آثار‭ ‬مقلقة‭ ‬لكورونا‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬ذوي‭ ‬الاضطرابات‭ ‬العقلية‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬المدمرة

230

أطفال‭ ‬أمام‭ ‬مصير‭ ‬مجهور‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬المعدات‭ ‬ونقص‭ ‬العلاج

الموصل‭ (‬العراق‭)-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬بعد‭ ‬رفع‭ ‬تدابير‭ ‬الإغلاق‭ ‬الرامية‭ ‬لاحتواء‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي،‭ ‬وجد‭ ‬الأطباء‭ ‬أنفسهم‭ ‬أمام‭ ‬حقيقة‭ ‬مؤلمة‭ ‬مع‭ ‬تدهور‭ ‬حالات‭ ‬الأطفال‭ ‬والشباب‭ ‬المصابين‭ ‬باضطرابات‭ ‬عقلية‭ ‬وذوي‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الخاصة‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬المدينة‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬حُررت‭ ‬من‭ ‬قبضة‭ ‬الجهاديين‭ ‬قبل‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭. ‬وأُغلقت‭ ‬المراكز‭ ‬الصحية‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬تعالج‭ ‬هؤلاء‭ ‬لنحو‭ ‬أربعة‭ ‬شهور‭ ‬لمنع‭ ‬تفشي‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬المستجد‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬330‭ ‬ألف‭ ‬عراقي‭ ‬وأودى‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬8000،‭ ‬بحسب‭ ‬الأرقام‭ ‬الرسمية‭.‬

وخسر‭ ‬مئات‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬تشخيصهم‭ ‬باضطرابات‭ ‬عقلية‭ ‬عديدة‭ ‬بينها‭ ‬التوحّد،‭ ‬فرصة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬برامج‭ ‬علاج‭ ‬وإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬يشير‭ ‬الأطباء‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬ضرورية‭.‬

وتقول‭ ‬أخصائية‭ ‬التوحد‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬إلهام‭ ‬خطاب‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬‮«‬فترة‭ ‬انتشار‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬أثرت‭ ‬كثيراً‭ ‬على‭ ‬حالة‭ ‬الاطفال‭ ‬المصابين‭ ‬بالتوحد‭ ‬وازدادت‭ ‬حالاتهم‭ ‬سوءا‭ ‬وأصبحت‭ ‬كارثية‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‮»‬‭. ‬وتعرضت‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬في‭ ‬الموصل،‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬مدن‭ ‬العراق،‭ ‬لدمار‭ ‬هائل‭ ‬خلال‭ ‬معارك‭ ‬استعادتها‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬الجهاديين‭ ‬الذين‭ ‬اعتبروها‭ ‬‮«‬عاصمة‮»‬‭ ‬للتنظيم‭ ‬بين‭ ‬صيف‭ ‬2014‭ ‬وحتى‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2017‭. ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬اليوم‭ ‬غير‭ ‬مستشفى‭ ‬عام‭ ‬واحد‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬خدمات‭ ‬طبية‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬مليوني‭ ‬نسمة‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬وجهة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬رعاية‭ ‬صحية‭ ‬تعد‭ ‬الأفضل‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬بدوره،‭ ‬يقدّم‭ ‬مركز‭ ‬‮«‬فخري‭ ‬الدباغ‮»‬‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬الموصل‭ ‬خدمات‭ ‬مجانية‭ ‬لعلاج‭ ‬170‭ ‬طفلا‭ ‬مصابا‭ ‬بأعراض‭ ‬التوحد‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الخاصة‭. ‬وينتظر‭ ‬الأهالي‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬المنشأة‭ ‬الحكومية‭ ‬المكتظة‭ ‬بينما‭ ‬يخضع‭ ‬الأطفال‭ ‬لدورات‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬في‭ ‬غرفتين‭ ‬صغيرتين‭. ‬وداخل‭ ‬غرفة‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬المركز،‭ ‬جلس‭ ‬حوالى‭ ‬عشرة‭ ‬أطفال‭ ‬يتدربون‭ ‬على‭ ‬العزف‭ ‬على‭ ‬بيانو‭ ‬كهربائي‭ ‬لتحسين‭ ‬مهاراتهم‭ ‬الحركية‭.‬

ويحذر‭ ‬مدير‭ ‬المركز‭ ‬الطبيب‭ ‬محمد‭ ‬القيسي‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يعالج‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬فستتطور‭ ‬الاضطرابات‭ ‬لديهم‭ ‬ويحدث‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬نموهم‭ ‬الشخصي‭ ‬والنفسي‭ … ‬ويتجهون‭ ‬للأسوأ‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬التحديات‭ ‬عديدة‭. ‬وتحدثت‭ ‬الباحثة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬نسرين‭ ‬حمدي‭ (‬63‭ ‬عاما‭) ‬عن‭ ‬نقص‭ ‬المعدات‭ ‬والتدريب‭ ‬قائلة‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬استقبال‭ ‬مرضى‭ ‬جُدد،‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ (‬مثلا‭) ‬سيارات‭ ‬لنقل‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬الحركة‮»‬‭. ‬ودفع‭ ‬ذلك‭ ‬العائلات‭ ‬الميسورة‭ ‬للتوجه‭ ‬إلى‭ ‬عيادات‭ ‬خاصة‭ ‬لعلاج‭ ‬أطفالها‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭ ‬العقلية‭ ‬التي‭ ‬يتردد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العراقيين‭ ‬في‭ ‬التحدّث‭ ‬عنها‭ ‬علنا‭ ‬رغم‭ ‬كثرة‭ ‬أعداد‭ ‬المصابين‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬مزقته‭ ‬الحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬العيادات‭ ‬معهد‭ ‬الدكتور‭ ‬أحمد‭ ‬الصوفي‭ ‬حيث‭ ‬تكلف‭ ‬مجموعة‭ ‬جلسات‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬شهر‭ ‬واحد‭ ‬120‭ ‬الف‭ ‬دينار‭ (‬حوالى‭ ‬مئة‭ ‬دولار‭) ‬وتجري‭ ‬وفقا‭ ‬لبرامج‭ ‬حديثة‭ ‬بينها‭ ‬العلاج‭ ‬بالموسيقى‭ ‬أو‭ ‬الرسم‭. ‬ويقول‭ ‬الصوفي‭ (‬35‭ ‬عاما‭) ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬المرضى‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬نينوى‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬قبل‭ ‬داعش‭ (‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭) ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬حوالى‭ ‬4000‭ ‬حالة‭ ‬وارتفعت‭ ‬إلى‭ ‬6000‭ ‬تقريباً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬والآن‭ ‬أرتفع‭ ‬العدد‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬آلاف‭ ‬حالة‮»‬‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬المفروض‭ ‬لاحتواء‭ ‬تفشي‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬قد‭ ‬يساهم‭ ‬بتفاقم‭ ‬المرض،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬غياب‭ ‬إمكانية‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬المنزل‭ ‬الأطفال‭ ‬للجوء‭ ‬إلى‭ ‬الهواتف‭ ‬النقالة‭ ‬أو‭ ‬الحاسوب‭ ‬أو‭ ‬التلفاز‭. ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬تفاقم‭ ‬أعراض‭ ‬التوحد‭ ‬لدى‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الشاشات‭. ‬وتؤكد‭ ‬أم‭ ‬ليث‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬وتروي‭ ‬تجربتها‭ ‬المؤلمة‭ ‬مع‭ ‬أبنائها‭ ‬الأربعة،‭ ‬المسجلين‭ ‬جميعا‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬‮«‬فخري‭ ‬الدباغ‮»‬‭.‬

وأفادت‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬بقاءهم‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تدهور‭ ‬حالاتهم‭.‬

وقالت‭ ‬‮«‬خوفا‭ ‬على‭ ‬أطفالي‭ ‬كنت‭ ‬أجعلهم‭ ‬يقضون‭ ‬أغلب‭ ‬الوقت‭ ‬بمتابعة‭ ‬التلفزيون‭ ‬أو‭ ‬الإنترنت‭ ‬أو‭ ‬الموبايل‭ (‬لكن‭) ‬ذلك‭ ‬زاد‭ ‬عزلتهم‭ ‬وبالتالي‭ ‬ساءت‭ ‬حالتهم‮»‬‭.‬

‭- ‬وصمة‭ ‬عار‭ -‬

ويشتكي‭ ‬الأطباء‭ ‬من‭ ‬مشاكل‭ ‬أخرى‭ ‬بينها‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بإصابة‭ ‬أبنائهم‭ ‬يشكل‭ ‬وصمة‭ ‬عار‭.‬

وتقول‭ ‬أخصائية‭ ‬الطب‭ ‬النفسي‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬رحمة‭ ‬زهير‭ ‬بهذا‭ ‬الخصوص‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬هي‭ ‬مشكلتنا‭ ‬الرئيسية‭: ‬عدم‭ ‬اعتراف‭ ‬وتقبل‭ ‬الأهل‭ ‬لنوعية‭ ‬المرض‭ ‬الذي‭ ‬يعانيه‭ ‬الطفل،‭ ‬وهذا‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬نحتاجها‭ ‬لبدء‭ ‬العلاج‮»‬‭.‬

وتؤكد‭ ‬المتحدثة‭ ‬بأسم‭ ‬منظمة‭ ‬‮«‬أنقذوا‭ ‬الأطفال‮»‬‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬أمل‭ ‬طيف‭ ‬التي‭ ‬استقبلت‭ ‬هيئتها‭ ‬15‭ ‬الف‭ ‬طفل‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2019‭ ‬و2020‭ ‬إن‭ ‬‮«‬الاحتياجات‭ ‬تضاعفت‭ ‬كثيراً‭ ‬مع‭ (‬انتشار‭) ‬كوفيد‭-‬19‮»‬‭.‬

وحذّرت‭ ‬‮«‬هناك‭ ‬كوادر‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الصحة‭ ‬العقلية،‭ ‬لكنها‭ ‬لاتملك‭ ‬بالضرورة‭ ‬خبرة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطفولة‭ ‬أو‭ ‬أطباء‭ ‬أطفال‭ ‬لكن‭ ‬دون‭ ‬خبرة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الصحة‭ ‬العقلية‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬لتحديد‭ ‬أصابة‭ ‬أطفال‭ ‬بالتوحد‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬كذلك،‭ ‬أو‭ ‬العكس‭ ‬عدم‭ ‬تشخيص‭ ‬أخرين‭ ‬رغم‭ ‬أصابتهم‭ ‬بالمرض‭.‬

لكن‭ ‬الأمر‭ ‬يبدو‭ ‬معقدا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للذين‭ ‬تاكدت‭ ‬إصابتهم‭ ‬بالمرض،‭ ‬لأن‭ ‬مدينتهم‭ ‬تفتقر‭ ‬لمقومات‭ ‬الرعاية‭ ‬الأساسية‭ ‬مثل‭ ‬الأمن‭ ‬والتعليم‭ ‬والامن‭ ‬الغذائي‭.‬

ويعد‭ ‬توفر‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬أمراً‭ ‬شَبه‭ ‬مستحيل‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬تعاني‭ ‬أغلب‭ ‬محافظاته‭ ‬نقصاً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬بينها‭ ‬الماء‭ ‬والكهرباء‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬بعيدة‭ ‬المنال،‭ ‬بينما‭ ‬يعيش‭ ‬أبناؤه‭ ‬حروبا‭ ‬وصراعات‭ ‬منذ‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭.‬

‭ ‬

مشاركة