أبواب الحزن الكامن – مقالات – مفيد بدر عبدالله

أبواب الحزن الكامن – مقالات – مفيد بدر عبدالله

 لا يختلف اثنان على أن للمكان تأثيرا كبيرا على مزاج ساكنيه، ولا تنفك عين الانسان وهي تبحث عن كل ما هو جميل ومبهر، فتضاريس الامكنة الجميلة تبرق بتعاطف كبير مع الطبيعة وتؤثث لمنظور يمازج بين عظمة الكون وروعة خلق خالقه، ومن هنا فان اغلب الامكنة الجاذبة مثل المنتجعات السياحية تقام على ضفاف البحار او سفوح الجبال والغابات، دلت التجارب الحديثة بأن لمكان العمل ومحيطه تأثيرا على عطاء العاملين، فالساعات الطويلة والمرهقة لا بد من أن تتخللها استراحات بسيطة للحواس، لتنجز نوعا من التنشيط للدماغ، وهذا مالا يتوفر في الدائرة التي اعمل فيها، فجميع أبوابها ونوافذها تطل على  البابين المخيفين لمستشفى ابي الخصيب، أحدهما لشعبة الطوارئ التي تستقبل الحالات الحرجة للمرضى ومصابي الحوادث، أما الاخرى مخصصة لخروج جثث الموتى من ثلاجة حفظها، ما بين البابين يتجمع العشرات يوميا اما من ذوي المصابين والموتى لاستلام جثثهم، مفجوعين بمصابهم، بكاء وعويل يخترق كل غرف دائرتي، بعض المتجمعين لهم طقوسهم الخاصة في استلام الجثة، يلقون اشعارا تصف مآثر المتوفى -حقيقية ومزعومة- ففي كثير من الاحيان لا يعرف الشاعر عن سيرة المتوفى شيئا، صراخ الأحبة وبكاؤهم يترك اثرا كبيرا في نفوس موظفينا، فيجدون انفسهم ملزمين بالذهاب لمجالس العزاء، فمن غير المعقول ان تكون في هذه الدائرة ولا تعرف المتوفين، فأسماؤهم تتردد في كل صرخة تخترق آذان جميع الموظفين، وليس من بينهم أصم، أنشأنا صندوقا لدفع الواجبات لكنه سرعان ما ينفذ بعد اسبوع من بداية كل شهر ما يضطرنا للجمع ثانية وثالثة ورابعة احيانا، ما يشكل عبئا على بعضنا، لكن العبء الاكبر ما تتركه تلك المناظر من اثر في نفوس موظفينا، ومن الصعب ان تمحى تلك المناظر من الذاكرة بسهولة، وأن نسينا فلن ننسى مشهد مرور نعش المرحومة” أم عدنان” رحمها الله التي لحقت بابنها حال سماعها خبر وفاته بحادث مروري من قبل، المشهد ظل محفورا في الذاكرة، فلقد اخرج نعشها قبل نعش ولدها من المستشفى، ومثلها اخت لحقت بأخيها الشهيد، هذه المناظر ومناظر أخرى يصعب محوها من الذاكرة، تكّدرني لساعات، أحاول نسيانها او تناسيها بالجلوس لبعض الوقت أحادث اصدقائي على صفحتي( الفيس بوك)، أذهب معهم بعيدا هاربا من واقع مرير، لكــــن زميلي ابو سجاد لم يتركني بحالي، وجدت على صفحتي طلبا منه للأعجاب بصفحة “وفيات ابي الخصيب”، الصفحة الفريدة من نوعها التي حظيت باهتمام واسع للغاية من داخل القضاء وخارجه، فعدد معجبيها تخطى الآلاف، قادني فضولي أن أتصفحها، غرقت عيناي بالدموع وانا ارى صورا لاحبة غادرونا للثرى، لم يبق منهم سوى صدى الصوت، صدى الذكرى، دوي الضحكات،  شيء ما جعلني اوافق على طلب أبي سجاد، فقد أضحت عبارات التعازي و القطع السوداء من مفردات حياتي، وعدد موتى الصفحة مضاعف لما كنت اسمع عنه وارى من نعوش تخرج من المستشفى امام دائرتي في الصباح، أن قبولي السريع للانضمام للصفحة هو دليل على اني مثل الالاف من معجبيها وجدناها  تفتح بابا للتنـــفيس عن ما تحــمله نفوسنا من حزن كـــــامن .