تناقضات عربية تبررها التحالفات السرية **
ماذا لو كان للعرب مشروع لحل الأزمات؟ **

حسن حنفي
وأخيرا، حضر العرب بعد طول غياب. الكل يتساءل أين العرب؟ أوطانهم مستباحة. يُعتدي علي بعضها بالغزو المباشر في العراق وفلسطين، وبالتدخل المباشر في الصومال والسودان، وبالتهديد في سوريا ولبنان. ثلاثمائة وخمسون مليوناً أكبر من كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، واليابان، واندونيسيا، وباكستان والدول ذات الكثافة السكانية العالية. ومع ذلك غائبون، لا صوت لهم ولا ثقل، ولا اعتراف بهم علي الساحة الدولية، ولا يقيم أحد وزنا لهم. يتلقون الأوامر من الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها من القوي المحلية أو الدولية بالرغم من أن أنظمتهم السياسية عالية الصوت ضد شعوبهم في الداخل عندما تندلع المظاهرات ضد الغلاء والفقر والفساد والقهر والتبعية. وتهرع لسماع نصائح الراعي الأمريكي ومواعظه بالديمقراطية، وهو المستفيد الأكبر من قهرها وتسلطها علي شعوبها المناهضة لها ولمشروعها وإمبراطوريتها وعولمتها وعالمها ذي القطب الواحد.
حضر العرب بعد أن تجمدت المبادرة العربية في لبنان. لم يقبلها الفرقاء ولم يرفضوها. كانت مجرد ساحة لاستمرار الصراع. كل فريق يقرأها لصالحه. يستحسنونها قولا، ويعرقلونها عملا. كل طرف يقرأ فيها ما يريد، ويرفض قراءة الطرف الآخر. والزمن يطول. دولة بلا رئيس منذ ستة أشهر. ووطن في أزمة سياسية، وبرلمان معطل، وحكومة غادر ثلثها، وعصيان مدني. غابت المصلحة الوطنية لصالح المصلحة الحزبية. كل فريق يتهم الآخر بالخيانة لصالح أمريكا وإسرائيل أو بالعمالة لصالح سوريا وإيران. غاب المستقبل، مستقبل لبنان، وحدته واستقلاله، لصالح ماضيه الطائفي والعرقي وحاضره المشتت بين القوي الإقليمية والدولية. غلب التناقض الثانوي بين الخصوم السياسيين وفرقاء النضال وأبناء الوطن الواحد علي التناقض الرئيس بينهم من ناحية وبين أمريكا وإسرائيل من ناحية أخري. وتقدمت الجامعة العربية بمبادرتها المعقولة في صيغة لا غالب ولا مغلوب، توفق بين كل الآراء، وتقدم مصلحة الوطن علي كل شيء: انتخاب الرئيس التوافقي، حكومة الوحدة الوطنية، تعديل قوانين الانتخابات. ثم نقصتها إجراءات التنفيذ. واختلف الفرقاء علي التوالي أو التزامن، وبأيهما يبدأون. اختلفوا علي الاتفاق، واتفقوا علي الاختلاف. ودارت المبادرة في حلقة مفرغة، بدايتها كنهايتها، ونهايتها كبدايتها. والجامعة العربية في النهاية حصيلة الإرادات العربية الغائبة. وفاقد الشيء لا يعطيه. ليس لها ثقل مصر. ثم وقعت الحكومة التي تمثل الموالاة في خطأ فادح وهو إصدار القرارين الخاصين بإقالة مدير أمن مطار بيروت الدولي، وعقد العزم علي تفكيك شبكة اتصالات حزب الله التي تعادل السلاح كما حدث في حرب يوليو ــ تموز الأخيرة 2006 عندما استطاعت القيادة العسكرية في حزب الله فك شفرة اتصالات العدو الإسرائيلي في جنوب لبنان. في حين لم تستطع قيادة الجيش الإسرائيلي التصنت علي شبكة اتصالات المقاومة. ومهما أمكن من الدخول في شبكة الاتصالات الفضائية عبر الأقمار الصناعية فإنه يصعب الدخول في شبكة الاتصالات الأرضية. فالأرض حاضنة للأسرار أكثر من السماء. وكانت انتفاضة المقاومة دفاعا عن وجودها وشرعيتها ومستقبلها. واستولت علي بيروت. وقطعت طريق المطار. ولم يكن هناك سبيل لإيقاف الحرب الأهلية الجديدة إلا بتدخل الجيش الوطني، آخر درع في وحدة الوطن وآخر مؤسسة مستقلة فيه. سلمت له قوي الموالاة مقارها وأسلحتها، حرصا علي حياتها. وقدرته واحترمته قوي المعارضة لأنه جيش وطني. فطالب الحكومة بالتراجع عن قراريها المشؤومين. فادعت أنهما لم يصدرا بعد حفظا لماء الوجه، "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها". وفي نفس الوقت تحرك العرب. واجتمع وزراء الخارجية العرب في القاهرة. وقرروا إيفاد لجنة وزارية إلي بيروت لنزع الفتيل ولوأد الفتنة في مهدها. وتم إحياء المبادرة العربية تحت خطر السلاح وسقوط الشهداء وبداية اشتعال الفتنة. وبعد أيام تشكلت لجنة أخري من داخل اللجنة الأولي برئاسة قطر للذهاب إلي الدوحة للمفاوضات بين كل الفرقاء. وحبس العرب الأنفاس، فشل أم نجاح، حرب أهلية جديدة أم حقن للدماء والوصول إلي وفاق وطني؟ ونجح العرب في النهاية بالوساطة القطرية، وتدخل الأمير شخصيا في اللحظة الحاسمة. فالقرارات المصيرية في الحرب والسلم مازالت في أيدي الملوك والرؤساء والسلاطين والأمراء. ويتم ذلك كله في غياب مصر المنشغلة باتفاق التهدئة بين حماس وإسرائيل، وبحضور قطر التي احتفظت بمسافة متساوية من الفريقين المتخاصمين، وكونت محور "التعادل" مع الأردن والسعودية ضد محور التطرف حزب الله وسوريا وإيران. ودعمت الحكومة اللبنانية وقوي الرابع عشر من آذار ضد المعارضة اللبنانية والمقاومة الوطنية. ففقدت قدرتها علي الحكم بين الفريقين المتنازعين. وانضمت إلي أنصار المشروع الأمريكي الإسرائيلي في الوطن العربي ضد أنصار المشروع الوطني العربي. لقد قامت قطر بلعب دور مصر التقليدي. وأصبح الأخ الأصغر الأخ الأكبر ولم تؤيد مصر الاتفاق بين الفرقاء اللبنانيين في قطر إلا بعد أن أيدته السعودية ووزيرة الخارجية الأمريكية وسوريا وإيران وكل القوي المحلية والعربية والدولية. ثم جاء وزير خارجية مصر في آخر القائمة. ونظرا لغياب مصر عن الساحة العربية بعد أن كانت مركزها قامت قطر بدورها أفضل مما تقوم به مصر. وأصبح لأمير قطر هيبة وحضور عربي أكثر مما لدي رئيس جمهورية مصر العربية. ربما تغير ميزان القوي من مصر إلي الخليج، من القيادة التاريخية إلي القيادة النفطية. وكلما ضعف النظام السياسي في مصر وانعزل داخل حدوده مفرطا في أمنه القومي في الشام وفي السودان، في الشمال والجنوب، مقتصرا علي جناحه الشرقي في السعودية والغربي في دول المغرب العربي، قوي الخليج. وبرزت قطر كلاعبة رئيسة فيه بحضور وزير خارجيتها وقناتها الإعلامية وقدرتها علي الإمساك بموازين القوي الدولية، والقواعد العسكرية الأمريكية في مياهها الإقليمية، وقيادة الأسطول الأمريكي فوق أراضيها. الخليج بعوائد نفطه وثرواته المتراكمة وموقعه الجغرافي، حلقة الاتصال بين الشرق والغرب، ومخاطبة القوي الكبري، أمريكا وإسرائيل وده، مؤهل للقيام بدور مصر التقليدي التي أنهكت قواها منذ القرن التاسع عشر في التصدي للهجمات الاستعمارية علي الوطن العربي منذ محمد علي حتي عبد الناصر، ودخلت خمس حروب دفاعا عن فلسطين، وتآكلت بنيتها التحتية، وزاد فقر شعبها. والحجة: لماذا لا تتعدد مراكز القيادة والمبادرة في الوطن العربي، في مصر والشام والخليج والمغرب والسودان؟ والرد: الشام المدخل الشرقي لمصر، وقادر علي توسيع دائرة التحالف مع تركيا جارتها الشمالية. والخليج جناح مصر الشرقي وقادر علي توسيع دائرة الحوار بين العرب وإيران. والمغرب جناح مصر الغربي وقادر علي مد الجسور مع الغرب باعتباره الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط وأوربا ضفته الشمالية. والسودان الجناح الجنوبي لمصر وطريقها إلي أعالي النيل وإفريقيا للحفاظ علي أمنها القومي كما فعل محمد علي وعبد الناصر. والتصور: تعدد المراكز يقضي علي احتكار الأخ الأكبر لمركز القيادة خاصة في الأوقات التي يتعب فيها. والكبير لا يظل كبيرا، ولا الصغير صغيرا. الكبير يهرم والصغير يشب. وقديما انتقلت مراكز الخلافة مرات عدة، من المدينة إلي الشام إلي بغداد إلي القاهرة إلي استانبول. والواقع: إنه غياب الخيال السياسي في القيادة المصرية والتفريط في أمنها القومي والتخلي عن رسالتها التاريخية ووجودها الجغرافي. لقد سعد الجميع بالاتفاق الأخير بين الفرقاء اللبنانيين في قطر علي كل المستويات: اللبناني، والعربي، والإسلامي، والغربي والشرقي. وتمني الجميع أن يتكرر في العراق وفلسطين والسودان والصومال وأفغانستان، فلماذا يظل الإخوة الفلسطينيون في شقاق بين فتح وحماس، بين السلطة والمقاومة؟ لماذا يظل الإخوة في العراق في شقاق والعدو مازال محتلا لأراضيهم؟ لما يظل الإخوة في الصومال في اقتتال دامٍ بينهما، بين الحكومة المتعاونة مع المحتل الأثيوبي والمقاومة الإسلامية الوطنية؟ لماذا يظل الإخوة في السودان في خصام بين الحكومة وسائر الأقاليم في الجنوب ودارفور وكردفان؟ لماذا يظل الإخوة في المغرب في شقاق بين الحكومة المغربية والبوليساريو؟ لماذا يظل الخلاف قائما بين دولة الإمارات العربية والجمهورية الإسلامية في إيران حول الجزر الثلاث في مدخل الخليج؟ لماذا يظل التوتر قائما في المغرب العربي كله بين العرب والبربر مهما يهدد وحدة الأوطان في المستقبل؟ لماذا تبقي المحاور في الوطن العربي بين الاعتدال والتطرف دون حوار جدي بينهما لصالح الوطن العربي كله؟ لو أن العرب قد حضروا في الخلاف بين الكويت والعراق حول آبار النفط علي الحدود عام 1990 في حرب الخليج الثانية لما حدث الغزو العراقي للكويت نفس العام، ولا الغزو الأمريكي للعراق عام 1991 الذي أعطي شرعية التدخل الأمريكي في العراق بفارق صوتين. ولو أن العرب حضروا قبل الغزو العراقي لإيران في حرب الخليج الأولي لما أنهك العرب والمسلمون قواهم في الاقتتال بينهم والعدو علي الأبواب. فهل يغيب العرب من جديد أم يستمرون في الحضور والعودة إلي التاريخ؟

Azzaman International Newspaper - Issue 3012 - Date 4/6/2008

جريدة »الزمان« الدولية - العدد 3012 - التاريخ 4/6/2008

AZP07
HSHN