النفور من النظام: الخبز والسلطة **

حسن حنفي
علاقة المواطن بالنظام السياسي تقوم علي الاحترام المتبادل. فالمواطن قد اختار النظام السياسي بمحض ارادته. والنظام السياسي أتي لحماية حقوق المواطن. هناك وئام بين الاثنين وتوافق في المصالح. لذلك يطمئن النظام من غضب المواطن وثورته. كما يطمئن المواطن من قهر النظام السياسي وتسلطه. هذه الحالة المثالية والطبيعية في نفس الوقت لا تطرد لدي كل الشعوب. فبين الاثنين عداء مستحكم وتناقض في المصالح، وتضارب في الأهداف بل وعداوة مستحكمة عبر تاريخ النظم وتاريخ الوطن. ولا ينطبق هذا الوصف علي نظام سياسي بعينه بل هي حالة افتراضية تعم عديدا من النظم شرقا وغربا، شمالا وجنوبا. وقد وصف الفلاسفة من قبل مثل الفارابي المدينة الفاضلة، والمدن الجاهلة، مدن المال والقوة والفساد. والنظام غير الدولة. النظام متغير والدولة ثابتة. النظم تتوالي علي الدولة، والدولة قائمة. والشعب باق مثل الدولة. تتوالي عليه النظم المتغيرة. ويتبلور لديه الوعي التاريخي. ليس الهدف من هذا الوصف قبول النظام المثالي المتفق مع الارادة الخاصة للمواطن والارادة العامة للمواطنين أو الثورة علي النظام القائم المناقض لهما بل تحليل التجارب اليومية التي يعيشها المواطن ورصيده الأول في علاقته بالنظام وتحديد اتجاهاته نحوه. فالنظام البديل الذي قد يأتي بعد الثورة علي النظام القديم قد لا يختلف عنه. فمظاهر النفور من النظام ظواهر ثابتة عبر التاريخ وليست خاصة بنظام دون غيره. وهو أحد أسباب النفور من كل الأنظمة السياسية والرفض النفسي له. فالاستغلال والاحتكار والفساد والقهر والتسلط والتبعية عناصر شبه ثابتة في معظم الأنظمة السياسية مهما تغيرت أسماؤها وتعددت مراحلها. هناك ثقافة شعبية سائدة هي التي تتحكم في الحاكم والمحكوم، في النظام والمواطن. وقد يتبلد الاحساس عند كليهما فلا يؤثر فيهما نقد كل منهما للآخر. فالنظام يترك الناس تتكلم وهو يفعل ما يشاء. والناس تفعل ما تشاء وتترك النظام يتكلم. الثورة علي النظام الرأسمالي من قوي اشتراكية معارضة، والثورة ضد نظام تابع عميل لقوي خارجية، والثورة ضد القهر والتسلط في الداخل. كل ذلك مفهوم في مجتمع عقلاني رشيد يعرف كل طرف حقوقه وواجباته. أما النفور من النظام القائم فهو احساس وطني عام مع عجز عن تغييره فلا بديل عنه في ثقافة الفرقة الناجية، وهي الحكومة، والفرق الهالكة الضالة وهي فرق المعارضة. وأسباب النفور من النظام وادارة الظهر له والتوقف عن اطلاق النكات الشعبية عليه فإنه لا يستحقها عديدة. منها انتشار الشرطة والأمن المركزي وقوات الأمن بالعصي والخوذات والدروع واللباس الأسود في كل مكان حول الجامعات والمصانع التي يحتمل أن تخرج مظاهرات الاحتجاج منها، والجري بالخطوة السريعة كالمردة والشياطين يعلنون قوة النظام. والويل لمن يخرج عليه. فاذا حدث الصدام يسيل الدماء من أوجه الطلبة والعمال أو يزج بهم في السجون تحت قانون الطوارئ أو المعدل باسم قانون مكافحة الارهاب الذي يجدد من أسبوعين الي ستة أشهر دون تهمة معينة أو محاكمة.
كما تحوط الشرطة وأجهزة الأمن ومصفحاته حول مقار النقابات والاتحادات وسائر منظمات المجتمع المدني حتي تظل احتجاجاتها وخطبها وبياناتها داخل المقار، ولا تخرج للناس. كما تحوط بدور العبادة والمساجد والكنائس والمعابد حتي لا يتحرك جمهور المصلين منها أيام الجمع والأعياد وحتي لا يعتدي بعضها علي بعض في نظام يبث الفرقة بين المواطنين والديانات حتي يعطي لنفسه الذريعة في الاعتماد المتزايد علي قوي الأمن لحفظ النظام.
ويُقبض علي رؤساء تحرير الصحف ويقدمون للمحاكمة للتعبير عن الرأي وهو ما يضمنه الدستور وحرية الصحافة. فلا صحافة الا صحافة الدولة والحزب الحاكم والمعارضة المستأنسة والاعلام الرسمي الذي يبرر النظام. كما يتم القبض علي القضاة، السلطة المستقلة والتي لها حصانتها، وتقديم كبارهم الي المحاكمة أمام السلطة التنفيذية. ويعتقل أساتذة الجامعات لأي نشاط زائد علي المهنة، القاء المحاضرات، دون أي حق في ممارسة أي نشاط اضافي كمواطن يشارك في الحياة العامة وحصانة الجامعة مثل حصانة القضاء للأستاذ وللقاضي، للعلم وللعدل. وتزور الانتخابات البرلمانية والمحلية لصالح النظام. ويضرب مرشحو المعارضة أو يقبض عليهم قبل الانتخابات أو توضع أمامهم العراقيل الادارية مثل عدم اكتمال الأوراق، زحمة الطوابير، غلق مكاتب تسلم الأوراق حتي ينتهي آخر موعد للترشيح، فالعين بصيرة واليد قصيرة. وتقال الوزارة ويعين غيرها لامتصاص الغضب الشعبي، والايحاء بانتهاء الأزمة وقرب الحل، واعطاء الأمل لطوابير الانتظار في المنصب الوزاري. فكثيرون هم "عبده مشتاق". ويحدث نفس الشيء بالنسبة لمناصب رؤساء الجامعات ورؤساء تحرير الصحف والمحافظين ومديري الأمن وكل المناصب الرئاسية في الدولة. واذا حدث تغيير فهو تغيير شكلي، ضم محافظتين في واحدة، أو قسمة محافظة الي محافظتين، ضم حيين في حي واحد أو قسمة حي الي حيين. وتستعمل ملفات الفساد كأداة للضغط علي المسؤولين ورؤساء الصحف السابقين والوزراء ومديري الشركات. وتظل علي مكتب الرئيس ان شاء انتقم وان شاء صمت. وتنشر الأخبار علي الصفحات الأولي لبيان طهارة اليد وتعقب النظام للفساد والفاسدين والمفسدين. ثم يخيم الصمت، وينتهي الأمر. وتبدأ الذاكرة في النسيان. وتهرب الأموال الي الخارج بالملايين، ويستدعي الهارب والمساومة معه لارجاع جزء وأخذ جزء، والشركة في السرقة.
وتنتشر الرشاوي في مؤسسات الدولة الأمنية والادارية، في أقسام الشرطة ودواوين الحكومة وادارات المرور لاستخراج تراخيص القيادة والسيارات أو تخفيض الغرامات أو استخراج تراخيص البناء بل في دخول كليات الشرطة وكليات الحربية لضمان الوظيفة بعد التخرج، وينافس الشرطي منادي السيارات علي "البقشيش" بعد ركن السيارات علي الأرصفة. فالشرطي رئيس المنادي. فيتحول المنادي الي وظيفة أخري مثل الرقابة من بعيد عليه. ويثير النفور من النظام طوابير الخبز وسكان المقابر ونجوع الصفيح وأكوام الزبالة والمجاري الطافحة، وحفر الطريق، والأرصفة المهدمة. وفي نفس الوقت كنس الشوارع التي يمر بها الرئيس، ووضع الخطوط البيضاء، وايقاف مرور السيارات علي الطرق العلوية والناس تهرول الي أشغالهم في الصباح، وتأخير المرور عليها لأن الوزراء ورجال الأمن يمرون وكأن الوطن للبعض دون البعض الآخر. وتزدحم الطرقات، وتتوقف حركة المرور بسبب أو بغير سبب، وتعود الناس الي بيوتها محطمة من الارهاق وحرب الشوارع، تكفر بالنظام وتنفر منه.
ويثير النفور والاشمئزاز التفاوت الشديد بين الأغنياء والفقراء، بين سكان القصور وسكان القبور، بين القري السياحية علي الساحل الشمالي ومارينا وغيرها أو علي الساحل الشرقي، ساحل البحر الأحمر، وبين أربعة آلاف قرية غير سياحية في ريف مصر تعوزها المياه الصالحة للشرب والكهرباء، والصرف الصحي، والبيوت الآمنة بدلا من بيوت الطين أو الخوص التي تلتهما ألسنة النيران في دقائق. ويوحي التفاوت الشديد بين القرية والمدينة بأن الوطن قد انقسم الي قسمين، مركز ومحيط، سادة وعبيد، أشراف وعامة. مظاهر النفور من النظام عديدة تؤدي الي انكسار الذات والانطواء علي النفس والانزواء الي الحائط. فالوطن ليس للمواطن ولا المواطن له وطن. ويصبح الزوجان في حالة ظهار دائم الي أن يعود الحب والوئام بينهما. "سبحان الله مغير القلوب".

Azzaman International Newspaper - Issue 2984 - Date 3/5/2008

جريدة »الزمان« الدولية - العدد 8492 - التاريخ 3/5/8002

AZP07
HSHN