آلاء – منار عبد الهادي

478

قصة قصيرة

آلاء – منار عبد الهادي

جثت على ركبتيها على ثرى تفوح منه رائحة طل سقط بمزته خاطفة , شعرها الكستنائي نشر شذاه بهبة رياح حركت غصن حط عليه طائر . سرعان ما تعرف الثرى على راحة يديها الطريتين صرخت فتردد الصدى وطار الطائر . رفعت شيئا من الثرى ورمته باتجاه السماء لكنه تساقط حبات برد . رد الرعد على صرختها وبكت السماء . صرخت الشجرة آلاء , التفتت الفتاة ونادت “ماذا “. انتصبت اغصان الشجرة : “انا لم اقصدك بل قصدت المطر” .

– لكنك ناديت اسمي !

– كلا انا لم اناديك البته.

صرخ برعم تفتح للتو نعم انها آلاء , التفتت الفتاة وقالت:

– ماذا تريد ؟

– لا انا لم احدثك , بل تكلمت مع امي الشجرة .

بدا امتعاض على وجه الفتاة وقبضت راحتها على الثرى فصرخ الاخير من شدة الالم , وما ان فتحت راحتيها صاح الثرى :

– آلاء !

وقفت الفتاة مرتعدة وراحت تعدو .

– الاء …

تصرخ الاشجار . الارض والسماء .

وضعت الفتاة راحة يديها على اذنيها إلا ان الصوت اقوى . تعثرت بحجر وسقطت , صرخ الحجر :

– الاء .

انتبهت الفتاة انه ليس حجرا بل سلحفاة كانت مقلوبة على عقبها واستقامت بتعثرها , تمتمت السلحفاة :

– وجودك آلاء يا فتاة .

ومضت في طريقها . تذكرت الفتاة وجودها ! تساءلت , اين هي يا ترى وما هذا المكان الذي يصرخ باسمها ؟! سمع حجر تمتمتها وأجاب :

– لم تكن هنا سوى صحراء قاحلة , تنتقل فيها كثبان الرمال هنا وهناك , لم يمر جمل ولا قافلة ولا اي كائن حي من هنا , المكان ميت ولا حياة فيه , انا هنا منذ زمن بعيد , لكن ما ترتبه هو نعمة نزلت علينا فجأة , الكل يصرخ الاء بمعنى النعم .

– لكن الاء هو اسمي !

– لقد اقترن كل ما ترتبه بدخولك هذا المكان , وليس مستغربا ان يكون معنى اسمك هو النعم !

– رباه , ماذا تقول يا حجر !

– لقد احييت عالمنا يا فتاة , سقط المطر , نبتت الاشجار , كبرت وتساقط ثمرها , كان دخولك الى هذه الصحراء نعمة .

– انا لم ادخل الى هنا بإرادتي ايها الحجر , بل قادني الى هنا القدر . انا ماضية الى عالمي الذي احلم حين تمسكت بي احدى القوافل , وقادتني الى هنا , لم استطع الهروب منها , ولا اعلم طريق الخلاص , ان هذا ليس ما اصبو اليه .

– ربما دخلت الى هنا بطريق الخطأ لكنك احييتي هذه الارض يا جميلة.

– كلا , اريد الخروج من هنا ساعدني ايها الحجر , ارجوك .

– ان خرجتي , فحتى الصحراء التي كنا فيها , ستتحول الى لا شيء , لان النبوءة تقول هكذا .

قبل عدة نيف من السنين , مر بي شيخ يسير برفقة عدد من الجمال , اخبرني ان هذه الصحراء ستموت فوق موتها , ولن يبقى منها سوى الرمال , لا قوافل ولا حياة ولا مطر . لكن فتاة ستدخل فجأة لتعيد الحياة اليها , لكن وللأسف ليس للفتاة قرار وسينتهي كل شيء الى اسوأ مما كان ! قال بأن لها من يؤثرها القول من نساء ورجال , تبحث عن ارض ترفع من شأنها اكثر , هي تريد ان تعيش حياة سعيدة الا ان اقوال من تتأثر بهم اقوى , هي لا تعلم ان لقوتها شأنا مؤثرا على كل ارض تمر بها , الا ان ضعفها امام اصحابها كان له التأثير الاقوى على افعالها . لقد قال الشيخ ان اسمها آلاء وان اسمها يدل عليها , ما ان تدخل هذه الارض الا وسوف ترى الفرق شاسعا .

– هراء , انا لا احد يؤثر علي قوله , ولكني اريد اشياء واجد ان من حولي يؤيدها , انا محظوظة بأصدقائي .

– نعم , انا لا انكر انهم يريدون لك خيرا في احيان ولكن وبأحيان اخرى , وحين يتعلق الامر بأن تكوني بأرض هم لم ينالوا مثلها , فستكوين موضع حسد لهم . هم لا يريدون ان يكون من هو احسن منهم وان كان صديقهم , انا متأكد بأنك سترحلين بفعل قوتهم وتأثيرهم عليك , لكن اعلمي ان تلك الاشجار التي من حولك ستيبس , والطيور ستنتفق, وتلك السلحفاة التي رأيتها , هي النمط الرتيب الذي يناغم حياه هذا العالم , وستموت ايضا برحيلك . انك سوف تقتلين الحياة التي خلقتيها بدخولك لهذا المكان !

– ان كنت انا سبب الوجود فليس لي ذنب ان كنت سبب العدم , كان خطأ وأحاول تصحيحه .

– نعم تستطيعين الخروج من هنا بكل سهولة ايتها الفتاة الجميلة , لكن عليك ان تعلمي ايضا , بان وجودك هنا لم يجلب الحياة لنا فقط , بل جلبها لك ايضا , لقد اصبحت ملكة هذه الارض , وازداد جمالك جمالا بتأثير تغير المناخ , كل من حولك ينادي بأسمك , كل من حولك ينحني اجلالا لنعمتك . ربما مصادفة ان يطلق عليك ذووك تسمية النعم , إلا انها تدل عليك .

– هراء .. هذا هراء .. اريد ان اخرج من هنا .

– حسنا .. اتبعي الطريق الذي كنت تسلكين , وستخرجين من هنا , وتعودين كما كنت . اعلمي يا عزيزتي , ان المرء لا يختار اصحابه فقط , بل ارضه الذي يعيش عليها , انا اجزم بأنك ستخرجين فهكذا تقول النبوءة , وليس لنا مصير اخر غير الفناء , لكن اعلمي ان بخروجك ستخسرين , فجميع الاراضي التي ستطؤها قدمك وان سترين بريقها إلا انها زيف , سيأتي اليوم الذي ستحننين به الى هذه الارض الذي يصرخ كل من فيها باسمك , وتحاولين العودة , لكن لا تستطيعين , فكل ما تريه الان لسوف يفنى وينتهي به المطاف الى عدم , كما ان حياتك سوف تفقد المعنى . اسلكي هذا الطريق وامضي , سنمضي معا , كلانا سينتهي به المطاف الى وجهة لا يريدها , وكلانا سنحن الى هذه اللحظة , هذا ان بقيت انا على قيد الحياة ولم افنى .

– انك تتكلم بدرجة عالية من الثقة وهذا مثير للاستغراب , ماذا ان عدلت ولم ارحل ! تساءلت الفتاة باستغراب .

– بل سترحلين . انا واثق من نبوءة الشيخ . فنبوءته بحياة هذه الارض هي بينة على زوالها . انك سترحلين رغما عنك وان قررت العكس , ذلك لكون قرارك مرهونا بمن تكنين لهم الود والاحترام , وهم وان كنوا لك ذات الود لكنهم يجهلون الاشياء التي تسعدك . سترحلين , سوف يموت من ينادي باسمك وستعودين غريبة حتى بين محبيك . ليس وطنك الا الارض التي تحبك وتعطيك مكانتك التي تستحقين , اما هم فلديهم ارضهم , وستبقين تستجدين شيئا من ارضهم لعلك تشعرين بشيء من الراحة لكنك لن تجديها , انهم يمنون عليك بما يعطوك , وشعور الراحة لديك ما هو الا شعور برضاهم عنك , انك تجعلين من كلامهم عنك وأفعالهم مقياسا لك , لكن هيهات ان يكون ذلك قدرك الحقيقي , فانت اعلى قيمة من ان يقيمك هؤلاء او يسيروك , كما عليك ان تعلمي بعلاقة المشاعية والقيمة , كلما تمنت ارض وطأة اقدامك عليها لندرتك , كنت اعلى قيمة من تلك المشاعة التي تطأ الاراضي كلما سنحت لها الفرصة . كما ان وطأتك لأرض خصبة ليس كوطأتك لأرض بور , وكثير ما يخدع المظهر , فكم من ارض تكثر بزرعها إلا ان زرعـــــها ليس بنافع .

هذا ما اريد اقوله عزيزتي في ايامي الاخيرة معك .

– يا حجر هلا تكلمت اكثر , ان كلامك غريب , كيف للأرض ان تزهر لمجرد مرور انسان !

– في الحقيقة انها ليست ارض بما تعنيه الكلمة بل انها فؤاد احد العاشقين ! همت الفتاة بالرحيل وتحققت النبوءة …

مشاركة