أبو غائب مات .. يا رجالة – حسين الذكر

191

أبو غائب مات .. يا رجالة – حسين الذكر

لفت انتباهي حوار في ( باص كية ) مع حر الصيف سمعت احداهن تقول : ( تفوو على هالواقع .. نخلص من دكتاتور ونقع بقبضت دكتاتوريين ) . بما ان اللغو او الجدل الاجتماعي يعد مادة يسيل لها لعاب اغلب العراقيين المعروفين بكثرة الجدل وقلة العمل ، لذا لم يمر كلام الحاجة بصمت ، فردت صاحبتها ،على الفور : ( ما الفرق بين طاغية وطغاة ، هذا له ولاهله وهؤلاء لهم ولحبايبهم  ) . وبما ان الرؤى مختلفة والحال متفاوت وحرية الراي متاحة والطريق طويل والشارع طسات وحفر ومطبات ومطاعم وحلويات وبسطيات وأنواع التجاوزات ، تسهم جميعها بعرقلة المرور وتتيح قدر كاف من الوقت لاشتراك آخرين بالنقاش المحتدم ، لذا هب احدهم قائلا : ( الحكومة تحت سيطرة الأحزاب والمسلحين والاجندات الخارجية ، فضلا عن جهل سائد وفساد مستفحل ومصالح متشابكة وقوى تنفيذية نخرة تتسلم الراتب من الحكومة وتأتمر باوامر احزابها وكتلها ، لذا فان عملية الإصلاح الجذري ليست بالمتناول ، ولا سيما انكم –  يقصد الشعب – لم تثوروا وتغيروا الدكتاتور بثورة محلية ، انما جاءت قوى محتلة غيرته بطريقتها وادواتها ولأغراضها، ولا يحق لكم الكلام اكثر من اللازم ، فضلا عن كونكم ساهمتم بمعاناتكم من خلال اصراركم على انتخاب ذات الأدوات التي عرفتموها بالفشل منذ خمسة عشر عاما) ..

ساد صمت طويلا وحذر بعد ان جلدهم هذا الرجل القح العارف بما يمكنه من خرس ألسنتهم ، التفت السائق قائلا : ( تسكتون ، والا انزلكم جميعا ، يا حكومة يا بطيخ شوفوا الحر قتلني والبانزين غالي والركاب شح والوصولات والغرامات والدفع مستمر للنقابة وللمرور وأبو المولدة والايجار والفيتر .. فلا سامع ولا مجيب )

  عاش رجل بمدينة شعبية كانت تضم خليطا مجتمعيا عاما.  ذلك قبل الحرب الطائفية اللعينة التي جعلت لكل مدننا العزيزة عنوانا مذهبيا يسهل من خلالها تنفيذ الاجندات وعرقلة الإصلاحات . عاش وحيدا في بيت صغير جدا يقال ان احد الاخيار اشتراه وخصصه له. أبو غائب كما كان يسمى ، لم يعرف لاي دين او مذهب ولولا لهجته لضاعت قوميته أيضا ، كان يعيش على مساعدات الناس ولا يحمل بين يديه الا القران الكريم ، ملبسه بسيط واكله وحاجاته ابسط ، عاش بصمت مطبق وشبه اعتزال فرضت احترام الناس له ، كما انه كان يشـــــــارك على قدر المشاركة والابتسامة وربما الدمع وكأنه من عالم اخر لا يمت لسلوك القوم بشيء الا انه نابض مثلهم في الدكتاتورية كما في الديمقراطية الجميع يحسبه عليهم ولهم  ، لم يكن قبل 2003  لباسه زيتوني ليتحول الى لون سلطوي جديد، لم ينسب لعشيرة ليتحول الى أخرى ، لم يكن رفيقاً وتحول الى شهيقاً، لم يكن فقيرا وصار مليونيرا … لم ولم تعني له شيئا تلك التحولات المجتمعية الفضائحية النفاقية الحروباية فما دام بعين الله فان الله له ..

كنت اكتب عمودي الصحفي اليومي حينما سمعت صوت بعيد (لا اله الا الله ، لا اله الا الله ) ، كان نداء جمعياً شجياً ، رميت قلمي وشمرت ساعدي وخرجت اطالع من هذه العبرة التي لم نعتبر منها يوما ، فوجدت سيارة صغيرة بعز الظهيرة تصهل بشعاع شمسي عمودي يعتصر الابدان ويجلد الظهور ، تشد فوقها جنازة ويمشي خلفها بعض الرجال لا يتعدون أصابع اليد ، يصيحون لا اله الا الله ، فيما سمعت احدهم ينحب حد الاختنــــــاق الموجع ويهمهم بنفسه ( أبو غائب مات يا رجالة ..) .. لا يعرف احد اين سيتجه موكب نعش الفقيد والى أي مقبرة تاويه ، لكنهم يعلمون ان ضمير الشعب وقلب الامة أولى به؟

مشاركة