آمال في السودان بتأهيل ميناء تاريخي

سواكن‭ (‬السودان‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬يحلم‭ ‬رئيس‭ ‬بلدية‭ ‬سواكن‭ ‬بإحياء‭ ‬تراث‭ ‬مدينته‭ ‬التي‭ ‬تضمّ‭ ‬ميناء‭ ‬قديما‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬والتي‭ ‬نجت‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬شهدها‭ ‬السودان‭ ‬لكنّها‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬أنقاض‭ ‬بفعل‭ ‬تقلّبات‭ ‬الزمن‭.‬

متحدثا‭ ‬عن‭ ‬ماض‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬عهد‭ ‬الملك‭ ‬سليمان،‭ ‬يقول‭ ‬أبو‭ ‬محمد‭ ‬الأمين‭ ‬أرتيقا‭ ‬زعيم‭ ‬قبيلة‭ ‬أرتيقا‭ ‬التي‭ ‬تعدّ‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬البجا‭ ‬العرقية‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬السودان،‭ ‬إنّ‭ “‬سواكن‭ ‬مدينة‭ ‬قديمة‭ ‬جدا،‭ ‬يعود‭ ‬تاريخها‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬3‭ ‬آلاف‭ ‬عام،‭ ‬وكانت‭ ‬تسمّى‭ ‬المدينة‭ ‬البيضاء،‭ ‬بسبب‭ ‬مبانيها‭ ‬الفريدة‭ ‬المصنوعة‭ ‬من‭ ‬الحجر‭ ‬المرجاني‭ ‬المستخرج‭ ‬من‭ ‬قاع‭ ‬البحر‭”.‬

ويضيف‭ “‬هذا‭ ‬كنز‭ ‬عظيم‭ ‬للسودان‭”.‬

مع‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬بين‭ ‬الجيش‭ ‬وقوات‭ ‬الدعم‭ ‬السريع،‭ ‬سيطر‭ ‬الركود‭ ‬على‭ ‬الميناء‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مزدهرا‭ ‬ويعجّ‭ ‬بالسياح‭ ‬في‭ ‬السابق‭.‬

ولكن‭ ‬وسط‭ ‬الأنقاض،‭ ‬ينكبّ‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬العمّال‭ ‬على‭ ‬ترميم‭ ‬مسجد‭ ‬يضم‭ ‬ضريح‭ ‬شيخ‭ ‬صوفي،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مشروع‭ ‬يموّله‭ ‬المجلس‭ ‬الثقافي‭ ‬البريطاني‭ ‬وتدعمه‭ ‬منظمة‭ ‬اليونسكو‭. ‬يقول‭ ‬أحمد‭ ‬بشرى‭ ‬المهندس‭ ‬في‭ ‬جمعية‭ ‬حماية‭ ‬التراث‭ ‬الحي‭ ‬للسودان‭ ‬من‭ ‬النزاع‭ ‬وتغيّر‭ ‬المناخ،‭ “‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬كان‭ ‬يأتي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬السيّاح‭”. ‬ويضيف‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس،‭ “‬نأمل‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬عندما‭ ‬يسود‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬السودان،‭ ‬أن‭ ‬يأتوا‭ ‬ويستمتعوا‭ ‬بمبانينا‭ ‬التاريخية‭ ‬الجميلة‭ ‬هنا‭”.‬

تشارك‭ ‬طالبة‭ ‬الهندسة‭ ‬المعمارية‭ ‬ضحى‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬محمد‭ (‬23‭ ‬عاما‭) ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬ترميم‭ ‬المسجد‭. ‬وتقول‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ “‬عند‭ ‬وصولي،‭ ‬أثارت‭ ‬الهندسة‭ ‬المعمارية‭ ‬دهشتي‭”‬،‭ ‬موضحة‭ ‬أنّ‭ ‬البنّائين‭ “‬استخدموا‭ ‬تقنيات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مستخدمة‭ ‬اليوم‭”.‬

كان‭ ‬الميناء‭ ‬القديم‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬جزيرة‭ ‬بيضاوية‭ ‬الشكل،‭ ‬بمثابة‭ ‬نقطة‭ ‬عبور‭ ‬لقوافل‭ ‬التجار‭ ‬والحجاج‭ ‬المسلمين‭ ‬والمسيحيين‭ ‬المسافرين‭ ‬إلى‭ ‬مكة‭ ‬والقدس،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬محطة‭ ‬لتجارة‭ ‬الرقيق‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وفقا‭ ‬لمعهد‭ ‬التراث‭ (‬ICCROM‭) ‬الذي‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬روما‭ ‬مقرا‭.‬

خلال‭ ‬الحكم‭ ‬العثماني،‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭ ‬تجاري‭ ‬حيوي،‭ ‬وفق‭ ‬أرتيقا‭ (‬55‭ ‬عاما‭) ‬الذي‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬طفرة‭ ‬عمرانية‭ ‬شهدتها‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬بينما‭ ‬وصل‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬إلى‭ ‬25‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭.‬

ويضيف‭ ‬أرتيقا‭ ‬أنّ‭ “‬الشوارع‭ ‬كانت‭ ‬مزدحمة‭ ‬للغاية،‭ ‬أجدادنا‭ ‬كانوا‭ ‬يقولون‭ ‬إنّه‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬السير‭ ‬فيها‭”.‬

تغيّر‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1905،‭ ‬عندما‭ ‬بنى‭ ‬البريطانيون‭ ‬ميناء‭ ‬تجاريا‭ ‬على‭ ‬عمق‭ ‬أكبر،‭ ‬ويبعد‭ ‬60‭ ‬كيلومترا‭ ‬شمالا،‭ ‬لاستيعاب‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬المتزايدة‭ ‬مع‭ ‬افتتاح‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭.‬

حينها،‭ ‬انتقل‭ “‬التجار‭ ‬والمواطنون‭ ‬إلى‭ ‬بورت‭ ‬سودان‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التعليم‭ ‬والمال‭”‬،‭ ‬وفقا‭ ‬لرئيس‭ ‬بلدية‭ ‬سواكن‭.‬

ويضيف‭ ‬أنّ‭ ‬جدّه‭ ‬زعيم‭ ‬قبيلة‭ ‬أرتيقا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تدير‭ ‬سواكن‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬السادس،‭ “‬تمسّك‭ ‬بالمدينة‭ ‬ورفض‭ ‬أن‭ ‬يرحل‭”‬،‭ ‬ليستمر‭ ‬السلطة‭ ‬من‭ ‬الأب‭ ‬إلى‭ ‬الابن‭.‬

وكدليل‭ ‬على‭ ‬نفوذ‭ ‬قبيلة‭ ‬أرتيقا،‭ ‬يحتفظ‭ ‬في‭ ‬منزله‭ ‬بما‭ ‬يقول‭ ‬إنّها‭ ‬سيوف‭ ‬وأزياء‭ ‬عسكرية‭ ‬أهدتها‭ ‬الملكة‭ ‬فيكتوريا‭ ‬لأجداده‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الاستعمار‭ ‬البريطاني‭.‬

شكّل‭ ‬صعود‭ ‬بورت‭ ‬سودان‭ ‬كارثة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬سواكن،‭ ‬التي‭ ‬تداعت‭ ‬مبانيها‭ ‬العامة‭ ‬الفخمة‭ ‬ومنازلها‭ ‬الأنيقة‭ ‬مع‭ ‬الزمن،‭ ‬بينما‭ ‬تآكلها‭ ‬الهواء‭ ‬البحري‭ ‬وحرارة‭ ‬الصيف‭.‬

مع‭ ‬ذلك،‭ ‬حملت‭ ‬أعوام‭ ‬التسعينات‭ ‬حملت‭ ‬أملا‭ ‬جديدا‭ ‬لسكان‭ ‬المدينة،‭ ‬مع‭ ‬افتتاح‭ ‬ميناء‭ ‬ركاب‭ ‬جديد‭ ‬يربط‭ ‬سواكن‭ ‬بجدة‭ ‬في‭ ‬السعودية‭.‬

واليوم،‭ ‬تقوم‭ ‬شركة‭ ‬النقل‭ ‬السودانية‭ “‬تاركو‭” (‬Tarco‭) ‬بتشغيل‭ ‬رحلات‭ ‬يومية،‭ ‬تنقل‭ ‬حوالى‭ ‬200‭ ‬راكب‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬رحلة‭ ‬من‭ ‬ميناء‭ ‬سواكن‭ ‬الجديد‭.‬

وفي‭ ‬العام‭ ‬2017،‭ ‬ساد‭ ‬تفاؤل‭ ‬بين‭ ‬السكان،‭ ‬عندما‭ ‬منح‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬عمر‭ ‬البشير‭ ‬المرفأ‭ ‬القديم‭ ‬لنظيره‭ ‬التركي‭ ‬رجب‭ ‬طيب‭ ‬إردوغان‭ ‬بموجب‭ ‬عقد‭ ‬إيجار‭ ‬لمدة‭ ‬99‭ ‬عاما‭ ‬يشمل‭ ‬القيام‭ ‬بأعمال‭ ‬تطوير‭ ‬سياحي‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬قوبل‭ ‬باستنكار‭ ‬وخشية‭ ‬من‭ ‬تمركز‭ ‬عسكري‭ ‬على‭ ‬واجهة‭ ‬بحرية‭ ‬استراتيجية‭.‬

وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬القلق،‭ ‬نفت‭ ‬أنقرة‭ ‬أي‭ ‬نية‭ ‬لإنشاء‭ ‬قاعدة‭ ‬عسكرية،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أنها‭ ‬تريد‭ ‬تشجيع‭ ‬رحلات‭ ‬الحج‭ ‬مجددا‭ ‬وتعزيز‭ ‬السياحة‭. ‬بعدها،‭ ‬قامت‭ ‬شركة‭ ‬تركية‭ ‬بترميم‭ ‬قصر‭ ‬الحاكم‭ ‬القديم‭ ‬ومبنى‭ ‬الجمارك‭ ‬ومسجدين،‭ ‬لكن‭ ‬المشروع‭ ‬توقف‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2019‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬البشير‭ ‬في‭ ‬موجهة‭ ‬احتجاجات‭ ‬جماهيرية‭.‬

ومع‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬الجيش‭ ‬وقوات‭ ‬الدعم‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬نيسان‭/‬أبريل‭ ‬2023،‭ ‬اختفى‭ ‬ركاب‭ ‬السفن‭ ‬السياحية‭ ‬والغواصون‭ ‬من‭ ‬سواكن‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭.‬

ولم‭ ‬تبقَ‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬سوى‭ ‬سفينة‭ ‬شحن‭ ‬يغطيها‭ ‬الصدأ‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬قوارب‭ ‬الصيد‭.‬

ولكن‭ ‬أحمد‭ ‬بشرى‭ ‬من‭ ‬جمعية‭ ‬حماية‭ ‬التراث‭ ‬الحي‭ ‬للسودان‭ ‬من‭ ‬النزاع‭ ‬وتغيّر‭ ‬المناخ‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬تفاؤله‭. ‬ويعرب‭ ‬عن‭ ‬أمله‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يستضيف‭ ‬المسجد‭ ‬مهرجانا‭ ‬للموسيقى‭ ‬التقليدية‭ ‬عند‭ ‬اكتمال‭ ‬ترميمه‭ “‬في‭ ‬غضون‭ ‬خمسة‭ ‬أشهر‭”.‬

ويقول‭ “‬عندما‭ ‬ننتهي‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬الترميم،‭ ‬سيتمكّن‭ ‬السياح‭ ‬من‭ ‬القدوم‭”.‬