الروائي مصطفي لغتيري يتحدث لـ (الزمان) عن طقوس الكتابة في المقاهي: سنجعل المغرب بلداً قصصياً بامتياز
حوار: هشام بن الشاوي مصطفي لغتيري، كاتب مغربي يؤسس مملكته السردية الخاصة في صمت.. يكتب الرواية، القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، من مؤلفاته: هواجس امرأة (قصص- 2001)، شيء من الوجل (قصص- 2004)، مظلة في قبر(قصص قصيرة جدا - 2006) ، رجال وكلاب (رواية- 2007 )، رقصة العنكبوت (رواية- 2008) وهو عضو اتحاد كتاب المغرب، وحائز علي عدة جوائز عربية ومغربية .. صدر له مؤخرا كتاب (تسونامي- قصص قصيرة جدا) عن منشورات أجراس والصالون الأدبي ، وبهذه المناسبة كان لنا معه هذا اللقاء : û بداية، هل يمكن أن نعرف من هو مصطفي لغتيري الإنسان؟ - مصطفي لغتيري مثل باقي الناس ، إنسان عاد جدا لا يميزه شيء عن الآخرين ، يشتغل في التدريس وله أسرة و أصدقاء، ويشترك مع جميع الكتاب في هوسه بالقراءة و الكتابة، وحماسه للفعل الثقافي بصفة عامة.
لماذا تكتب؟ ولمن؟ - أكتب من أجل أن أفهم ذاتي و العالم من حولي بشكل جيد، بل و يمكن أن أدعي أن الكتابة منحتني فرصة كبيرة لإعادة بناء ذاتي بالشكل الذي أرغب فيه. أما لمن أكتب، فهذا سؤال من الصعب الإجابة عليه ، إذ أنه يجرني إلي التفكير في القارئ المفترض، الذي يسكن ذهني حين أكون منخرطا في عملية الكتابة . هكذا وبالنظر إلي طبيعة كتابتي التي أحرص علي أن تكون قراءتها متاحة للجميع، من خلال امتلاكها لخاصية البساطة، يمكنني الادعاء أنني أفكر في جميع القراء دفعة واحدة، فلمحدودي الثقافة ، أوجه المعني الأول للنص،و للنقاد والكتاب أوجه المعاني الخفية، التي لا تمنح نفسها بسهولة، رغم الإيهام ببساطة المكتوب و وضوحه. û معظم المبدعين استهلوا مشوارهم الإبداعي بكتابة محاولات شعرية، أستاذ مصطفي، هل جربت كتابة الشعر ؟ ولو لم تكن كاتب قصة و روائيا.. أي نار من الأجناس الفنية الأخري ستختار أن تصطلي بها؟ ولماذا؟ - بالفعل لقد كانت لي أنا الآخر تجربة مبكرة في كتابة الشعر، مدفوعا في ذلك بصدمة الحب الأولي، وقد أذيعت بعض قصائدي في الإذاعة المغربية، لكنني بعد ذلك كتبت الشعر لنفسي، ولا أزال أفعل ذلك إلي يومنا هذا، حين تخترق القلب دفقة من المشاعر غير متوقعة. ولا أنوي نشر هذا الشعر، لأنه يخصني أنا فقط ، و أكتبه لنفسي. أما بخصوص سؤالك الثاني، فأظن أن الكتابة المسرحية كانت ستستهويني أكثر نظرا لطابعها الدرامي، الذي أميل إليه حتي في كتابتي القصصية و الروائية، بل يمكنني أن أخبرك بأنني قد جربت حظي في هذا المجال، وكتبت بعض المسرحيات من فصل واحد، قد تري النور ذات نشر. û لكل كاتب طقوس معينة في محراب الكتابة، ما هي طقوسك في الكتابة ؟ - لا أبدا ليست لي طقوس معينة، فقط أحتاج لقليل من الهدوء، و أن أكون في حالة نفسية مستقرة و هادئة، وأفضل أن أكتب في مقهي هادئ لا يتوفر علي جهاز التلفاز. û هل الإبداع - في نظرك - قادر علي التعبير عن واقعنا العربي المأزوم من الوريد إلي الوريد ؟ - أعتقد أن الإبداع قد تخلص من وهم التعبير عن الواقع المأزوم، وأضحي يعبر عن نفسه، الموضوع الكبير لا يصنع أدبا كبيرا، المهم أن يقدم الأديب نصا مقنعا و جميلا، أما ما دون ذلك فعلي المبدع أن لا يشغل به نفسه، لأنه كثيرا ما يأتي علي حساب القيمة الفنية للنص، وذلك من خلال ارتفاع الصوت و الارتباط بقضايا آنية و نسيبة، فالوضع الاجتماعي أو السياسي سرعان ما يتغيران، ويذهب الأدب ضحية ارتباطه بهما. ففي رأيي المتواضع يتعين علي الأديب أن يرتبط بالقيم الإنسانية العامة الخالدة، كالحرية و رفض استعباد الإنسان واستغلاله مهما كانت المبررات. هذه القيم تضمن لإبداعه الخلود، أو علي الأقل تحميه من الابتذال. û لماذا يشهد الشعر في المغرب تراجعا ؟ وهل المغرب بلد قصصي بامتياز ، كما كتبت في أحد مقالاتك ؟ - الشعر لم يتراجع، فعدد الشعراء في اطراد مستمر، لكنه يعاني من منافسة شديدة من قبل القصة القصيرة، التي تعرف ازدهارا ملحوظا في السنوات الأخيرة، يشهد بها جميع الملاحظين، وفي هذا الإطار كتبت المقال الذي أشرت إليه بمناسبة اليوم الوطني للقصة ، فنحن - معشر القصاصين- نبيت النية لجعل المغرب بلدا قصصيا بامتياز، وهذا ما تحقق نسبيا، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار عدد القصاصين و الإطارات الثقافية التي تهتم بالقصة وعدد الإصدارات و اللقاءات الثقافية المحتفية بالقصة، وغير ذلك مما يرجح كفة القصة القصيرة في المغرب. و أنا شخصيا متفائل بمستقبل هذا الجنس الأدبي الجميل في بلادنا. û ما رأيك في (موضة)التجريب القصصي؟ وهل يمكن أن نعتبره مجرد تقليعة عابرة؟ وأي الكتاب الأقرب إليك؟ - أنا شخصيا أحترم جميع التجارب، وأميل نحو احترام الحق في الاختلاف، فالتنوع في التجارب الإبداعية يغني مدونة القص المغربي، والقصة - الآن و هنا- محكومة بالتجريب شئنا ذلك أم أبينا، و القصاصون جميعهم يخوضون في هذا البحر اللجب، كل حسب وجهة نظره و إمكاناته الإبداعية، و لذلك بالطبع حسناته ،فعلي الأقل يضمن التجريب للقصة القصيرة عدم إصابتها بالرتابة و التكرار ، وأظن أن التجربة الجديدة حققت كثيرا من الأمور الإيجابية لصالح القصة، وأن الزمن سينصفها. أما بالنسبة للكتاب الأقرب إلي فمن الصعب الجزم في ذلك، إذ أن كل قاص يستهويني فيه جانب معين، هناك من أحب لغته وهناك من يستهويني بناؤه القصصي، وآخر شغبه وهكذا.. فأنا أومن بأن العبقرية موزعة بين القصاصين و لا يستحوذ عليها قاص بعينه. û يقال بأن الكتابة عن الجسد أو ما يمكن تسميته بــــ "أدب السرير" السلعة الأكثر رواجا في سوق الأدب الراكدة ؟ - لا هذا غير صحيح ، قلة من الأدباء يطرقون هذا الباب و يستمرون فيه، و أنا لست ضد اختيارهم لهذا الصنف من الكتابة، لأنني أخشي إن فعلت ذلك أن أسقط في براثن التقييم الأخلاقي للأدب ، لهذا أعتقد أن توظيف الجنس في الكتابة إن كان يخدم الإبداع ، فهو مرغوب فيه و محبذ، لكنني أختلف مع إقحامه عنوة من أجل الإثارة و دغدغة أحاسيس القارئ. û لمَ تستقبل النصوص التي تكتبها المرأة بحفاوة أكثر.. من القراء والنقاد علي حد سواء؟ وهل توافق علي التمييز العنصري بين أدب تكتبه المرأة وأدب يكتبه الرجل ؟ - حتي و إن كان ذلك صحيحا أعتبره أمرا إيجابيا ، لأن المرأة لم تأخذ فرصتها عبر تاريخها الطويل، وهي - بالتالي- تفتقد للجرأة الكافية للدفاع عن إنتاجها الإبداعي، ومن ثمة فالتمييز الإيجابي لصالحها قد يفيد أحيانا، و في السنوات الأخيرة ألاحظ أن المرأة الكاتبة لم تعد في حاجة لمن يأخذ بيدها، لأنها أنتجت نصوصا جيدة تنافس - عن جدارة واستحقاق- ما يكتبه زميلها الرجل.. ومن الإيجابي جدا أن نتخلي عن نظرتنا الشوفينية تجاه المرأة الكاتبة، ولننظر إلي علاقتها بنا و بالكتابة في بعدها الحضاري العام ، فوجود كاتبات عربيات، يقدمنا إلي العالم من حولنا بشكل أفضل ، هذا علاوة علي أن للمرأة الأديبة لمسة خاصة، قد لا يتوفر عليها الأديب الرجل، وهذا يساهم - بلا ريب- في إغناء الأدب. û ما تقييكم - بصفة عامة - للأدب العربي في المغرب والعالم العربي؟ وهل لدينا نقاد يواكبون هذا الفيض الإبداعي؟ - الأدب العربي يحقق تراكما متواصلا، ويتوفر علي نصوص لامعة شعرا و قصة ورواية. للأسف نفتقد لمؤسسات تدافع عن هذا الأدب و تروج له ، ثم إن معضلة النشر عويصة ، و لا تساهم في مواكبة الزخم الإبداعي الذي يحققه الأدب العربي، عبر تحقيق التراكم المطلوب، ويبقي الأدباء وحدهم في الميدان، يناضلون من أجل السير قدما بالأدب العربي نحو المراتب التي يستحقها عالميا.. أما الوضع في المغرب فلا يكاد يختلف كثيرا عن الوضع العربي العام ، الذي لم يصل بعد إلي تقدير الفعل الثقافي حق قدره. أما بالنسبة للنقد فيلاحظ - بصفة عامة- نوع من الفتور و عدم قدرة النقاد علي متابعة جميع ما ينتجه المبدع العربي، ومع ذلك فالأمر ليس كارثيا، فهناك زمرة من النقاد تبذل مجهودات محمودة في المتابعة و الرصد و التقييم. و أخص بالذكر النقد الصحافي و الأكاديمي. û أسست برفقة بعض الإخوة جمعية فتية صار ذات إشعاع وطني ملحوظ .. كيف نشأت فكرة إنشاء جمعية (الصالون الأدبي) و مجلة ودار نشر (أجراس) ؟ وهل يمكن - وبإمكانيات محدودة- إصلاح ما أفسدته اللوبيات الثقافية ؟ - فكرة الصالون الأدبي جاءت بناء علي الفراغ الثقافي الذي كانت تعاني منه مدينة الدارالبيضاء ، وقد استطاع هذا الصالون أن يعيد كثيرا من الألق الثقافي إلي هذه المدينة بل والمغرب عامة، من خلال تأسيسه لفروع في كثير من المدن المغربية، كما استطاع كذلك نشر مجموعة من الكتب، و أنشأ جائزة في القصة القصيرة جدا و جائزة للإبداع التلاميذي، وقد حفز كثيرا من الجمعيات و النوادي علي الرفع من وتيرة اشتغالها الثقافي، وهذا يسعدنا كثيرا. هل ذلك كاف؟ سأكون واهما إن اعتقدت ذلك، فلا بديل عن عمل مؤسساتي ضخم و مدعوم ماديا للرفع من قيمة الثقافة و ترويجها و جعلها هما يوميا للمواطن العربي. û الجوائز أحيانا تصير شهادة تقاعد ضمنية غير معلن.. مثلا ، بعض المبدعين تواروا عن الأنظار بعد فوزهم بإحدي الجوائز التقديرية.. ألا تخشَ الجوائز ؟ - لا أبدا، الجوائز مهمة للأديب فهي تمثل نوعا من الدعم المعنوي للكاتب قد يساعده علي الاستمرار،لأنها تشعره بنوع من الاعتراف و تمنح ما يقوم به نوعا من الجدوي، التي قد يحتاجها خاصة في غياب أي تشجيع أو دعم. أتمني أن تكثر الجوائز وتستهدف الكتاب الشباب علي الخصوص. فهذه الفئة من الكتاب هي الأكثر حاجة إلي السند و الدعم ، لتستمر في طريقها غير السالك. û قال الشاعر السوري علي جمعة الكعود في كلمته الأخيرة في حوار معه ":أقول للقارئ العربي توقف عن القراءة، لأن الكتـّاب أنفسهم توقفوا عن القراءة، فهم لا يقرأون إلا لأنفسهم، وأقول للكتاب توقفوا عن الكتابة وكفي الله القارئين شر القراءة". هل تتفق معه ؟ - لا بالتأكيد، أنا أختلف معه في ما ذهب إليه، و إن كنت أشم من خلال القولة نفحة من السخرية اللاذعة ، وبالتالي فهي - في رأيي- تعني عكس ما تصرح به. و مع ذلك فأنا مقتنع بأنه لابد من المقاومة وعدم الخضوع لواقع الحال، كما يتعين علينا أن نتمسك بالأمل والحلم ، فالتأييس مرض يجب استئصاله من الذهنية العربية.. لا بد من القراءة، و الوضع ليس بالسوء الذي يتم تصويره أحيانا. بالطبع هناك مشاكل و صعوبات، لكن لا بديل عن التمسك بفعل القراءة حتي آخر الرمق. إنها مسألة وجود و ليست ترفا يمكننا التخلي عنه متي شئنا ، لا خيار لدينا في هذا المجال، فقط أتمني أن تتحمل المؤسسات الرسمية مسؤولياتها في هذا المجال ، لأنها هي من يملك القرار و الإمكانيات المادية ،لتحقيق ذلك.
Azzaman International Newspaper - Issue 3006 - Date 28/5/2008
جريدة (الزمان) الدولية - العدد 3006 - التاريخ 28/5/2008