النخيل تمتد اكبر من أن يحيطها البصر في الجهة الأخرى من النهر. يدنو أخي صافي من الشاطئ وهو يقول سومو، آدوناي، ملكوت، أهياه يا رب الأنهار لكل الأسلاف اقدم شكري ننزع ثيابنا ونقفز في الماء، أشعة الشمس تتساقط مرتعشة على السطح، تتألق المويجات تحت ضربات يديه وهو يسبح بجرأة صوب السفن الغارقة، يدير جسده وينادي عليّ ان اتبعه لا تخف، تقدم، اسبح فقط لهذا الزورق أو لتلك السفينة ، وحين أدنو من منتصف النهر أراه يبتعد حتى يختفي عن مدى بصري بين الأمواج. اشعر بالخوف، أدير جسدي واشرع بالعودة الى الشاطئ.
حينما كنا صغارا كنا نسبح أنا وأصدقائي في نهر العشار. لكنني لم ار أخي صافي يسبح معنا أبدا، كان يسبح في النهر الكبير؛ شط العرب. سألني مرات كثيرة ان اسبح معه، الا انني كنت ارفض قائلا اخشى الغرق ايضا اخاف من سمك القرش الذي كان يتسلل من مياه الخليج . لقد ضرب القرش ذات يوم أحد أصدقائنا في فخذه بعد ذلك كف الكثير منا السباحة في نهر شط العرب.
لقد أمضى اخي صافي ثلاثة أصياف يعبر النهر سباحة ليبحث في غابات النخيل لاعتقاده بان ثمة كنز مدفون هناك، اثر مصادفة من مصادفات الحياة التي لا تصدق لقد اشترى ذات يوم كتابين متشابهين في الشكل من أحد أرصفة بيع الكتب في منطقة العشار، كانا يتحدثان عن كنز مدفون في غابة نخيل مقابل نهر اسمه عشار او عشتار؛ كان الكتاب الأول يتحدث عن طقوس اذا ما قام بها الشخص تساعده في العثور على الكنز مثل رسم نجمة خماسية او سداسية بخنجر من الحديد في الفضاء وغرز النصل في مركز النجمة وترديد بعض الألفاظ مثل سومو، ادوناي، ملكوت، اهياه؛ كما ان ذكر اسماء بعض الملائكة مثل؛ امامي رافائيل وخلفي جبرائيل، وعلى يميني ميكائيل، وعلى يساري اورائيل يساعد الشخص على ايجاد الكنز.. موضحا ان الخطوة الأولى والمهمة في البحث هي تكييف الأفكار والمفاهيم وفقا لإمكانية الشخص، للاعتقاد ان بعكس ذلك فان الشخص يخلق أحداثا سلبية عبر قانون السبب والنتيجة، ومن الأفضل له التخلي عن البحث إذا لم يكن في ألفة مع قواه الشخصية الخاصة. بينما يشير المؤلف في الكتاب الثاني إلى كائنات غير أرضية لها صفات العناصر الأربعة؛ أي الهواء، التراب، الماء، النار. في الأساس هذه العناصر هي الأرضية الأصلية لجميع الأشياء الدنيوية، لا أحد من هذه العناصر يوجد بحالة نقية تماما. انها تتغير من واحد إلى آخر. التراب ممكن ان يرطب ثم يذوب ليتحول إلى ماء، والجوهر نفسه ممكن ان يكثف ليتصلب ويصبح ترابا مرة ثانية، وممكن ان يبخّر عبر الحرارة فيمر في الهواء ليتوهج إلى نار وينطفئ ثانية إلى هواء، أو ممكن ان يبرد بعد الاشتعال فيتحول إلى حجر أو كبريت أو ذهب. عنصر الذهب له خاصتان، السالف أو الأصل الذي نشأ عنه، والثاني يكون وسيلة مادة متبخرة في جو الأرض.. القوة تكمن في الصمت واذا ما حاول الشخص ان يحلل ذلك منطقيا فانه لا يستفيد من هذه العناصر. من الأفضل ان يبقى صامتا لمدة 180 يوما قبل ان يبدأ عقلنه تلك الأفكار. في البدء على الشخص ان يحافظ على حقل طاقته لنفسه، ومن الأفضل ان لا يتحدث عن هذا الأفكار المتعلقة بالكنز ما لم يكن قويا ومتوازنا جدا بحيث لا يمكن للتأثيرات الخارجية استنزاف حيويته وطاقته وهو يقوم بالبحث، كما عليه ان يتجنب مساعدة الغير لبعض الوقت.. يصف الكتاب مكان الكنز في غابة نخيل تقع على ضفة نهر يتكون من رافدين عظيمين ويصب في خليج، يقابل الغابة من الضفة الأخرى نهر صغير اسمه عشار أو عشتار. في نهاية الكتاب يقول المؤلف، اذا لم يهتد الباحث الى المكان ستمزق الكائنات العناصر الكنز إلى أجزاء، وفي النهاية سيتحول إلى ماء وتراب. ومنذ ذلك الوقت اصبح أخي صافي مهووسا بحكايات الكتابين.
كان على مبعدة بضعة اميال من بيتنا ثمة معمل للتمور يقع على شاطئ نهر العشار محاطا بشبك من الحديد يفصله عن الاحياء المجاورة. لقد ترك صافي ومعظم اصدقائه المدرسة والتحقوا بالجيش ثم هربوا من اماكن خدمتهم واخذوا يعملون في هذا المكان البعيد عن الانظار. في نهاية دوامهم كانوا يقفزون في النهر ويسبحون حيث غابة النخيل في الجهة الاخرى ليبحثوا عن الكنز، ومنذ ذلك الوقت استحوذت على ذهن اخي صافي فكرة العثور على الكنز.
اخذ يعبر النهر سباحة كل يوم تقريبا، احيانا لوحده، وفي أحيان أُخر مع اصدقائه، كارها العودة الى العسكرية او مساعدة ابي في عمله، بعد عودته من غابة النخيل كان يجلس منزويا في غرفة أبى مستغرقا في عوالمه، متخيلا بانه في يوم ما سيجد الكنز ويتزوج حبيبته نادية ويتحرر من الذهاب لمساعدة أبي في بيع السمك. كان يصف لي بحماس زواجه المتخيل والبيت الذي سيعيش فيه والأشجار والزهور التي سيزرعها والأثاث الذي سيشتريه، وكيف انه سيسافر على متن سفينة من ميناء البصرة وزوجته نادية الى خارج العراق ليزورا العالم كله دون خوف او قلق بصدد المال.
في تلك الفترة كانت مدينة البصرة بؤرة لمختلف أجناس البشر؛ ملتقى للبحارة والغرباء والسحرة والمنجمين، للادباء واساتذة اللغة، لمربي الطيور والكتبة العموميين، للعشاق الذين لا يحسنون القراءة والكتابة وللمغنيين والمغنيات والراقصين والراقصات وعازفي الادوات الموسيقية الشعبية. مصورون فوتوغرافيون كانوا يتجولون في الساحات العامة والحدائق التي كانت تضج بالنساء، كانت البصرة مدينة آمنة لكل الناس بمختلف معتقداتهم وديانتهم؛ يهود ومسلمين وصائبة ومسحيين؛ سريان وكلدان واشوريين. كان صاغة الذهب الصابئون مشهورين بعمل السحر في دكاكينهم التي تتناثر في المدينة، بينما اليهود باجسادهم النحيلة ولحاهم الطويلة كانت لهم سمعة في عمل التمائم والاحجبة وهم يبيعون كتبا بلغات مختلفة. رجال أعمال أوربيون يتجولون في الأسواق الشعبية بصحبة نساء شقراوات يرتدين ثيابا متحررة. هنود بحارة انقطعت بهم السبل فسكنوا الى جوار الميناء. زهاد آسيويون يعظون الناس في الحدائق العامة ويتحدثون عن كتب سرية تتناقل عبر الأذهان، فتبدو مدينة البصرة كأنها مركز حضاري يشع بالأفكار الكبيرة.
لقد تركتْ البصرة في نفسي اثرا بالغ الروعة على الرغم من اجواء الوجع اللامتناهي التي خلفتها الحرب العراقية الايرانية فيما بعد، مما جعلني اهرب منها قبل ان ارتوي من اكتشاف جمالها الفريد. كانت بيوت المركز قد بنيت في بداية القرن التاسع عشر بنوافذ وأبواب وشرفات من الخشب. في نهاية شارعنا كانت تشمخ كنيسة قديمة لم يجدد مبناها منذ عشرات السنين، في طرفها الشمالي يرتفع برج بثلاثة نواقيس ضخمة، تقرع كل منتصف نهار؛ نداء للفتيات المسيحيات الجميلات في منطقتنا، كانت جدرانها مغطاة بصور وتماثيل القديسين، في باحة الكنيسة ثمة مقبرة صغيرة بقبور لا تتجاوز العشرة متجمعة قرب البوابة، الى جوار القبور ثمة ممشى من الاسمنت يتفرع الى دربين احدهما يُفضي الى قاعة العبادة والاخر الى غرفة تغسيل الموتى، على السياج تسلقت الاحراش حيث اقامت بعض الطيور أعشاشها في الارض. على نقيض الكنيسة كان مسجد المنطقة يرتمي على طريق المدرسة بواجهة كئيبة مكتظة برجال جادين. على مبعدة اميال قليلة عن بيتنا ينساب شط العرب من الشمال الى الجنوب ليصب في الخليج العربي. على الضفة القريبة ثمة عبّارة تزدحم عادة بطلاب وطالبات جامعة البصرة المشيدة على الضفة البعيدة بمحاذاة غابة النخيل الممتدة الى الافق. شوارع ومتاجر المدينة تبدو نظيفة واذا تقدمت شمالا نحو الميناء يمكنك ان ترى مراكب صيد السمك راسية الى جوار السفن الكبيرة. نهر العشار ينساب من الغرب ليصب في شط العرب، متعطفا مع البيوت الخشبية والمحلات التي تبيع الثياب، القهوة، البهارات حيث سوق الهنود ينتهي على حافة النهر. الان اصبح كل هذا ماضيا بعيدا، خلال الحرب مع ايران تحولت الجامعة الى ثكنة عسكرية. الزوارق غادرت، وغطيت ارصفة نهر شط العرب بتماثيل العسكريين. نهر العشار غدا آسنا ممتلئا بعلب الزيت، الأكياس البلاستيكية والقناني الفارغة. هدمت البيوت الخشبية لتحل مكانها أبنية من الأسمنت الكريه. أصبحت المدينة باردة ولم تعد هناك سمات شخصية للأمكنة.
من الشمال والجنوب تنتشر الاهوار، كانت امي قد ولدت جوار واحد منها، ظلت عائلتها هنالك بعد ان تزوجت من والدي. لقد رأيت عدة مرات الاهوار في زياراتي لجدتي وعلى الدوام كان يخلب لبي امتداد المساحات المائية والطيور المهاجرة بالوانها الزاهية وهي تتطاير بين حقول القصب والبردي. اعتقد ان ابي التقى أمي هناك في واحدة من رحلاته في تجارة الاسماك وجاء بها الى البصرة. يبدو ان لا احد يعرف اين ولد ابي، او أي شيء عن والديه او تحصيله الدراسي على الرغم من انه كان يقرأ ويكتب ولديه معرفة بسيطة في الحساب. كان ابي يمقت الكتب الادبية، وطوال حياتي معه لم اره يقرأ في كتاب عدا القرآن وكتاب السحر لأبي معشر الفلكي حيث كانت بعض النساء من الجيران يترددن على بيتنا لقراءة طوالعهن ومعرفة اعدائهن واحبائهن. كان محاطا بالغموض بحيث مرت سنوات عديدة بعد موته قبل ان يتطرق احد من اولاده او زوجاته عن مكان ولادته الحقيقي او خلفيته، لكني افترض بانه ولد في بغداد مطلع القرن العشرين من ابوين يعملان في بيع السجاد ثم انتقل الى البصرة، وكان له ثلاث اخوات اصغر سنّا منه لكنه دون اخ، وانه لم يذهب ابدا الى أي مدرسة وتعلم القراءة والكتابة في السجن حيث امضى سنتين لضربه رجل تكلم بسوء عن احدى عماتي على مرأى من الاخرين.
بعد ان اطلق سراحه اعتزل ابي الحياة العامة فلم يكن يذهب الى المسجد، او الاعراس، او التعازي، او أيّ انشطة اجتماعية اخرى. لقد قسم وقته بين العمل والتنقل بين عوالم زوجاته. لم تشغل انتباهه احجية العالم الخارجي، على العكس مني لم تشعرني الحياة اليومية بالملل ابداً، وحتى الاشياء الاكثر عادية تبدو مهمة لي وكنت اشعر بالتعجب من جمال الطبيعة والنساء، ان نظرة اعجاب من امراة تعتبر شيئا ثمينا لي، لكني لم ار ابي ابدا في اتصال قريب مع امراة خارج البيت.
كم اتمنى لو بامكاني ان اعيد الزمان الى الوراء، هل سنتمكن في يوم ما التخلص من نير الزمن بابعاده الثلاثة؟ هل سنتمكن في يوم ما عبر خيالنا واحلامنا عكس احداث الحياة كما نرغب، كم اتمنى الان لو ان ما ان يدخل ابي دكان الحلاقة الذي كنت اعمل فيه بالبصرة حتى أتنفس عميقا واقف في وسط المكان واشير لاصدقائي هذا ابي اعرفكم به. اعتقد ان ابي كان يعرف طبيعتي الحساسة فيتظاهر بتصفح المجلات منتظرا التفاتة اعتراف واحدة مني لكي يشرق وجهه في المكان الا انني كنت أوغل في تمثيلي بانني على ما يرام وانا اتحدث الى اصدقائي متجاهلا وجوده كما لو انه لا يربطني بهذا الاب سوى حلاقة الشعر، لكن في أعماقي رايت ان هذا الرجل تعامل مع الحياة والموت بشجاعة واراني كيف يمكن للرجل ان يكون شجاعا في مواجهة الواقع وسعيدا بخلق حياته الشخصية وعالمه على الرغم من الناس القبحاء الذين كانوا يسخرون من عينه المفقودة.
كان ابي حينما يأتي ليقص شعره يضع على عينه قطنا وشريطا لاصقا يرتدي فوقه نظارة سوداء فتبدو عينه كما لو انها تعرضت الى احتقان ما او انه يتجنب الضوء الشديد، في اوقات كثيرة راودني الشك بانه يضع القطن على عينه ليختبر ردود فعل الاخرين وانه سيفاجؤهم ذات يوم بازاحة القطن ليكشف عن عين سليمة، بقي لدي ذلك الاحساس فترة طويلة وكنت اشعر كما لو ان ابي بامكانه الرؤية بعينين سليمتين.
كان أبى متزوجا من ست نساء. اثنتان منهما توفيتا قبل ولادتي وأربع كن يعشن سوية في بيت واحد مع أطفالهن التسعة عشر إحدى عشرة فتاة وثمانية أولاد. كل واحدة في غرفة منفصلة. واحدة منهن كانت أمي.
لقد عاش أبى بداية شبابه في عصر ذهبي خلال العهد الملكي وأنشأ عائلته الكبيرة وامضى اكثر من نصف عمره قبل أن يصبح العراق جهورية عام 1958 ومن ثم مجيء القوميين والبعثيين عام 1963. كانت الحياة طيبة، رخية أثناء ذلك الوقت، وفرة المياه ومجانية العلاج الطبي والكهرباء، كان ابي يعيش مع زوجاته الاربع وأولاده وبناته قرب النهر في بيت واحد، وبمفرده كان يعيل عائلة يقارب عدد افرادها العشرين فردا، لم يكن ابي ثريا في أيّ يوم من الايام الا انه كان يفهم الحياة ويتعامل مع مشاكلها اليومية ببساطة دون الحاجة الى الادمان على أي شيء، كما انه لم يكن يشكو من عدم امتلاكه بعض الاشياء، بل كان على العكس ممتنا شاكرا على الاشياء التي يمتلكها ومع ذلك كان بظروف اقتصادية تبعده عن ذل الحاجة. كان ابي يعيش بشكل جيد كتاجر اسماك وبسهولة كان يرعى عائلته الآخذة في التنامي والازدياد.
فيما بعد أي حينما أكبر واسافر الى الاردن والسعودية والكويت واندنوسيا واخيرا اصل الى اميركا واتنقل بين ولاياتها العديدة والتقي بآلاف الاشخاص؛ نساء ورجالا وفتيات وشبابا ساعلم بان ثراء الحياة والحب والسعادة يمكن ان ينوجد في ايّ بقعة من هذه الأرض بضمنها البصرة. وليس بالضرورة ان يكون في اميركا او ما يسمى بالغرب بشكل عام، حقا كان أبى رجلا سعيداً، سعيداً بطريقة عفوية من غير حاجة الى الكثير من الخيال أو التعبد العميق او الادمان، كنت اقول في نفسي وانا ارى الناس بمختلف مشاربهم وهم يتشكون ويتذمرون من الحياة يا للرجل ذي العين الكريمة كم من الالام تحمّل، كم نذل وسافل ازعجه واثار اعصابه وهو يعيّره بسبب عينه المفقودة، كم كان صبورا وشجاعا في مواجهة الواقع دون أن يعرف .
كانت زوجتا ابي الأوليين بهية و سكينة تعيشان في بيت قرب النهر، زوجته البكر بهية كان لها ولدان علي بعمر خمس سنوات و سعد تسعة اشهر وزوجته الثانية سكينة لها ابنتان نورية اربع سنوات و عزيزة سنتان، لكن الزوجتين واطفالهما ماتوا في حريق في احد الاصياف بينما كان ابي في رحلة عمل الى الاهوار. لقد التهمت النيران ليس بيت ابي المبني من القصب والاعمدة الخشبية فحسب بل بضعة بيوت مجاورة وكافح الجيران النيران بالتراب والمياه لكن دون جدوى، كانت السنة النيران المحاطة بالدخان تعلو في السماء ويمكن رؤيتها على مبعدة شوارع عن بيت ابي، كان سبب الحريق حسب ما سمعت هو اسلاك الكهرباء الخارجية التي تصيب جدران البيوت او ربما بسبب تعليق الملابس قرب المدفأة بقصد تنشيفها. بقي ابي لمدة سنتين ملازم الفراش من الحزن والغم ثم قال لاخواته اخشى ان اوغل كثيرا في العمر وانا بدون ذرية فاخترن له امراة فاقترن بها لتكون زوجة ثالثة ثم بعد كل ثلاث سنوات تقريبا سيتزوج رابعة وخامسة وسادسة.
كان ابي يحتفظ بين اوراقه بصورتين بالابيض والاسود له مع زوجتيه الاوليين واطفاله حيث يبدو في الاثنتين بعينين سودواين سليمتين.. الصورة الاولى كانت مع زوجته بهية وولديه في احدى الحدائق، ابي يرتدي دشداشة رصاصية وسترة سوداء وزوجته تقف الى جواره حيث تبدو بطوله وهي ترتدي عباءة سوداء انحسرت عن رأسها لتظهر شعرها الاسود الطويل. احد الولدين كانت تضعه بين ذراعها وصدرها ربما وهو في الشهر الاول او الثاني من عمره، والطفل الاخر بعمر سنتين كان واقفا امام ابي..
الصورة الثانية تبدو انها التقطت قبل كارثة الحريق بفترة قصيرة جدا. كان الاربعة يجلسون على مصطبة بدت كأنها في مرآب او كراج حيث بانت في الخلفية حافلات نقل ركاب وسيارات اخرى وباعة متجولون. ظهرت زوجته بوجه صغير وشاحب الا انه جذاب، تضع على راسها شالا احمر وبعباءة مفتوحة، الفتاة الاكبر تجلس متربعة بينهما وشعرها الاسود ممشط على شكل ضفيرتين صغيرتين تنزلان على صدرها، بينما الاخرى تجلس في حضن ابي وهو يرتدي دشداشة بيضاء لا شيء فوقها وهذا يدلل بشكل كبير على ان الصورة التقطت في الصيف، لأن غالبية الرجال ان لم اقل الجميع يتجنبون ارتداء الدشاديش البيض اثناء الشتاء في البصرة.
كان لزوجات ابي القاب، امي كانت تلقب بالزوجة الحارة او العاطفية وكان ترتيبها السادسة او الاخيرة بالنسبة لبقية الزوجات، حيث كانت تنفعل على ابسط الامور ويبقى الغضب في داخلها على الرغم من انها كانت تقول لي ولأخي واخواتي اصبروا عليّ ساعات فقط وساعود الى وضعي الطبيعي لكن الساعات تمتد الى ايام. الزوجة الثالثة كانت تلقب بالزوجة الخصبة لإنجابها عشرة اطفال، ثلاثة منهم ماتوا وبقي سبعة. كانت بنظرات متشككة؛ جسد يميل الى الطول ووجه يتسم بالنحافة وشعر مجعد تغطيه بفوطة سوداء، اينما حلت كانت تعتقد ان الناس يكنّون لها العداء او الحسد، واذا ما ذهبت للتسوق تريد من الباعة ان يخفضوا لها الاسعار واذا لم يفعلوا، تظهر تذمرها من الحياة والناس. الزوجة الرابعة كانت تلقب بالزوجة الروحية، كان لديها ولد وبنت غاية في الجمال الا انها تمنعهما من الاختلاط بنا. كانت تجلس ساعات طويلة في غرفتها وتغرق في موجة من الافكار والتاملات وهي تجلس قرب الموقد والى امامها ابريق شاي وعلبة سجائر. لم تكن تميل الى الحديث مع الاخريات بعكس الزوجة الخامسة او الزوجة المادية كما كانت تسمى. كانت تحب الفلوس كثيرا وانها كانت اكثر واحدة من الزوجات لديها ذهب ومال، وكانت اكثر النساء طاقة وكرما. في ايام رمضان كانت تحافظ على طقوس تناول الطعام سوية رغم المشاحنات بينها وأولادها من جهة وبين زوجات الاب واولادهن من جهة اخرى.
كان أبي قادرا على الحب وبإمكانه ان يمنح نفسه كليا لعالم المرأة التي يقضي ليلته معها، وبغض النظر عما كان يحفزه ويبقيه معافى ليس ثمة شك بانه كان يبذل جهودا كبيرة في تحقيق هدفه للتوفيق بين عوالم زوجاته، على سبيل المثال حينما كان يقضي ليلته مع أمي كان أبى يتحدث عن عواطفه ورغباته وكأن جسده كله يشع مشاعر وحماسا وعواطف جياشة، كذلك نقاشه واحاديثه مع شقيقاتي سلوى ولميعة وسالمة وشقيقي رشيد بصدد حياتهم في المستقبل، كانت امي تنجذب لحرارة احاديثه، لكن كلما تقدم الوقت اخذ حماس ابي يضعف ليعتريه شعور اقرب الى الحزن في صباح اليوم التالي. في الليلة التالية تستبدل تلك المشاعر الحارة بالكلام المنطقي عن مشاربع واقعية وهو يجلس الى جوار زوجته المادية. عندما يحدث واكون متواجدا مع اولاد الزوجة المادية في غرفتها كنت استمع الى ابي وهو يتحدث عن كيفية استثمار وتنمية مالها كما لو انه ليس رجل الليلة الماضية نفسه. وحينما يوغل الليل في تقدمه كان ابي ينظر بين حين واخر الى ساعته ذات السلسلة اشارة منه لي بالانصراف وهو يسألني متى يبدأ دوام المدرسة في الصباح؟ فاشعر بالارتجاف والعذاب كأنني موشك على السقوط في هوة ليس بوسعي الخلاص منها.
/5/2012 Issue 4190 – Date 3 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4190 التاريخ 3»5»2012
AZP09