أبو عراق يجرّب أقنعة مختلفة – جبارالنجدي

349

إضاءات تحليلية في مجموعتي مثنويات ونهير الليل

أبو عراق يجرّب أقنعة مختلفة – جبارالنجدي

تشتغل مجموعة مثنويات للشاعر علي ابوعراق بخلاف اشتغالات النسخة الواحدة لدواوين شعربة يكتبها شعراء في تجربتهم لتنفل تكرارا لما قبلها للشاعر نفسه وذلك يعني ان الاشتغال الشعري في هذه المجموعة هو خارج اي مقياس سوي حيث يتطلب خروجا عن الحالة التي لامحيد عنها بل ان الشعر يقوم بتجريب اقنعة مختلفة في تقديم صورة نفسه حتى لوكان تقديم هذه الصورة عسيرا وشاقا  ممثلا في ذلك الجزء المتمرد الذي لا يتلائم مع الكل والذي يزيحه ببراعة فائقة  اذن الشعر هنا يلعب بوجهين ومن بين مايعنيه هذا اللعب اللجوء الى الاستعارة والنطق بالاشياء دون قولها تجاوزا للثوابت وهو نوع من التداول خارج الشعر وهذ الامر ينطبق بصورة متزايدة على نصوص المجموعة امتثالا لشطحات الشعر المتعذرة على التوقع  يجري ذلك بكلمة اوايماءة اولمحة بصر وعبر تصورات شعرية جديرة بتوسيع افق الاشتغال الشعري غير مرة ان اشتغال كهذا يمثل الخيط المرشد للشطط والثبات في آن معا ويشترك باكثر من تقارب مع ثبات ( رمية النرد) وتكرارها اللامتناهي  وهذا يسمح لنا مشاهدة اليات النصوص التي تصوغ خطابها الفني لا الشعري بمقارنتها مع اشتغالات فنية ترادفها في الظهور والامتاع اذ تتجسد امامنا بلاغة الفوتغراف حينما يصيره الاشتغال التعبيري ويحوله من صورة الى لوحة بامتياز عبر العدسة المأولة للتقابلات اللونية في الطبيعة التي تقترب من اللقطة الحائرة التي تبحث عن وجود ما لتحاور مكونات الاشياء والامكنة وتتشارك مع مشاعر الحب والرؤى القلبية على حد سواء بحيث يتماهى كل منهما بالآحر :

كل شئ ممتلئ بك

حتى الفراغ

فكيف تطلب مني

ان اكون في غيابك

حضورا

ان لوحة الفوتغرلف من جهة الاشتغال الشعري في المجموعة لاتعني ابدا اي صورة مؤطرة باطار وان الجهد الاشتغالي يجري المرة بعد المرة ليفصح عن لمحات صوفية معترف بها كونيا بل هي زاخرة بحراك كتابي تمليه طبيعة الحفر خلف الواقعات  اذن بوسعنا القول ان الاشتغال الشعري في المجموعة لايصبو الى معرفة الحقائق بقدر ما يكون في حوزة تجلياتها وهو مؤشر على توالد شعري قائم على زوال الفرق بين الشعر وترسيمات حدوده نظرا لماينتجه من تبصرات قلبية تعتمد على زوال تبدلاتها فالزائل بوجه عام هو كل حد ينتظر شيئا لدرجة ان الوجود يصبح موئلا للتطابق مع العدم :

وبعد ان عرفتك

واصبحت عدمي ووجودي

صارت الاشواق

تستنجد بي

لتعرف نفسها

وأقودهاالى ينابيع الحنين

لعل الشعر هنا يبدو متهما بعائديته لغير ذاته لكن هذه العائدية ناجمة عن اشتغالات منتظرة وليس مفروغا منها بسبب ان معطيات الفضاء الشعري تكرس نفسها للكشف عن ماورائيات متسربلة بضبابية الدهشة الفاتنة وطيران ماهو ارضي وماتفعله المرايا الشعرية من نسخ بصري للواقع وتبيان مظاهر الاشياء بالوان طيفية جذابة تجعل الشعر في موضع رهان مستمر بوصفه تجليا استباقيا قبل كل شئ متطلعا الى التقاط حلم الاعين المفتوحة وبالتالي فهو مثل السحر الذي يجعل التراب ذهبا فالشعر في هذه الحالة يصيخ السمع لما لم يصل الى مسامع الشعر نفسه عبر تنائيات نوغل في سماعها :

معك

حتى ينفصل الشعاع عن النور

والمطر عن الزهر ان مايبغيه هذا الاشتغال الشعري هو

فك بنى الكتابة الشعرية والعمل على اظهار عوزها ويقف نص (لاينبغي لن تتركني وحيدا ياشليمنصر ) للشاعر علي ابو عراق

تماثلات ضدية

بموازاة هذا الاشتغال الواقع في ظل الغوامض والتماثلات الضدية التي تظهر باوضح صورها في هذا النص عبر خطوط متماثلة ومسكونة بالتضاد في آن نتيجة للاشتغال الشعري وتوجهاته الدينية الملتبسة بالسياسة والجنس وهاجس الحرب على نحو اشد حيث نتبين ان الحدود التي تفصل بين هذه المتضادات على درجة عالية من الاشكالية لاسيما وان مواطن ضعف الاشرار تصبح قرينة لمواطن ضعف القديسين في حيازة اي وجه من وجوه المعنى الناجم عن تضادات الاشتغالية الشعرية التي اريد لها ان تتقن المقاربة بين معطيات الخير والشر فكليهما في واقع الفعل متكونا بالآخر بقدر مايصارع ضده فالخير لايمكن تأكيد صوره المتضمنة لعوامل الايحاب الا من خلال تأكيد وجود الشر اذ يكشف النص عن وجه التضاد التدميري الذي يظهر في ازمات حضارية مترافقا مع ازمنة شتى من حياة مدينة فالتحضر الذي يسعى الى امتلاك قوة قاهرة قد يؤدي الى اقتراف اشد الجرائم بربرية ويعني ذلك ان الاثر الذي ينتجه ذلك التحضر مشروط بالامحاء اوالاحالة على الآخر وهو يشبه ويتماثل مع الزامية تقبل الحياة والتي تعني في حقيقتها تقبل الموت ايضا بمعنى ان كل اثر يرسم ملامح زوال اثر تال له

مضامين اقصائية

ان النص يوحي بنوع من المضامين الاقصائية التي بوسعها التنقل من طرف لطرف آخر حيث كل منهما يسلك طريقا مجاورا لضده في تأدية اشتغالات النص فكل شئ يكتبه النص يتوق الى شطبه بعد حين ليصبح النص برمته عبارة عن تمثيل لرغبة ممحوة مايحملتا على الاعتقاد بأن وجود النص كامن في النهاية بمحوه ومؤسسا لحركة التي تمثل نقضا واخرى تمثل تلائما

وبحسب هذا الاعتبار فأن النص يتهيأ في كل لحظة لانكار دوره تبعا لألحاقاته المفتوحة على غيره فنراه من جهة يقول مؤكدا ضياع الهدف :

ها أنتذا تهيم بلا هدف

تتعثر باشلاء نمرودك المتناثرة

ثم يعود ليؤكد القول بصورة مغايرة:

وانت بطل الامبراطورية النامية

توقفت عن احصاء انتصاراتك

والابطال الذين هزمتهم

قبل ثلاثين قرنا

وهكذا نجد النص يمثل ضربا من البنى الناقصة وغير الوافية والتي لاتجتمع اغراضها على قصد بعينه وهو دليل على تفكك حضارة القوة الغاشمة وضياع مقاصدها التي يكررها التاريخ في أحايين كثيرة:

على ربوات نينوى حل المساء ثقيلا

مرصعا بنجوم الوحشة

وأنت تقلب وجهك كمتسول طريد

في قصر ابيك ملك ميسيوبوتاميا

الغارق بالذل والظلمات

اذن مايسعى اليه النص هو التعلق ببقاياه والانشداد الى لواحقه نظرا لما يتمتع به من نقل الاهتمام من حالة لاخرى فكل معنى اودلالة لايمكن امتلاكها طويلا تجسيدا لقصدية النص التي تشير الى ان زوال كل شئ رهن بانتاج حضارة القوة الغاشمة ويقينا فان مايحفل به النص من متغيرات تتجاوز اهمية اي معنى اودلالة فالمعاني في هذا النص بجانب دلالاتها لاتعدو ان تكون سوى مقترحات غير مستقرة وحبيسة المتغيرات في آن معا يجري ذلك عبر محاولات غرضها الوصول الى الحد الذي لااحد يصله وعلى هذا الاساس يكون النص طرفا في لعبة لاينتهي اللاعبون من ادائها وتمثل الحضور اللحضوي لمعاني النص التي لاتحفل بأي معنى بقدر ما تحفل بأفضلية المتغير الذي يفترض متلقيا محتشدا بالفضول ومترقبا لكل ما من شأنه ان يطيح بالجبروت وراصدا لاحداث جرت في ظل ذلك الجبروت في الماضي والحاضر معا محملة بالمزيد من القسوة والتقلبات المدمرة التي خلفتها السلوكية الشائنة للقطعان وما نجم عنها في عصرين متباعدين:

ألم تر هذه القطعان الكثيفة من الكلاب

وهي تنبح بعمائمها السود

فقدت رباطة جأشك

وبدون ادمة ريب فان الشعر في قصيدة الاحلام للشاعر الوعراق بخصائص شيطانية تشبه الى حد بعيد مضاعفات الاحتمال وانشطاراته القائمة على تكرار الفكرة الواحدة عبر معان لايمكن ايقافها وهي طريقة حديثة النشوء في شعر الشاعر علي ابوعراق على مااظن فالقصيدة تقدم نفسها بهذه الصفة التي تجعلها تنتزع نفسها من السياق الشعري المعتاد للشاعر ذاته وهو انقلاب لصالح الشعر وتحريات الشاعر في اشتغالاته الشعرية التي بدأت تظهر من خلال تجربة شعرية يعتريها التقلب الابداعي الذي من شانه الكشف عن مجاهل اللعب الشعري واجتهاداته الدائمة في اللحاق بنوازع الانسان وكينونة الوجود من حوله جاء هذا الاشتغال بعد بحث طويل نتج عنه نص ظهر من مخاض التجريب الابداعي وراح يتجرجر منقادا الى مضاعفات شعرية تتوالى لتفصح عن قدرة كتمان المعنى واظهاره في آن معا والذي يقوم في الآن نفسه على ايقاظ روح الاشياء التي تهيم في عبقرية الطبيعة وتمضي الى ماوراء السحري في الشعر حيث يعقد الامل في منح الشعر سموا لتكهناته ومن دون رنين اجوف اذ يجعلنا هذا الاشتغال نرى دهشة الشعر بمنظار مقرب وتصبح الصورة الشعرية في متناول اليد بانتظار فرص استثمارها من قبل القارئ عبر النظرة الفاحصة لتقادم الاحلام والاشياء على حد سواء :

الاحلام تبلى هي الاخرى

كما تبلى القمصان والاحذية

ربما

بفعل التضاريس اوالرغبة

في قهر وساوس الريح

والتوغل في خاصرة الزمن

يفصح الاشتغال الشعري في هذه القصيدة عن تجربة يسودها الابتكار على مستوى التكنيك الكتابي الشعري المتوازي بين طرفين متناقضين حيث بوسعه ان يجمع بين طرفي التفاني والانكار والوصول الى اداء تأليفي مذهل يتقن التوالي في التنويع على فكرة واحدة مولدا شعورا لايقاوم على متابعة سير النص حتى النهاية بالرغم من معاكسته لتيار صاخب من الشعر السائد والمألوف حيث من الصعب ان يحل نص ما في موضع الندرة من الشعر من دون ان يحطم اوثان الشعر ذاتها :

وها انذا

منذ ابتلع طيري طعم الخديعة

وغدا يحلق بجناحين منزوعي الريش

تحدوه رغبة مريرة

في تحطيـــــم ماادخر معبده من اوثان

ان النص وهو يذهب قدما في تدوير الاطراف المتضادة للافاظ بأمكانه ان ان يلغي المسافات الكائنة بين الشاعر وما يرومه من رغبة في احداث صدمة شعرية يستند قوامها على التوالي في المعنى والدلالة سالكا دروبا تتصل حيثما تتفرق لتلتأم في نهاية الامر بضربة ماهرة من الدهشة التي تدق في اقصى الفناء :

فليس ثمة شاعر

دون بحيرة من اسماك الوهم

ودون اوكار كثيفة

لغربان الضياع

يظل النص منهمكا في تحديد شيئ لايمكن تحديده ابدا عبر استغراق محموم مقرون بالافتنان وغارق بشحنات ثنائية من تقابلات المعنى التي تطرح عذابات ناجمة عن احتدام المخيلة حيث يتقن الشعر درسا اضافيا وتأثيرا حاسما بشحن سياق النص الذي يسمح لنفسه بظهور تجليات شعرية قد تبدو مفهومة للجميع لكنها تغور في العمق المصتعصي للتأمل الشعري على بساطته الظاهرة والذي لايجبز في ذات الوقت لأحد بعينه ان يمتلك مفاتيح الشفرات الكاشفة لاسرار النص ومايحيط به من هالة متزايدة بنبرة التأسي والمناجاة :

اسأل العابرين فردا فردا

هل ان وجعي كما تحبون ؟

هل يكفيكم للسخريةاو الرثاء؟

هل ان قلبي ؟

لم يزل حسن الظن بكوابيسه

وتضرب ببياضه الامثال ؟.

مشاركة