أبناء‭ ‬قرية‭ ‬البشير‭ ‬أسعد‭ ‬السودانيين‭ ‬لرحيله

576

حوش‭ ‬بانقا‭ ‬-(أ‭ ‬ف‭ ‬ب)‭ ‬‭ ‬في‭ ‬حوش‭ ‬بانقا،‭ ‬قرية‭ ‬الرئيس‭ ‬السوداني‭ ‬عمر‭ ‬البشير‭ ‬الذي‭ ‬أطاحه‭ ‬الجيش،‭ ‬يعبر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬عن‭ ‬ارتياحهم‭ ‬لرحيل‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬حكم‭ ‬بلادهم‭ ‬لمدة‭ ‬30‭ ‬عاما،‭ ‬متهمين‭ ‬إياه‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬شيئا‭ ‬لتنمية‭ ‬منطقتهم‭ ‬الفقيرة‭. ‬يقول‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬عبد‭ ‬الحميد،‭ ‬المزارع‭ ‬من‭ ‬قرية‭ ‬حوش‭ ‬بانقا‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يرتدي‭ ‬اللباس‭ ‬التقليدي،‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬«أنا‭ ‬من‭ ‬قريته‭ ‬ولكنني‭ ‬لم‭ ‬استفد‭ ‬من‭ ‬حكمه»‭. ‬عاش‭ ‬البشير‭ ‬طفولته‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القرية‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬170‭ ‬كلم‭ ‬شمال‭ ‬العاصمة‭ ‬الخرطوم،‭ ‬وولد‭ ‬فيها‭ ‬يوم‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬عام‭ ‬1944‭. ‬وقال‭ ‬حميد‭ ‬«أفراد‭ ‬من‭ ‬أسرته‭ ‬(البشير)‭ ‬استفادوا‭. ‬لديهم‭ ‬سيارات‭ ‬ومزارع‭ ‬وأبقار،‭ ‬ولكننا‭ ‬لم‭ ‬نستفد‭. ‬لا‭ ‬أشعر‭ ‬بالحزن‭ ‬لرحيله»‭. ‬بعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الحكم،‭ ‬أطاح‭ ‬الجيش‭ ‬البشير‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬نيسان/ابريل‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬ضد‭ ‬حكمه‭.‬

وتولى‭ ‬البشير‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬انقلاب‭ ‬مدعوم‭ ‬من‭ ‬الاسلاميين‭ ‬في‭ ‬1989‭ ‬ضد‭ ‬حكومة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الصادق‭ ‬المهدي‭ ‬المنتخبة‭ ‬ديموقراطيا،‭ ‬الذي‭ ‬يرأس‭ ‬حالياً‭ ‬حزب‭ ‬الأمة‭ ‬المعارض‭ ‬الرئيسي‭.‬

على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات،‭ ‬أثبت‭ ‬البشير‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الاستمرار،‭ ‬وتجنب‭ ‬محاكمته‭ ‬أمام‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية،‭ ‬وتغلب‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬الداخلية‭.‬

عُرف‭ ‬البشير‭ ‬الذي‭ ‬يتمتع‭ ‬بخلفية‭ ‬عسكرية،‭ ‬بخطابه‭ ‬الشعبوي‭ ‬وحرص‭ ‬على‭ ‬التقرب‭ ‬من‭ ‬الحشود‭ ‬ومخاطبتهم‭ ‬باللهجة‭ ‬المحلية‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬مصيره‭ ‬تقرّر‭ ‬عندما‭ ‬لبّى‭ ‬الجيش‭ ‬مطالب‭ ‬عشرات‭ ‬الاف‭ ‬المحتجين‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬وباقي‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬التي‭ ‬اشعلها‭ ‬قرار‭ ‬الحكومة‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الخبز‭ ‬ثلاثة‭ ‬أضعاف‭.‬

ولم‭ ‬تصل‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬إلى‭ ‬شوارع‭ ‬حوش‭ ‬بانقا‭ ‬التي‭ ‬تغطيها‭ ‬الرمال‭. ‬ولكن‭ ‬ناصر‭ ‬ابراهيم‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬القرية‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬مسرور‭ ‬لرحيل‭ ‬البشير‭. ‬وأضاف‭ ‬«انظر‭ ‬الي‭ ‬منازل‭ ‬القرية‭ ‬وحتى‭ ‬المدارس‭ ‬التي‭ ‬درس‭ ‬فيها،‭ ‬لم‭ ‬يُعد‭ ‬بناءها‭ ‬الا‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سقط‭ ‬احد‭ ‬الاطفال‭ ‬في‭ ‬احد‭ ‬مراحيضها»‭.‬

‭- ‬‮«‬30‭ ‬عاماً‭ ‬كفاية‮»‬‭ -‬

معظم‭ ‬منازل‭ ‬القرية‭ ‬من‭ ‬الطين،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مسكن‭ ‬عائلة‭ ‬البشير‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مبنى‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬طابق‭ ‬واحد‭ ‬ملحقة‭ ‬به‭ ‬ساحة،‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬المباني‭ ‬في‭ ‬القرية‭.‬

ومعظم‭ ‬شوارع‭ ‬القرية‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬ممرات‭ ‬رملية‭. ‬والشارع‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬القرية‭ ‬بالطريق‭ ‬السريع‭ ‬المؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الخرطوم‭.‬

وفي‭ ‬حوش‭ ‬بانقا‭ ‬مستشفى‭ ‬يوفر‭ ‬الرعاية‭ ‬الطبية‭ ‬للقرى‭ ‬المجاورة،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬جزء‭ ‬منها‭ ‬قيد‭ ‬الانشاء‭.‬

وفي‭ ‬القرية‭ ‬مركز‭ ‬اجتماعي‭ ‬للنساء‭ ‬والأطفال‭ ‬أقامته‭ ‬زوجة‭ ‬البشير‭ ‬الأولى‭ ‬فاطمة‭ ‬خالد‭.‬

وفي‭ ‬قيظ‭ ‬الظهيرة،‭ ‬يبقى‭ ‬معظم‭ ‬الناس‭ ‬داخل‭ ‬منازلهم‭.‬

وفي‭ ‬القرية‭ ‬ايضا‭ ‬سوق‭ ‬صغير‭ ‬يبيع‭ ‬الخضر‭ ‬المزروعة‭ ‬محلياً‭.‬

والقرية‭ ‬ليست‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬اهرامات‭ ‬مروي‭ ‬الشهيرة،‭ ‬ولذلك‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬قطع‭ ‬أثرية‭ ‬فيها‭.‬

ابراهيم‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬انه‭ ‬يمت‭ ‬بصلة‭ ‬قرابة‭ ‬للبشير،‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الاخير‭ ‬«شخص‭ ‬عادي»‭.‬

ويضيف‭ ‬أن‭ ‬البشير‭ ‬«كان‭ ‬يأكل‭ ‬ما‭ ‬نأكل‭. ‬وعندما‭ ‬يأتي‭ ‬للمناسبات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬قصصه‭ ‬وذكرياته،‭ ‬وهو‭ ‬ليس‭ ‬فاسدا‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬يحمي‭ ‬الفاسدين‭. ‬ولكنني‭ ‬اعتقد‭ ‬ان‭ ‬30‭ ‬عاما‭ ‬(في‭ ‬الحكم)‭ ‬تكفيه»‭.‬

‭ ‬«يستحق‭ ‬أن‭ ‬يرحل»‭ ‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬البعض‭ ‬عبروا‭ ‬عن‭ ‬حزنهم‭ ‬لرحيل‭ ‬البشير،‭ ‬وبينهم‭ ‬محمود‭ ‬عيسى‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬البشير‭ ‬«رجل‭ ‬ورع‭ ‬وتقي،‭ ‬وأجبر‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬بسبب‭ ‬التمرد‭. ‬فلو‭ ‬كنت‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬البلد‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬تستخدم‭ ‬القوة»‭.‬

وأضاف‭ ‬«صحيح‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬منهار،‭ ‬والغلاء‭ ‬شديد‭ ‬والناس‭ ‬لا‭ ‬يحصلون‭ ‬على‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬الأساسية،‭ ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬بسبب‭ ‬الحروب»‭.‬

وشهد‭ ‬حكم‭ ‬البشير‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬بينها‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬من‭ ‬1983‭ ‬حتى‭ ‬2005‭ ‬وأدت‭ ‬إلى‭ ‬مقتل‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬وبلغت‭ ‬ذروتها‭ ‬في‭ ‬انفصال‭ ‬جنوب‭ ‬السودان‭ ‬في‭ ‬2011‭.‬

كما‭ ‬اندلع‭ ‬نزاع‭ ‬انفصالي‭ ‬دامٍ‭ ‬في‭ ‬اقليم‭ ‬دارفور‭ ‬غرب‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬2003‭ ‬عندما‭ ‬حمل‭ ‬المتمردون‭ ‬الاتنيون‭ ‬المهمشون‭ ‬السلاح‭ ‬ضد‭ ‬الحكومة‭ ‬التي‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬العرب‭.‬

وفي‭ ‬2011‭ ‬اندلع‭ ‬نزاع‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬ولايتي‭ ‬النيل‭ ‬الأزرق‭ ‬وجنوب‭ ‬كردفان‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬الحكومية‭ ‬والمتمردين‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬سكان‭ ‬القرية‭ ‬الشباب‭ ‬وبينهم‭ ‬محمود،‭ ‬الذي‭ ‬رفض‭ ‬كشف‭ ‬بقية‭ ‬اسمه،‭ ‬لم‭ ‬يقتنع‭ ‬بما‭ ‬قاله‭ ‬عيسى‭.‬

وقال‭ ‬«اؤمن‭ ‬بأنه‭ ‬(البشير)‭ ‬يستحق‭ ‬الرحيل‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يحمي‭ ‬الفاسدين‭. ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬حوش‭ ‬بانقا‭ ‬او‭ ‬مدينة‭ ‬شندي‭ ‬تظاهرات‭ ‬ولو‭ ‬حصل‭ ‬ذلك‭ ‬لخرجت‭ ‬فيها»‭.‬

ولتأكيد‭ ‬رأيه‭ ‬رفع‭ ‬يده‭ ‬بعلامة‭ ‬النصر‭ ‬وهتف‭ ‬«تسقط‭ ‬بس»،‭ ‬وهو‭ ‬الهتاف‭ ‬الذي‭ ‬أطلقته‭ ‬حملة‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬إطاحة‭ ‬البشير‭.‬

مشاركة