أبعاد الغزو الأمريكي للعراق – شاكر كريم عبد  

945

 

 

 

 

 

أبعاد الغزو الأمريكي للعراق – شاكر كريم عبد

بدأت الحرب العراقية رسميا في20 مارس/ آذار 2003 ونشر التحالف بقيادة الولايات المتحدة الامريكية قوات قوامها اكثر من 200 الف جندي على الرغم من عدم وجود تفويض من الأمم المتحدة وفي ظل احتجاج ملايين الأشخاص في شتى أرجاء العالم وكان ذلك يعني تدخلا سريعا في أطار حملة تهدف لاحتلال العراق بذرائع واهية. ففي يناير/ كانون الثاني 2002 ذكر الرئيس الأمريكي جورج بوش خلال كلمته في خطاب حالة الاتحاد السنوي العراق بالاسم كجزء من ” محور الشر” الذي يضم ايران وكوريا الشمالية. وبعد أسبوعين  أدلى وزير الدفاع الأمريكي دونا لد رامسفيلد على سؤال بشان العراق وأسلحة الدمار الشامل خلال مؤتمر صحفي” نعرف أين أسلحة الدمار الشامل، انها في المنطقة حول تكريت وبغداد وشرقها وغربها وجنوبها وشمالها” وفي ابريل/ نيسان أدلى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بكلمة أمام البرلمان تحمل انتقادات  للحكومة العراقية بقوله” نظام صدام يطور أسلحة الدمار الشامل، انه تهديد لشعبه ولنا أيضا اذا أتيح له تطوير مثل هذه الأسلحة ” في حين أعرب الرئيس الفرنسي في حينها جاك شيراك عن معارضة شديدة للتدخل العسكري الأمر الذي عكر صفو العلاقات بين باريس وواشنطن بقوله ” بالنسبة لنا تعد الحرب دائما دليلا على الفشل وأسوأ الحلول لذا يجب بذل الجهود لتجنبها”  وكذا الحال بالنسبة للرئيس فلاديمير بوتين” اذا سمحنا بان يحل قانون القوة محل  القانون الدولي حينئذ سيكون مبدأ حرمة سيادة الدولة محل شك” كما أعرب ساسة أمريكيون عن قلقهم  من بينهم بارك اوباما، سيناتور ولاية الينوى الذي لم يكن ذائع الصيت في ذلك الوقت ” لااعارض جميع الحروب بل أعارض الحرب الغبية، حرب لاتتاسس على سبب بل على الرغبة، لامبدأ لها، بل تتأسس على السياسة” وفي لندن تجمع حشد تجاوز المليون شخص في مسيرة كبيرة احتجاجا على الحرب، كما أعرب واحد من الشخصيات الرئيسية في حكومة رئيس الوزراء توني بلير السابقة “روبين كوك” الذي قدم استقالته على خلفية هذه القضية بقوله ” المجتمع الدولي والرأي العام البريطاني غير مقتنع بسبب ملح لهذا العمل العسكري في العراق” وكذلك الحال بالنسبة للملك عبد الله الثاني الذي قال” نعارض بشدة قتل النساء والاطفال نحن مع شعبنا الرافض للغزو” وآخرين لايتسع المقال ذكرهم          لقد أدركت الولايات المتحدة الأمريكية منذ أمد بعيد أهمية منطقة الشرق الأوسط وخاصة العراق لما يمتاز به من موقع إستراتيجي ووفرة في الإمكانات الاقتصادية  الهائلة والثروات النفطية ، والبعد الحضاري . مما جعله ضمن مخططاتها في المنطقة كما ان هذا الغزو في حد ذاته ورقة رابحة استهدفت من ورائها استفزاز الأقطاب الدولية  الأخرى  وتجريب مدى قدرتها على المناورة ودفعها للكشف عن اوراقها بالإضافة الى ان العراق يقع في منطقة لاتزال  ترفض  السياسة الأمريكية  كسوريا وإيران. جعل العراق دولة عازلة بينهم ، فهي بهذا تعمل على فرض نظام جديد موالي لها في المنطقة العربية حيث تعتبر العراق القلب النابض له لذا عملت على قلب الموازين في المنطقة ، و إعادة تشكيل البيئة الداخلية وفقا لما يتماشى مع مصالحها ومخططاتها الإستراتيجية  والحفاظ على امن “إسرائيل” بإزاحة العراق من معادلة القوى الإقليمية  لصالح “إسرائيل” ، بحيث تصبح المستفيد الأول  من هذا الغزو وتعزز مكانتها في المنطقة العربية . كان الغزو الأمريكيُّ للعراق – وما زال – كارثةً إنسانيَّة، البعض يُحاول تفسير تلك المأساة على اعتبار أنَّها مجرد نتيجةٍ ثانَويَّة، وهم يبرِّرون موقفهم بغياب القصد، لكن بِمُراجعة مبادئ القانون الدوليِّ ذات الصِّلة والسياسة الأمريكيَّة تجاه العراق، يتَّضح أن المأساة الحاصلة في العراق، هي عنصر أساسي في سياسة واشنطن، والقصد الذي يرى البعضُ غيابه هو في واقع الأمر واضحٌ وجلي . كان تبرير امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل،من ابرز واهم التبريرات التي حاولت الإدارة الأمريكية وعلى لسان وزير خارجيتها (كولن  باول ) ترويجها في الأمم المتحدة ومجلس الأمن.وقبل وقوع الحرب صرح كبير مفتشي أسلحة الدمار الشامل في العراق (هانز بليكس) ان فريقه لم يعثر على أسلحة نووية او كيماوية وبيولوجية،ولكنه عثر على صواريخ يفوق مداها عن المدى المسموح به في قرار الأمم المتحدة الرقم 687 لعام 1991 (150 كم) وكان العراق يطلق على هذه الصواريخ “صواريخ الصمود”. من هنا يمكن القول: ان بامكان الولايات المتحدة الأمريكية استخدام القوة ضد أي دولة تتصورها معادية لها وتهدد امنها عن طريق اضعافها وضربها قبل تحركها وهي في عقر دارها. وبدا هذا الادعاء بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وتطوير الأسلحة البيولوجية وبناء برنامج نووي كما تم اتهام العراق برعاية الإرهاب. وعدم تعاونه مع لجان التفتيش الدولية رغم ان ذلك لايتفق مع الشرعية الدولية والنظام الدولي. وفي الحقيقة ان جميع هذه المبررات والذرائع كانت واهية وتخفي ثناياها خلفيات وأهداف أخرى  لان العراق ابدى تعاونه مع المفتشين الدوليين في اطار قرار مجلس الامن كما ان الولايات المتحدة لم تستطع إثبات امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل او تعاونه مع تنظيم القاعدة والإرهاب.فهذا الاحتلال الغاشم والهمجي أجهز على ارث العراق وحضارته. ومؤسسات دولته وبنيته التحتية،وجيشه الوطني،وأجهزته الأمنية والإدارية والقانونية والاقتصادية،وترك المجتمع العراقي،في فراغ وتشتت، وانهيار تام وتقسيم .واضحي  العراق يعيش في صراعات سياسية،ونزعات قومية وطائفية مقيتة،وفساد مالي وأداري لم يشهد العراق مثيله من قبل.فالتعصب القومي والطائفي والاثني. ولم تنعم البلاد بالسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان كما يزعمون. ان السبب الرئيسي لاحتلال العراق هو السيطرة  على نفطه الذي يمثل اكبر احتياطي عالمي والتحكم بأسعاره  وأسواقه وإنعاش الاقتصاد الأمريكي. وهذا ما صرح به  بول ولفووتييز  بقوله ( لم يكن إمامنا أي خيار  في العراق، فالبلد يسبح على بحر من البترول).(و يعتبر بول ولفوفيتز منّظراً نموذجيا للسياسة الخارجية الأميركية وهو يؤمن بأن لدى بلاده مهمة جليلة تقضي بنشر الديمقراطية والحريات في العالم على الطريقة الأمريكية. كان مسئولاً عن الشرق الأوسط في وزارة الخارجية. وتولى منصب مساعد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ويعتبر ولفويتس المهندس الأول لحرب العراق التي اندلعت عام2003) نجا من هجوم بالصواريخ استهدف فندق الرشيد في بغداد التي قام بزيارتها بعد ستة أشهر من الاحتلال في أكتوبر 2003. ومايمكن قوله ان الغزو الأمريكي للعراق لم يكن ذا أهداف سياسية وعسكرية بل هو مجزرة مقصوده ومتعمدة ضد الشعب العراقي بكل أطيافه وشرائحه. ولاتزال أثار الغزو الأمريكي واضحة ولن ينساها العراقيون وستبقى مشهدا قاسيا أمام أنظارهم لسنين قادمة كما تبقى دروسها للأجيال المستقبلية وستبقى أمريكا وقواتها المحتلة هي الدولة الغازية الكاذبة وهي من دمرت البلد وأحرقته بكل ما تملك من ذخيرة عسكرية وخطط تقوم على تفريق الوحدة الوطنية بمختلف الأساليب والتدمير للمؤسسات  الحكومية واحراق الوثائق وسرقة البنوك والمتاحف التراثية في مختلف المحافظات وسرقة كل نفيس وغال فيها. وفككوا ودمروا الجيش العراقي الباسل الذي كان يوصف بأنه من أقوى الجيوش العربية وفي الشرق الأوسط. لم يكتفوا بتدمير معداته وتحطيم ممتلكاته الذي يعود تاريخها الى عشرينيات القرن الماضي بعد ان كان العراق البلد الكبير اقتصاديا، الغني بثرواته الطبيعية الكثيرة وصاحب رابع اكبر احتياطي للنفط الخام في العالم . لقد أصبح العراق بعد الغزو الأمريكي أشبه بمزرعة مليئة بالخيرات تتناهشها الذئاب وليس لأهلها في خيراتها سوى الاسم والمعنى!! فشعب يعاني من مشاكل الخدمات ويفتقر للكثير من مقومات الحياة الكريمة في بلد يعم الفساد المالي والإداري في ربوع مؤسساته. ومن هنا لانبخس دور المقاومة الوطنية التي واجهة القوات الغازية بأحرف البسالة والشهامة العراقية. صفحات تاريخية مشرقة شرفت العراقيين بمختلف مذاهبهم وأطيافهم حتى تمكنت من هزيمة المحتلين الغزاة وإخراجهم من العراق يجرون أذيال الخيبة والخسران عام 2011. كانت نتيجة هذا الغزو تخبط الشعب العراقي في دوامة من المشاكل التي عصفت بكافة شرائحه منذ عام 2003 ولحد اليوم. فقد أصبح يعاني الكثير من المشكلات المستعصية والتي  أعادت المجتمع الى أنماط الحياة البدائية فهو يعاني اليوم من نقص كبير وشامل في الخدمات الصحية وتخبط في مستنقع الفقر والبطالة والفساد المالي والإداري مما عزز الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار وتفكك التركيبة الاجتماعية وخلق مشاكل طائفية بسبب القمع والاضطهاد والعنف وهذا ما جعل الشباب العراقي ومعه الغيارى من أبناء الشعب العراقي ان ينتفضوا  في الأول من تشرين الماضي رافضين العملية السياسية الهزيلة . فالثورة الشبابية حققت انجازا كبيرا للعراق وللعراقيين لأنها وجهت ضربة مميتة للطائفية وللطائفيين وإعادة اللحمة والوحدة الوطنية الى بهائها وألغت كل مشاريع التقسيم المطروحة على الساحة العراقية من قبل العقول العفنة من تجار الأزمات والحروب. بعد  ان  أصبح العراق بلا هُويّة وطنيّة جامعة مُوحّدة، وإنّما فُسيفساء من الانتماءات الطائفيّة المُتناحرة، حيث الولاء المُطلق للطّوائف وليس للوطن، الأمر الذي ألغى كُل مفاهيم السيادة والكرامة الوطنيّة وفتح  الباب على مِصراعيه أمام النّفوذ الخارجيّ، وخاصّةً الأمريكيّ والإيرانيّ و أصبح ساحة صراع بينهما.

مشاركة